البعد الخامس - طالب عمران

رواية من الخيال العلمي - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-7-

كان الدكتور ماهر ينتظركما في الفندق، كانت الساعة تقارب التاسعة والربع، شربتم القهوة بصمت، كان الدكتور ماهر شارداً قلقاً وهو يرمق الساعة في معصمه كل فترة.. أنهى فنجان قهوته التركية بسرعة وأشار لكما بيده لتلحقاه.. غمغم في السيارة:‏

-هل سأراه حقاً؟‏

قلت: -كما سمعنا الدكتور زيدي دون أن نراه؟‏

-كيف حضر إلى هنا؟ هل حضر بالطائرة أم أن انتقاله كان بوسيلة أخرى؟.‏

-تبدو القضية معقدة... على كل حال إذا لقيناه فعلاً سنحاول أن نستوضح الأمر.. نرجو أن يساعدنا في ذلك.‏

نظر إليك بعمق وهزّ رأسه وهو يقول:‏

-سنراه مافي ذلك من شك.. ألست واثقاً من ذلك؟‏

-أنا في حيرة ياسيدي.. أشياء كثيرة لا أفهمها..‏

-أنا أؤمن بالتخاطر وقد جهزت نفسي منذ يومين للقاء جدي.. ليس عندي أدنى شك في ذلك .‏

كانت السيارة قد وصلت إلى (الجانباث) كانت المحلات تزدحم بالزوار.. توقفت قليلاً عند الإشارة ثم تابعة سيرها.. متجهة صوب (ساحة الكانات بليس) منحرفة إلى اليسار في اتجاه (الجانترمانتر) حيث توقفت أمام بابها الرئيسي.. كانت الساعة تشير في ذلك الوقت إلى العاشرة إلا ربعاً..‏

هدأ الدكتور (ماهر) من أعصابه قليلاً، وأشار لكما يدعوكما للدخول:‏

-سنتجول في الحديقة، نحن لا نعلم في أي مكان منها سيكون لقاؤنا..‏

كانت الحديقة مليئة بالساعات الفلكيّة ومدرجّات الرصد وقد ازدحمت بالزوار.. كان الدكتور ماهر ملهوفاً وهو يتفحّص الوجوه من حوله.. كأنه ينتظر ظهور الدكتور حامد بين لحظة وأخرى.. ومرّ الوقت ثقيلاً بطيئاً ولينا تتأبط ذراعك قلقة محتارة أيضاً. وفجأة وصلكم صوتاً هادئاً واضحاً:‏

-أهلاً بكم في (الجانتر مانتر)..‏

هتف ماهر بقلق وانفعال: -جديّ؟‏

-نعم ياماهر.. اقترب مني أنت ومن معك.‏

-أين؟ نحن لا نراك..‏

-ستراني يابني.. أنا قرب الشجرة الضخمة أمام السور الحديدي..‏

وفعلاً كان هناك شيخ أبيض اللحية سمح الوجه ينظر إليكم بعمق قرب الشجرة الضخمة..‏

هرع الدكتور ماهر إليه: -جديّ.. أمعقول ما أرى؟‏

-نعم يابني.. أنا جدّك‏

-كيف حضرت إلى هنا.. هل جئت بالطائرة؟ أم كيف؟‏

ضحك الشيخ بهدوء: -جئت عبر المكان‏

-كيف لم أفهم؟ هل اخترقت الزمان والمكان وقفزت إلى هنا؟‏

-شرح لكم الدكتور زيدي كل شيء عن مكان المكان وزمان الزمان.. عن البعد الخامس..‏

-نعم.. ولكننا نراك ونسمع صوتك؟‏

-هذا صحيح.. ولكنكم بعد دقائق لن تروني.. ولن تروني بعد ذلك أبداً، سأعيش في عالم لايشبه عالمكم‏

-جدّي كيف أصبحت هكذا؟ ماهي القوة التي اكتسبتها بخبرتك لتنتقل عبر الأمكنة والأزمنة هكذا؟‏

-ستفهم كل شيء ياماهر.. اسمع يابني.. إن كنت مصمّماً على متابعة البحث في سرّ تجاربي على الحياة.. اذهب إلى مخبري القديم وافتحه.. افتح الدرج الثالث على يمين المخبر.. إنه درج مكتب ضخم سترى فيه الأجوبة عن جميع تساؤلاتك..‏

-قال لي الدكتور (زيدي) أنك تفوقت عليه بكيفيّة الانتقال عبر الأزمنة والأمكنة، لماذا تريد العيش في عالم يختلف عن عالمنا؟ ولماذا تؤكد ياجدّي أننا لن نراك بعد ذلك أبداً؟‏

-تعبت من التقيّد بجسمي الماديّ المرهق.. قيود المادة بشعة وثقيلة..‏

-ولكن ياجدّي بهذه البساطة تتخلّى عن عالمنا.. لمَ لا تبقى حتى يوافيك الأجل وتعيش بيننا.‏

-ثم أموت بعد أن يضعف جسمي ويشيخ كثيراً، ثم تهيؤون لي جنازة لائقة وتدفنونني في قبر وتذكرونني لبعض الوقت ثم تنسونني مع مر الزمن..‏

-هكذا الحياة ياجدي، كلّنا سنشيخ وسندفن في قبور، لمَ لا تكون عادياً "مثلنا؟‏

-آه ياماهر، من تعرّف على البعد الخامس ويستطيع القفز إليه والتوغل في خفاياه، لا يستطيع أن يعيش الحياة العادية التي تعيشونها.. لماذا أغامر بمعرفتي وعلمي لأعود لعالم لا أشعر أنني أنتمي إليه حقاً.. عالم فيه الظلم والغدر والجريمة، وسيادة النزعة الحيوانية.‏

-جدّي.. تعرف كم أحبك وكم أسعى للوصول إليك، واكتساب خبرتك ومعرفتك.. علّمني، عرفني على ماتوصلت إليه، ونفّذ ماتريد بعد ذلك.. أرجوك ياجدي.‏

نظر العجوز السابح في البياض إليكم، تأمّل ماهر بحزن ثم قال:‏

-فات الأوان ياولدي.. جئت لوداعك، وأرسلت لك رسالة تخاطرية عن طريق هذه المرأة الوادعة لتقابلني هنا.. جئت مودعاً ولن تراني بعد اليوم ولن تستلم رسائلي المعنونة إلى بريدك بعد هذه اللحظة..‏

-جدي.. أرجوك لاتتكلّم بهذه اللهجة المؤلمة.‏

كان الدكتور ماهر يذرف الدمع الصامت وهو يحدّق نحو جدّه الذي بدأ يتحول إلى شبح مكلل بالبياض ووصلتكم عباراته المحزنة.‏

-إن كنت تبحث في سرّ تجاربي على الحياة.. اذهب إلى مخبري القديم كما قلت لك وافتحه، على يمين المخبر حيث الأواني والمحاليل.. هناك مكتب ضخم، افتح درجه الثالث، ستجد مفتاحه خلف الدرج الأسفل المفتوح سترى فيه كل الأجوبة عن تساؤلاتك.. وداعاً ياولدي..‏

صرخت لينا بحزن: -إنه يختفي كسحابة تضمحل.. سبحان الله‏

كان الدكتور ماهر يصرخ بحزن: -جدّي.. جدّي‏

ضغطت على كتفه بصمت وأنت ترى مقدار فجيعته.. وغيّبتكم الأسئلة المخيفة ضمن سحب من الحيرة وعدم الفهم..‏

عدتم إلى الفندق وكانت السيارة تنتظركم وسائقها أمام الحديقة، كان منظر الدكتور ماهر محزناً وقد بدا على وجهه الألم والهمّ.. لم تتحادثوا في السيّارة حتى عندما ودعكم إلى غرفته دون أن يضيف كلمة.. كانت لينا تشدّ ذراعك وأنتما تقطعان بهو الفندق، نحو الكافتيريا..‏

-اشعر برغبة كبيرة في تناول القهوة والاسترخاء..‏

-لماذا لا نصعد إلى غرفتنا، ستجهزين قهوة هناك.؟‏

-لا.. أريد أن أجلس في أقرب مكان وأطلق العنان لمخيلتي أعيد تركيب الأحداث المدهشة..‏

-حسنٌ.. سنجلس إذن في هذه الزاوية..‏

كانت زاوية ملتفة بشكل أريكة مريحة، جلستما معاً متجاورين..‏

-قل لي، هل ماحدث كان حقيقياً؟‏

-أعتقد ذلك‏

-ولكن كيف؟ إنه شيء لا يصدق.. لماذا لم يخطر ببالنا فكرة استخدام كاميرا لتصوير الدكتور حامد وهو يختفي؟‏

-فعلاً أنت محقّة..‏

-آه.. يا إلهي، ربما كان حدثاً أسطورياً لن يتكرر في حياتي، مارأيته حدثاً أشبه بخرافة مستحيلة..‏

-قد يكون خارجاً عن المألوف بدرجة لا تصدّق، ولكنه حدث فعلاً..‏

أغمضت عينيها مسترخية وهي تهمس: -قهوة مع الحليب من فضلك..‏

سألتها وأنت ترى اهتمامها الكبير يتحوّل إلى هاجس بدا أنه يتملكها:‏

-أيمكن أن نصل لتفسير للأمر؟‏

همهمت شاردة: -ليتني أستوعب مايجري أولاً‏

قلت بحنان: -يجب أن ننام مبكرين سنلتقي مع الدكتور ماهر في الصباح، لاندري شيئاً عن خططه..‏

هزّت رأسها موافقة: -معك حق..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244