|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-5- كان السعال المتقطع الذي يطلقه الأب وصوت آلة الخياطة هما كل ما يمكن سماعه من خلال نوافذ الغرفتين الطينيتين. أما الضوء الأصفر الذي انبعث من تلك النوافذ فقد كان يوحي بانسجام عفوي، كئيب مع اللون البني للجدران. وامتد ظل السياج الغربي المنخفض الذي يحيط بالساحة ليغطي كل شيء فيها حاجباً بقايا ضوء أرجواني كانت تسحبه الشمس بهدوء وهي تختفي وراء الهضاب. وعلى الجهة الشرقية للسياج جلس قط أسود ينتظر العتمة كي يتوحد معها ليتسنى له التسلل إلى خم الدجاج القابع في الزاوية التي تصل جدار الغرفة مع السياج من الجهة الجنوبية. كان القط صامتاً، ساكناً وكأنه مغرق في التفكير. وبدا كنتوء في سطح السياج، منظره أوحى بالجوع، فعلى ما يبدو لم يكن يجد ما يكفيه من الطعام في النفايات التي ترمى أمام البيوت مساء، ليقوم هو وغيره من القطط بنثرها على الأرض بحثاً عن عشاء فيها. لكنه الآن قد طمع بوجبة أدسم، خاصة وقد بدأت تظهر في النهار بعض صيصان صغيرة تتمشى في الساحة بجرأة وحرية، فقد كانت الحراسة مشددة من قبل الدجاجة الأم ومن الناس الذين لا يكفون عن الحركة في اتجاهات مختلفة، فينسحب مبتعداً بالعاً ريقه مطأطئاً رأسه تعتريه مشاعر الخيبة حينما تفشل كل محاولاته بالاقتراب. وها هو الآن جالس بهدوء ينتظر الظلمة، كان يدرك بحدسه أن الناس سيسكنون بدورهم في جحورهم، ولن يشكلوا عقبة في طريقه، أما الدجاج الكبير فهو قادر على التصدي له وسيتحمل منه بعض الخدوش. فبالنهاية ليس هو الهدف. والهدف -وما ألذ- هو ذلك الصوص الصغير المكور الذي تمشى أمامه نهاراً مستفزاً لكل رغباته. سيحصل عليه إذا بذل جهداً، وسيبتعد به، وسيجد لنفسه مكاناً آمناً من الناس والقطط الأخرى. سيأكل وينام مشبعاً أحلامه ومعدته. كل ما عليه فعله هو التسلل بهدوء زاحفاً على بطنه دون إثارة ضجيج، فالضجيج سيخرج الناس من جحورهم ليحطموا كل خططه وآماله. لم يكن القط متسرعاً في تنفيذ كل ما كان يدور بخلده، فجلس هادئاً على حافة السياج. ولم يكن يعلم أن خيبته الجديدة لن يكون سببها الضجيج ولا القطط الأخرى. ولا أي شيء آخر حسب حسابه طويلاً. وإنما ذلك البريق القوي الذي ما أن حلت العتمة حتى أخذت عيناه تشعان به وكأنهما نجمتان في سماء واطئة. سرعان ما لاحظتهما الأم حين خرجت من الغرفة. فتناولت حجراً صغيراً ورمته به لاعنة إياه شاكة بنياته. ماء القط بصوت عال حين فاجأه الحجر. وقفز بسرعة عن السياج وولى هارباً. اتجهت الأم إلى خم الدجاج كي تتيقنّ من إغلاقه فأضافت بعض الحجارة وسدت جميع الثغرات التي خلفتها سابقاً، شاتمة القطط بكل ما أسعفتها به ذاكرتها من شتائم، ثم عادت إلى الغرفة، وهي تلعن بانفعالية مبالغ بها القطط الجائعة التي تعكر صفو البال وتوجب عليها الخروج مراراً إلى الساحة كي تطردها. وكأن الأم بذلك وجدت مبرراً لحركتها المتوترة ومنفذاً تفرغ من خلاله الحنق والغضب الذي تركه في نفسها شجار النهار مع قاسم. وفي الغرفة جلست عائشة وراء آلة الخياطة متجهمة الوجه تتابع ما بين يديها دون أن تعير انفعال أمها اهتماماً يذكر، وراحت فاطمة ومريم تحاولان إغلاق بابي خزانة الملابس المتواجهين بأن ربطتا حبلاً صغيراً وصل ما بين مقبضيهما. أما شماء فكانت كئيبة، تحاول القراءة في كتاب. حين لاحظت انفعال أمها سألتها: -هل أغلقت خم الدجاج جيداً؟ -بلى. لكن القطط ماكرة! -إذاً اجلسي واطمئني، فالقطط لن تستطع زحزحة الأحجار! جلست الأم وأخذت تتمتم بكلام غير مفهوم. وظلت عائشة تخيط دون أن تظهر اهتماماً بالحديث. بل ركزت نظرها على ما تخيط، وبحركات سريعة، بدت أسرع بكثير من العادة، راحت تضغط بقدميها على دعسة الآلة. وبرغم حوار شماء مع أمها فإنها لم تفتأ تتحسس الخموش التي تركتها أظافر قاسم على وجهها. قالت وهي تفكر: -لن أذهب غداً إلى المدرسة. سأدّعي المرض! وبدون أن ترفع عائشة رأسها قالت بنبرة حادة: -ستذهبين إلى المدرسة ولن تدعي المرض! -ولكن انظري إلى وجهي، كيف سأبرر ذلك؟ وانفجرت حينئذ عائشة: -لا حاجة للتبرير. اذهبي إلى المدرسة فقط. أم أنك تريدين أن تجلسي مثلي وراء هذه الآلة الملعونة كي توفري لأخيك ثمن علب السجائر؟! هذا هو ما يريده بالضبط، أن تخرجن من المدرسة لتشتغلن بأي عمل كان، حتى ولو. وصمتت ولم تجرؤ على لفظ ما دار ببالها، ثم استمرت: -حتى ولو خادمات في بيوت الآخرين كي يجلس هو شيخاً في صدر البيت يأمر ويضرب. وظهرت الشهقة في صوتها ولم تستطع أن تكمل كلامها لأنها انفجرت في بكاء عنيف كانت قد حبسته في صدرها بعد الشجار بكبرياء، مخفية شعورها العميق بالإهانة! أما مريم فشعرت بأن ذهنها بدأ يعي العالم والحياة، فراحت تبكي معها بنفس الحدة والألم. بينما أخذ عالمها الصغير يكبر ويكبر متحولاً إلى وحش كبير يوشك أن يلتهمها ويقضمها بأسنانه الحادة. وودت كثيراً لو تبقى طفلة إلى الأبد، كي لا يكبر عالمها ذاك. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |