البعد الخامس - طالب عمران

رواية من الخيال العلمي - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-10-

كان ماهر يشعر بالقلق والحُنق من تصرفات أخيه.. وكان متردداً من إعادة الكرّة والتأثير على أخيه عن طريق وسيط.. من خوفه أن يتأثر مباشرة ويصاب بمرضٍ مجهول..‏

دخلنا إلى غرفة العرض وجلسنا صامتين.. كانت غرفة واسعة ما لبث (آمار) أن أحضر ملاءة وعصيّ وقضبان من الخشب، ثم تمدد على الأرض ووضع الملاءة وقضبان الخشب، وارتفع بجسمه المشدود في الفضاء متغلباً على الجاذبية.. هبط بعد لحظات، وعرّى صدره وبطنه، وأخذ يحرّك معدته وأمعاءه من تحت جلده الرقيق، ونحن مدهوشون لحركاته، ثم عاد من جديد يقف على رأسه ويحرك يديه، ثم يرتفع هكذا ورأسه إلى الأسفل وجسمه عمودي على أرض الغرفة ويطير في الغرفة للحظات قبل أن يعود وسط ذهولنا ثم وقف على رأسه في بركة ماء جانبيّة وظلّ هكذا لنحو ربع ساعة كأنه خشبة مغروسة في البركة دون حركة..‏

ونوّع عروضه كثيراً.. بالدخول إلى فرن متوهج بالنار ثم الخروج بعد لحظات دون أن تؤثر به النار شيئاً مشاهدٌ غريبةٌ غير مألوفةٍ شاهدناها، جرت مناقشات حولها مع (آمار) الذي ركّز على قوى الإنسان الخفية، وقدراته الخارقة.. التي يستطيع تفجيرها بالبعد عمّا يفسد البدن من طعامٍ به دهون ولحم حيواني ومن شرابٍ مسكّرٍ ودخانٍ وحقدٍ وحسدٍ وشرٍّ متراكمٍ في النفس.‏

صيام طويل على الماء فقط، ثم البدء بالتركيز الذي يكبر حتى يفجّر الطاقات الحبيسة والممارسة المستمرة تجعل الإنسان يصبح خارقاً باستخدامه لطاقات الدماغ..‏

واستمرت الجلسات حتى الحادية عشرة مساءً، حيث استأذنّا من المتخاطر الهندي الشهير لنعود إلى فندقنا..‏

كان ماهر صامتاً طوال الطريق، ظهر عليه القلق، وقد طلب منه آمار أن يعطيه الأذن بالاتصال بأخيه مرّة ثانية والتأثير عليه، ولكنه تردد مؤكداً له أنه سيخابره بالهاتف إن اقتنع بإعادة الكرّة..‏

وصلنا الفندق، واعتذر الدكتور ماهر بأنه متعب، واتجهنا إلى الكافتيريا لتناول عشاء خفيف ونحن نتناقش فيما حدث في بيت المتخاطر الهندي.. وبعد ذلك اتجهنا للنوم.‏

قالت لينا: -ما رأيناه اليوم من الصعب أن نراه لولا وجود الدكتور ماهر بيننا، كان يوماً استثنائياً .‏

قلت مكملاً: -ولست أشعر بالندم لأننا سنقطع زيارتنا.‏

-معك حق.. ثم أنني اشتقت للأولاد..‏

-إنهم بخير، والدتك تعتني بهم جيداً لا تقلقي.‏

-لست قلقة من هذه الناحية إنه الشوق فقط.‏

-ولا بد أن غيابك أوحشهم كثيراً..‏

وانبعث صوت رنين هاتف إلى جانبي كان الدكتور ماهر:‏

اتصل بي (آمار) قبل قليل.. دعانا للإفطار عنده، طائرتُنا في نحو الواحدة، ما رأيك؟‏

-أعتقد أننا لن نمانع، ما رأيك يا لينا بالإفطار عند المتخاطر الهندي غداً هذا ما يستشيرنا به الدكتور ماهر‏

-لا مانع بالطبع‏

-حسناً يا دكتور ماهر نحن موافقان‏

-أتمنى لك أحلاماً سعيدةً.. إذن.. إلى الملتقى في السابعة.‏

أطبق السماعة‏

-يبدو أن هناك المزيد من الاكتشافات الجديدة أمامنا.. في بيت ذلك المتخاطر الهندي‏

تحركنا في الصباح صوب بيت (آمار سينغ) استقبلنا على الباب رجل عجوز بلحية بيضاء، قادنا صوب الركن الخلفي من الفيلا..‏

لم نكن قد شاهدنا هذا الركن من قبل.. كان (آمار سينغ) قد أعدّ لنا إفطاراً شهياً، من (الباراتا) والبيض وبعض المقبلات الهندية إضافة للشاي بالحليب‏

-كنت قلقاً يا دكتور ماهر.. خفت عليك من هذا القلق‏

-نعم.. بالفعل كان القلق يأكلني على ما بقي من آثار جدي، وما زال..‏

-لذلك أرسلت بواسطة (سوشما) رسالة أخرى لأخيك، إنه مصاب بصداع الآن، أتريد أن تراه بواسطة الوعاء البلوري؟‏

-وما الذي تعتقد أنه يفعل الآن؟‏

-لقد تناول حبوباً مهدئة وهو نائم الآن‏

-إذن لا داعي لرؤيته من جديد.. ألا تشكل رسالتك الثانية خطراً عليه؟‏

-لا تقلق من هذه الناحية.. سيدة لينا تريدين رؤية أولادك؟‏

-أولادي؟ بالوعاء البلوري؟ ما رأيك يا طارق؟‏

-كما تشائين يا عزيزتي لا أرى مانعاً من ذلك..‏

-لا بأس.. إذن يا أستاذ.؟‏

صفق بيديه يستدعي سوشما التي وصلت خلال لحظات قال لها:‏

-جهزي نفسك وأحضري الوعاء البلوري‏

-في الحال يا سيدي‏

رأينا الأولاد بالوعاء البلوري، كانوا يلتفون حول أم لينا الممددة على السرير وهي ترنو حولها بإعياء بالغ شعرت لينا بالقلق والخوف على أمها.. ولكن آمار طمأنها أن حالتها الصحية غير خطيرة ثم أرانا شيئاً خارقاً آخر فلقد طلب من كل منا أن يسأل سؤالاً في ذهنه‏

وبالفعل سأل كل منا سؤالاً، رأينا القلم يتحرك لوحده ويكتب الجواب على الورقة وباللغة العربية أيضاً كان آمار عندها يركز طاقته على القلم الذي يتحرك ويكتب بقوة تحريك مركزة من دماغ آمار.. وحوالي التاسعة والنصف غادرنا بيت المتخاطر الهندي استعداداً للسفر‏

وبهدوء وصمت أكملنا إجراءات الرحيل، ومحاسبة الفندق وتوضيب الأغراض ثم الاتجاه نحو مطار (أنديرا غاندي) في دلهي... وأقلعت الطائرة والدكتور ماهر صامت يأكله القلق على بقايا تراث جده الدكتور حامد.. نامت لينا ولم تستيقظ سوى في مطار الشارقة، وبعد إقلاع الطائرة في طريقها إلى دمشق، كان التوتر يسود حركات الدكتور ماهر.. أشفقت عليه فبادلته الحديث محاولاً التخفيف عنه:‏

-أنا متأكد أن كل شيء سيكون على ما يرام.. أليس الصندوق المغلق هو المهم، لن يستطيع أحد فتحه إلا أنت‏

-ولكن قد يحطمونه، وربما يفجرونه لمعرفة فحواه‏

وأتت المضيفة إلينا: -دكتور ماهر؟ ماهر الضامن؟‏

-نعم؟ خير ماذا تريدين؟‏

-هناك سيدة ترغب بالحديث إليك.. ألديك مانع؟‏

-سيدةٌ ترغب بالحديث معي؟ ليس لدي مانع بالطبع؟‏

-حسناً، سأخبرها بذلك، إنها تشعر بالخجل، لا تريد أن تتطفل عليك وأنت مفكر، قد يكون التأمل الفردي أحد متعك الخاصة.‏

-لا بأس.. أين هي؟‏

أشارت المضيفة لسيدة خمسينية تقف في ممر الطائرة اقتربت من الدكتور ماهر باحترام:‏

-أنا لؤلؤة يا سيدي ابنة الدكتور حسن، جدّي هو الدكتور زيدي صديق جدك الدكتور حامد، كنت الحفيدة المقربة منه.‏

-لؤلؤة؟ أهلاً بك يا سيدتي، تفضلي، ذاهبة إلى دمشق؟‏

-لا.. أنا مسافرة إلى لندن عبر دمشق، نحن نقيم هناك منذ (20) عاماً‏

-وكيف عرفتني؟‏

-في البيت عندنا صورة مكبرة لجدي مع الدكتور حامد.. أنت تشبهه كثيراً تتبعت أخبار أبحاثك في محطات التلفزة الفضائية.‏

-حسناً، وما أخبار الدكتور حسن، والدك؟‏

-لا نراه إلا قليلاً، إنه بعمر يناهز المائة، ولكنه ينتقل كثيراً ويختفي كثيراً لا نعرف أخباره سوى برسائله القصيرة‏

-حدثيني عن أبحاثه، أعلم أنه يقوم بأبحاثٍ على الخلية الحية؟‏

-لا أعلم عنه شيئاً، زوجي يتابع نشاطاته رغم ندرة ظهوره إذا رغبت بمراسلته سأعطيك العنوان ما دمت مهتماً بهذه النشاطات‏

-سأكون سعيداً بذلك يا لؤلؤة..‏

انبعث صوت عبر المكبّر: ((بدأنا نقترب من مطار دمشق الدولي الرجاء من حضرات الركاب تجليس مساند المقاعد، وربط الأحزمة استعداداً للهبوط))‏

-شكراً لكِ يا لؤلؤة، سأخابركم في لندن‏

-الخاتمة-‏

هبطت الطائرة في مطار دمشق الدولي، وأنهى أحد الموظفين إجراءات الخروج بسرعة، وهو يدور حول الدكتور ماهر يلبي طلباته..‏

وأمام مبنى المطار كانت تنتظرنا سيارة وضعنا فيها أغراضنا أيضاً وانطلقنا نحو المدينة، وقد أشار الدكتور ماهر أن يتجه فوراً إلى مزرعة جده التي تبعد عن دمشق إلى الجنوب الغربي نحو (40) كيلو متراً ولم نمانع وما لبثت السيارة أن زادت من سرعتها وسط تشجيع الدكتور ماهر للسائق.. حتى وصلنا أخيراً إلى المزرعة قال السائق:‏

-سأنتظركم هنا يا سيدي‏

-بالطبع لن نغيب طويلاً‏

-حسناً.. هل أدخل السيارة إلى داخل المزرعة؟‏

-لا داعي لذلك، أوقفها في تلك الزاوية‏

-حسناً..‏

كان الباب مفتوحاً، وقد اقترب منّا أحد الحراس يحيّ الدكتور ماهر باحترام:‏

-أهلاً بك يا سيدي ماهر.‏

-ما تزال هنا؟ اعتقدت أن المزرعة قد بيعت.‏

-كادت الصفقة أن تتم، لولا أن وقع للأستاذ كاسر، حادث غريب جعله يغيب عن الوعي، وما زال غائباً عن الوعي-حالته خطيرة..‏

-وأين هو الآن؟‏

-في المستشفى المركزي، في قسم العناية المركزة.‏

-وماذا فعل بالمزرعة؟‏

-هدم البناء القديم، وأصلح البناء الجديد، كان يطلب سعراً مرتفعاً، وكان التجار يحومون حوله.. لولا أن سقط فجأة على الأرض وهو يشير لهم أن يبتعدوا..‏

قالت لينا: -حسناً، لندخل ونبحث عن الصندوق..‏

سأله الحارس وقد رأى لهفته:‏

-عمّا ذا تبحث يا سيدي.. البناء القديم هدم تماماً.. ما زالت هناك بعض الأنقاض‏

-وأين هذه الأنقاض..؟ دُلَّني..‏

-حسناً.. تفضل يا سيدي‏

كانت أنقاض البناء مكومة أمامنا بشكل محزن:‏

-هذا هو القبو، إنه مُزال تماماً، وما زال هناك مدخله فقط:‏

عاد الرجل يسأله: -أتبحث عن شيء يا سيدي؟ صندوق حديدي مثلاً؟‏

-نعم.. نعم.. أين؟‏

-إنه في عهدة الأستاذ كاسر.. وهو يضعه في مدخل البناء الحديث‏

-حسناً.. سأبحث أولاً تحت بلاطات المدخل.. جيد أنهم لم يزيلوها أيضاً‏

كانت البلاطة تتحرك وبالفعل عثر الدكتور ماهر تحتها على المفتاح‏

-ها هو المفتاح، لننطلق إلى الصندوق نفتحه‏

كانوا قد حاولوا فتح الصندوق بمختلف الوسائل ولم ينجحوا‏

فتحه الدكتور ماهر بالمفتاح بسهولة كانت هناك مجموعة من الأوراق والكتب القديمة.. كانوا يعتقدُنه مليئاً بالمال..‏

-الحمدُ لله.. إنها أسرار أبحاث جدي.. سأنكبُ على دراستها‏

سألته: -وكاسر؟ هل..؟ هل ستقف ضده؟‏

-لا.. لن أقوم بأي عملٍ بعد أن عثرتُ على هذه المخوطات.. ليسامحه الله..‏

***‏

وتكررت زيارتنا لماهر في مزرعته الصغيرة التي اشتراها وبدأ يطبق فيها أبحاث جده، وبعد عدة أشهر بدأ الدكتور ماهر يغيب طويلاً ويختفي كثيراً، بدأت استلم منه رسائله يؤكد فيها أنه على خطا جده، الدكتور حامد..‏

وفي عام 1997 اختفى تماماً، وقد أرسل رسالة أخيرة لنا، تؤكد أنه دخل في البعد الخامس وتعرّف على معنى مكان المكان وزمان الزمان.. وسط دهشة أحبائه ومريديه..‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244