|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-6- بقي قاسم في فراشه إلى ساعة متأخرة من الصباح، وكانت عائشة وأمها قد بقيتا وحيدتين في البيت بعد ذهاب الأخوات إلى المدرسة، وخروج الأب قاصداً إحدى الدكاكين القريبة ليجلس أمامها. كان ذلك سبيله الوحيد في الترفيه عن نفسه، إذ يتخذ مكاناً مواجهاً للشمس ويروح بلا مبالاة يراقب حركة الناس البطيئة. بدأ قاسم يتململ في فراشه. أخرج يديه من تحت الغطاء وشدهما متمطياً، فاتحاً فمه على سعته وهو يتثاءب، شاداً عضلات وجهه، دافعاً بخديه إلى أعلى لتختفي تماماً عيناه اللتان غارتا في جورتين وطمرتا. وحين استرقت عائشة نظرة إليه وهي خارجة من الغرفة، غير راغبة في أن تراه أو تحادثه، بدا لها وكأن وجهه عبارة عن فم واسع مفتوح أبداً. نهض من الفراش. وطالب أمه بالفطور، فأعدته وجلست إلى جانبه، فراح يطوي الخبز وقتاً طويلاً في يديه قبل أن يغمسه باللبن الرائب، فسألته الأم: -لماذا لا تأكل؟ غمس اللقمة الكبيرة في اللبن، ثم دسها في فمه فشكلت نتوءاً بارزاً في خده وكأنه دمل كبير، وراح يلوك ويلوك دون أن يغلق فمه. ظلت الأم صامتة ترتشف الشاي، وما أن بلع اللقمة حتى باشر الكلام: -لقد قررت أن أعمل بالبناء. ولكن ليس كعامل. وإنما.. ولم يكمل، فسألت الأم: -وإنما ماذا؟ -أريد أن أشتري أدوات البناء لأكون أنا صاحب العمل. فأنا أجيد المهنة وأعتقد أن عملي سيكون ناجحاً. صمتت الأم ثم تساءلت: -ولكن من أين لك النقود كي تشتري؟ فأجاب بشكل متقطع: -لا أدري. فأنا لا أملك أية نقود. لكني فكرت لو.. وصمت. وبدا واضحاً للأم مرماه، وأدرك هو أنها فهمت ما يقصده. الأرض! لقد باعوا أول مرة قسماً منها كي يوفروا له مصاريف الطريق وأجور النقل حين سافر. وقد عاد فاشلاً. وخسروا الأرض وثمنها. والآن؟ اعتلت وجه الأم ملامح القلق ولم تناقشه، فخرجت. كانت عائشة جالسة في الغرفة الأخرى خلف آلة الخياطة، فاقتربت منها الأم وقالت: -قاسم يود أن يبدأ بمشروع عمل جديد. لم تجب عائشة واستمرت بالخياطة. فاستطردت الأم: -إنه يود شراء أدوات البناء ليكون صاحب العمل! نظرت إليها عائشة وكان التساؤل مفهوماً على وجهها. فقالت الأم: -هو في الحقيقة لم يقل شيئاً ولكني فهمت أنه يقصد الأرض. أوقفت عائشة آلة الخياطة وسرحت في أفكار كثيرة. فقالت الأم بحسرة: -لو بقي في الخارج لكان أفضل، فمنذ أن عاد اشتعلت المشاكل في البيت. وما من هيبة للأب كي يمسك بزمام الأمور ويبعث الرهبة في قلب هذا الولد الطائش. فقالت عائشة: -دعي زوجك بحاله فهو مريض ومسكين. ثم ليس هذا موضوعنا وصمتت فترة قبل أن تكمل ثم قالت وهي تفكر: -ولم لا إذا كان فعلياً ينوي العمل. دونمان أو ثلاثة من الأرض لن يغنيانا. فلنبع وليشتر ما يحتاجه من أدوات العمل، لعله أخيراً يعقل ويبدأ بتحمل المسؤولية. راحت الأم تنظر باندهاش وإعجاب شديد بابنتها التي تتكلم بمنطق الحكيم العجوز بالرغم من صغر سنها النسبي. أحست بثقل قد زال عن كاهلها، وبعاصفة تهدأ في الأفق قبل أن تثور. وتقرر أن يزورا العم إبراهيم في المساء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |