سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-2-

حل المساء بموعده كما لو كان مختبئاً وراء الهضاب بانتظار احتضار آخر شعاع للشمس، ليقوم بهيبة الفارس الذي خلت له الساحة كي يعترش الأفق ويلفه بعتمة لا متناهية.‏

ما زال الوقت مبكراً وليس من سبب أو حدث يدفع عقارب الساعة لتتراكض في دائرة سجنها الأبدي، فتستمر بالتنقل من دقيقة إلى أخرى على مهل، تاركة وراءها مسافات زمنية فارغة، تثير فيها رغبة عارمة في أن تُحشى بشيء ما، بحدث عابر يحطم هذا الملل.‏

وقفت مريم بجانب النافذة، وراحت تراقب الشارع الوحيد الذي لا تهدأ الحياة فيه، فقد كان امتداداً للنقطة الحدودية الشمالية التي ترامت القرية على أطرافها.‏

كانت السيارات لا تكف عن سفرها ليلاً باتجاه الجنوب والشمال، وكان مرورها السريع يحدث ضجيجاً متقطعاً يخترق سكون القرية لحظاتٍ ويهدأ. ومع الزمن تعوّد الناس عليه وأصبح هذا الضجيج أحد مكونات السكون في قريتهم.‏

راقبت المشهد قليلاً ثم ابتعدت عن النافذة، باتجاه الباب، وقد كانت هي وأمها وأختها فاطمة يسكنّ إحدى الغرف في منزل بناه أخوها وشغل هو وأسرته بقيته، وكان باب الغرفة الوحيد مفتوحاً على شرفة مشتركة.‏

خرجت، ثم جلست على عتبة الشرفة المطلة على ساحة صغيرة انتشرت فيها بعض الأشجار المثمرة التي اعتاد أطفال أخيها على أكل ثمارها قبل أوان نضجها، عدا ثمار شجرتي الزيتون لتعذّر أكلها نيئة. وفي زاوية الساحة مدت شجرة العنب أغصانها باتجاهات مختلفة على الأرض، مشكلّة خيمة صغيرة ومأوى لكثير من الحشرات والزواحف. أما شجيرات الورد فقد أوشكت على اليباس نتيجة قلة الماء والإهمال وعبث الأطفال الدائم بها.‏

وفي الجهة الأخرى المواجهة للبيت والتي تحاشت مريم النظر إليها قامت غرفتان طينيتان كانت العائلة تسكنهما من قبل.‏

كان كل شيء في الساحة ساكناً وكأنه استسلم لحالة موت مؤقت.‏

أنصتت إلى الأصوات التي تأتي من الشارع، سمعت أحاديث خافتة من بعض المارة علت شيئاً فشيئاً، ثم عادت للهبوط تدريجياً مع ابتعادهم. وعلا صوت موسيقى ممزوج بصوت محرك سيارة وابتعد مسرعاً مع عجلاتها، ثم عاد السكون ليخيم من جديد باعثاً في نفسها الضجر. فقامت متجهة إلى الغرفة، حيث استلقت أمها على فرشة تراقب التلفاز في حالة ما بين النوم والصحو. وجلست فاطمة منحنية على كتاب تقرأ فيه. أثار مريم انحناءُ ظهرها فقالت:‏

-عدلي من جلستك وإلا ستصبحين قريباً كالعجوز الحدباء!‏

استفز الكلام فاطمة واعتبرته شتيمة فردت:‏

-سأبقي استقامة العود لك!‏

ضحكت مريم. ليكن. شجار عابر لا يضر، بل على العكس، فقد يقصر المسافة بين الدقائق التي أخذت تبدو أكثر طولاً من ذي قبل. وراحت تنظر إلى المرآة المعلقة على الحائط وتتأمل نفسها.‏

حديثهما أيقظ الأم، فنظرت حولها، وتأوهت من ألم ما في أحد جنبيها ثم قالت لمريم:‏

-ما لك تروحين وتجيئين، جدي لنفسك مكاناً واجلسي فيه، ثم كفي عن النظر في المرآة لأن ممارسة ذلك ليلاً خطيئة لا يحبذها إلا الشياطين.‏

اقتربت مريم من أمها فجلست بجانبها وقالت مداعبة:‏

-وهنا المشكلة يا أمي، إنني لا أستطيع أن أجد لنفسي مكاناً.‏

وطبعت قبلة على جبينها. فقالت الأم:‏

-حسناً. حسناً. بما أن حركتك سهلة قومي واجلبي لي كأس ماء من المطبخ فقد جف ريقي.‏

وكانت الأم تعاني من مرض السكري الذي يجعلها عطشى دائماً.‏

كان المطبخ عبارة عن إحدى تلك الغرفتين الطينيتين، بعد أن تركتهما الأسرة لتسكن المنزل الجديد، وبقيت هاتان الغرفتان تحملان في زواياهما ذكريات سنين طويلة لحياة أسرة فقيرة، أما مريم فقد رسخت في ذاكرتها وإلى زمن طويل قادم بقايا ليال من الطفولة كان يعجنها أبطال القصص والخرافات التي كان يرويها الكبار في سهراتهم أيام الشتاء وهم متحلقون حول مدفأة يسكبون الشاي من إبريق وضع على سطحها، يرتشفونه، ويشرعون برسم العالم خارج الجدران التي تحيط بهم غامضاً، معتماً ومرعباً، فتلتصق هي بأمها حين تسكب تلك القصص في ذهنها وفكرها كما كانوا يسكبون الشاي الساخن في كاسات زجاجية صغيرة وشفافة. فتحرقها، تؤلمها محدثة غشاوة دائمة على شفافية عالمها البريء.‏

لم ترفض طلب أمها وقامت خارجة من الغرفة، متجاوزة الشرفة والمسافة التي تفصل البيتين باتجاه المطبخ. وصلت ووقفت بباب الغرفة، استجمعت قواها ومدت يدها تتحسس مفتاح الكهرباء في الحائط، وقد قفزت كل حكايات الجن والعفاريت سريعاً إلى ذاكرتها، فتخيلت أن هناك الكثير منهم يجلس الآن في هذه العتمة ويمارس وجوده بطريقة غامضة لا تدركها، وبأنها حين ستشعل النور ستعكر ليلتهم مما سيدفعهم للهجوم عليها. ارتعبت وشعرت بحاجة كبيرة للصراخ عل أحدهم يأتي لنجدتها مستدركاً المصيبة التي ستحل بها. واصطدمت يدها بمفتاح الكهرباء فضغطت عليه بسرعة وكأنها بشجاعة اضطرارية تطلق الرصاصة الأولى في معركة لا تعرف من سيكون ضحيتها.‏

ارتدت إلى الوراء بعض الشيء. أدارت وجهها باتجاه غرفتهم باحثة عن أي معلم يشير إلى الحياة الحقيقية، يكون نصيرها في هذه المعركة. لم تر شيئاً وكان لا مفر من المواجهة. بحذر شديد بدأت تنقل نظرها إلى الأمام. ودائرة النظر راحت تميل للاستقامة وتأبى الميلان باتجاه الغرفة المنارة.‏

شعرت لحظة بالاستخفاف بذاتها ومن هذا الخوف المعيب وحاولت أن تقنع نفسها بأن كل ما تفكر به هراء تافه وليس لكل ما تتخيل من وجود. وتقدمت خطوة، إلا أن الخوف كان أقوى فكانت خطوتها بطيئة.‏

وفجأة خطرت لها فكرة بأن تكون الخطوة القادمة إلى الوراء لتتلوها خطوات أسرع وأسرع كي تستقر في النهاية بجانب أمها. لكنها تذكرت الطلب- كأس ماء. ما أسهله من طلب. سأجلبه وستشرب ولن تعرف أبداً أي زمن عشته في هذه اللحظات- فكرت بداخلها، واستدركت: -الآن سأدير وجهي وبنظرة سريعة سأدرس المكان، طريق العودة ورائي أعرفه جيداً، سأهرب وسأصرخ، وسأوقظ النيام إذا كان لا بد من ذلك. تحصنت بهذه الأفكار التي مدتها بشيء من القوة ونظرت أمامها بحركة سريعة.‏

كانت الطاولة التي تحمل بابور الكاز وبعض الأواني والكاسات في مكانها تحت النافذة كما تركوها قبل المساء. وبجانبها الخزانة القديمة التي خصصت رفوفها العليا للأواني، ورفوفها السفلى للمؤن التي قليلاً ما تكون موجودة، أما الواجهة المقابلة للباب والتي كان ينام فيها الأب قبل موته، فقد باتت ركناً للأكل في النهار إذ يفرشونها بفرشات إسفنجية رقيقة السماكة، تطويها الأم مساءً على صندوق قديم في الجهة المقابلة للمائدة والخزانة، تاركة مكان الأب لخوائه الموحش.‏

كل شيء ساكن لا يوحي بأن أحداً قد عبث به.‏

وبرغم ذلك -فكرت- فالجن غير مرئي.‏

شعرت بالرعشة تجتاح جسمها وهي تتقدم باتجاه المائدة حيث سطل الماء والكاسات.‏

ماذا لو أمسك بيدها الآن وهي تغرف الماء؟‏

ماذا لو فاجأها من الخلف، أو قفز من النافذة، أو من سطح الخزانة حيث يجلس الآن هناك ويراقبها.‏

وباتت تلك اللحظات عمراً مشبعاً بالكوابيس وانصهرت كل أحلامها بالحياة في حلم واحد، هو أن ينتهي هذا الرعب وتعود سالمة إلى جانب أمها.‏

ثم أدركت أن السرعة هي سندها الوحيد في هذه المحنة، فمشت شبه راكضة باتجاه السطل وهي تحاول أن تركز نظرها عليه متحاشية النظر إلى أي شيء آخر، تناولت كأساً، وغرفت الماء بيد ترتجف.‏

بالفعل، فقد صدقت مخاوفها. خرج العفاريت من جحورهم، وقفز الجن من السقف والنافذة قارعين طبولاً تنذر بالغضب الشديد على من تجرأ واقتحم مأواهم ساكبين الماء عليها وعلى الأرض والمائدة. فحملت الكأس وولت هاربة دون التفات إلى الخلف لإبقاء نظرة على ما يجري وراءها. دخلت الغرفة لاهثة ويداها ترتجفان.‏

سألتها أمها بقلق عن سبب القرقعة التي سمعتها فأجابتها:‏

-لقد خفت كثيراً من العتمة وخيل إليّ أن أشباحاً تتحرك فيها ونتيجة الخوف،- استمرت بتردد، لا أدري قد أكون سكبت سطل الماء..!‏

علقت فاطمة:‏

-وأنا لا أعرف من أين لك هذه الحماقة!‏

وقامت من مكانها قاصدة المطبخ لترى ما الذي حدث. لكنها عندما وصلت باب الغرفة وقفت متنصتة إلى ضجيج كان قريباً من باب الباحة الخارجي وعلى وجهها علائم التساؤل، فقد توقفت السيارة أمام بيتهم. لا ريب في ذلك، لكن من سيكون زائر المساء هذا؟ صمت الجميع بانتظار طرق الباب إذا كان الزائر يقصدهم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244