سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-7-

يُحكى أن أبا قاسم رحل في شبابه من بيت أبيه ودخل الجيش ثم حارب في فلسطين إذ أصيب هناك بشظايا قنبلة جعلت الجزء الأيمن من جسمه يرتجف. ويقال أيضاً إن هذه رواية غير صادقة وإن أبا قاسم ولد بهذا الشكل. المهم إن مرضه ذاك قد زاد من سوء وضعه في أسرة أبيه، فعانى منذ نشأته تمييزاً واضحاً في علاقة أبيه بأبنائه.‏

كان لأبيه، وهو أحد وجهاء العشيرة الكبيرة في القرية، زوجتان، إحداهما أنجبت له أبا قاسم وابنتين والثانية وهي المحببة لديه أنجبت ثلاثة أولاد وثلاث بنات.‏

ولم يكن الأب يخفي مشاعره تجاه أبنائه، فكان في الوقت الذي يخص أبناء الزوجة الثانية بمودة وعطف شديدين، لا يتوانى عن وصف أبي القاسم بالمسكين الساذج، حتى إنه كثيراً ما تمنى لو مات في بطن أمه قبل الولادة واكتفى بثلاثة أبناء ذكور. والشيء الوحيد الذي قدمه له هو أن زوجه امرأة من خارج القرية ففتيات القرية حينئذ لم يرضين به زوجاً.‏

وبعد موت الأب قام الأبناء بتقسيم الأراضي التي ورثوها بشكل غير عادل. فقد خص أبناء الزوجة الثانية أنفسهم بقطع الأراضي الأكثر أهمية وقرباً من القرية مستغلين طيبة وسذاجة أخيهم أبي قاسم مبقين له قطعة أرض زراعية بعيدة عن القرية.‏

مما أدى إلى انتعاش أحوالهم وظروف معيشتهم، بينما أخذت ظروف أسرة أبي قاسم بالسوء. ومن ثم افتعل الأخوة أسباباً تافهة للخلاف مع أبي قاسم وقاطعوه موفرين على أنفسهم عبء أسرة فقيرة تقربهم، حتى الأخوات كن على علاقة سيئة به لأن وضعه كان يثير فيهن الحرج.‏

إلا إبراهيم، فقد كان على قدر من الطيبة يجعله يشفق على أخيه عادة، فلم يقاطعه واستمر بعلاقة ودية معه ومع أسرته.‏

كان إبراهيم الأخ الوحيد الذي تعلم، وأنهى تحصيله المدرسي فعين مباشرة بعد ذلك معلماً في إحدى مدارس المدينة المجاورة، وقضى عمره في مهنة التدريس، لهذا أطلق عليه في القرية اسم المعلم.‏

كان أصلع الرأس يهوى القراءة كثيراً. فحول إحدى غرف منزله الذي ورثه عن أبيه إلى مكتبة ضخمة تحوي المئات من الكتب، لكنه برغم قراءته الكثيرة، واختزان ذهنه لكم ضخم من المعلومات، فإن ذلك لم ينعكس على حياته اليومية بشكل ملموس، اللهم إلا اعتبار أهل القرية له معلماً مثقفاً. وقد زاده هذا الشيء فخراً سيما وأنه سرعان ما أخذ موقع أبيه في العشيرة وأصبح أحد وجهائها الحكماء.‏

كانت حياته في منتهى الرتابة. فكان يومياً بعد عودته من العمل يجلس في غرفته (المكتبة) ويشرع يقرأ واضعاً نارجيلته بجانبه يسحب أنفاساً عميقة منها بين الفينة والأخرى.‏

أما زوجته فقد كانت أمية تجهل القراءة والكتابة، تحب النظافة كثيراً، سمينة، بيضاء البشرة ذات وجه دائري مكتنز وعينين واسعتين وخدين كأنهما كرتان حمراوان ألصقتا بوجهها. وكان يهمها كثيراً أن تؤدي جميع الواجبات الدينية مصرحة دائماً أنها تقوم بذلك عن نفسها وعن زوجها الذي لا يجد وقتاً للصلاة بسبب القراءة الملعونة.‏

ولم تكن طبيعة العلاقة بينهما واضحة، إذ رغم الاختلاف الكبير بين شخصيتيهما فإن حياتهما كانت هادئة، وعلى الأقل لم يسمع يوماً عن شجارات دارت بينهما، وبرغم ذلك كان برود واضح يحسه الجميع يسود علاقتهما!‏

وكان بيتهم برغم قدمه يبدو أكثر حداثة من بيت أبي قاسم، فكان مكوناً من أربع غرف طينية اصطف بعضها بجانب بعض. وبنيت واجهتها الأمامية من الحجر الأبيض، فمنحها قدراً من الفخامة والوقار، وشيدت أمام الغرف شرفة واسعة غير مسقوفة، محاطة بسياج منخفض وُضعت على حافته علب الحديد الكثيرة المملوءة بالخضرة والورود، وقام البيت مع الشرفة على ارتفاع عدة درجات عن مستوى الأرض، ووضعت على جانبي الدرج أيضاً أصص الورد. فزاده هذا العلو فخامة.‏

وغصت الساحة أمام البيت بأشجار السرو العالية، وارتفعت بجانب المدخل الرئيسي شجرة فلفل بري ضخمة.‏

وكثيراً ما توجهت أسرة أبي قاسم مساء لزيارة بيت العم إبراهيم بغية قضاء السهرات ومشاهدة التلفاز الذي لم يقتنوه بعد. لكن زيارتهم في ذلك المساء كانت لسبب آخر. فقد كان العم مستشار العائلة في الأمور المهمة ووصياً على أموالها.‏

انطلق الجميع عدا قاسم، فقد تعود أن يقضي سهراته خارج البيت بعيداً عنهم.‏

ولسوء حظهم في ذلك المساء وبعد وصولهم بيت العم إبراهيم قطع التيار الكهربائي. اضطروا أن يقضوا السهرة في ضوء الشموع. ولعل ذلك كان عاملاً مساعداً على الحديث دون الجلوس ومراقبة التلفاز الذي قد يشدهم وينسيهم همومهم اليومية.‏

جلسوا على الشرفة وأضيئت الشموع، فارتسمت سريعاً على الحيطان خيالات الجالسين مضخمة. وبدت كأشباح ظهرت ما إن أطفئ ضوء التيار.‏

استلقى العم على فرشة واضعاً نارجيلته أمامه وطوى الكتاب بجانبه.‏

ثم جلبت زوجته ما لديها من فواكه كضيافة، وراحت تقشر البرتقال بالسكين محاولة ألا تفسح المجال لأحد آخر كي يقوم بذلك، لأن منظر تقشيره باليدين وخاصة حينما تتسخ البرتقالة البيضاء بعد إزالة القشرة الخارجية بالأظافر كان يثيرها كثيراً.‏

بدأت الأم الحديث، وسرعان ما قاطعتها عائشة بنبرة هادئة فشرحت موضوع بيع الأرض وعمل قاسم بلغة معقولة مقنعة.‏

سحب العم نَفَساً عميقاً من نارجليته قبل أن يعلق على كلامها، فاستغلت زوجته الفرصة لتدلي بأسئلة مستوضحة التفاصيل. وأجابتها الأم. كان العم قد حصل بذلك على فرصة لمزيد من التفكير ووزن الأمور قبل البت برأي نهائي، وقال:‏

-أنا أتفق مع عائشة في الرأي. فقاسم يبحث دائماً عن مبررات للهروب من العمل. أما إذا انصعنا لرغبته وقدمنا له ثمن أدوات البناء فلن يكون أمامه من سبب للتهرب. على الأقل نكون من جانبنا قد وفرنا كل ظروف العمل. وآمل أن يكون ذلك حافزاً له للالتزام والانتظام. وهو في الحقيقة شاب ذكي وبإمكانه النجاح لو أراد. ولكن يقلقني من جانب آخر أن يغريه منظر النقود فيعود سريعاً إلى عاداته السيئة. يجب أن يكون هناك ضمانات، يجب عليه أن يفهم أن الأرض ستباع من أجل عمله، كي يصبح معيلاً لأسرته وسنداً لأخواته. لا من أجل ترف يوم أو يومين.‏

وأخذ نفساً عميقاً من نارجليته ثم استطرد:‏

-على كل حال لا أريد افتراض الأسوأ منذ البداية. ولنأمل خيراً، خاصة إذا كان يؤكد بأنه يجيد المهنة ويهوى ممارستها. لنتكل على الله، فلعل ذلك يكون بشير خير للأسرة ولنفسه، فالعمل قد يصقله ويصنع منه رجلاً مسؤولاً.‏

فقالت الأم مؤكدة:‏

-نعم. لقد كان متحمساً، وشعرت به صادقاً برغبته في العمل والاستقرار.‏

فرد العم: -هذا جيد. فلنتكل على الله إذن وأعتقد أن ثمن ثلاث دونمات سيكون كافياً.‏

ووافقته الأم وعائشة:‏

ارتاح جميعهم لذلك. شعروا ببصيص أمل يلوح في الأفق إشارة إلى تحسن أحوالهم وتغير قاسم فيبدأ بتحمل المسؤولية ويصبح معيناً وسنداً حقيقياً لأخواته. وساد قليل من الصمت بعد ذلك إذ راح كل منهم يفكر فيما قيل وفيما سيكون.‏

ومن جديد بادرت زوجة العم بالحديث لكن بموضوع آخر يناسب تلك السهرات، خاصة بعد أن شعر جميعهم بشيء من الراحة. وما أن سمعها زوجها حتى أخذ الكتاب ليقرأ، لكن ضعف الضوء منعه فطواه وراح يستنشق الدخان من نارجليته محدقاً في نقطة أمامه.‏

قالت زوجته:‏

-كان ذلك قبل يومين. أصبت آنذاك بأرق شديد في الليل ولم أستطع النوم، فقمت قبل حلول الفجر أتوضأ استعداداً للصلاة ودخلت تلك الغرفة -وأشارت بيدها إلى الغرفة الوسطى التي توفي فيها في الماضي حماها الجد -وكان الجو ما زال مظلماً، فأردت إشعال النور إلا إنني رأيته جالساً أمامي في صدر الغرفة، لقد كان الجد بعينه جالساً مرتدياً ملابس بيضاء ووجهه مستدير كالقمر يشع منه نور بهي أنار العتمة، ويحمل بيديه قرآناً كريماً يقرأ فيه بصمت. وبعث الله في قلبي الطمأنينة فلم أخف منه بل اقتربت وألقيت عليه السلام، فلم يجبني وظل يقرأ. وكنت أرى شفتيه تتحركان لكني لم أسمع صوته، فجلست بجانبه ورحت بدوري أقرأ ما استذكرت من الذكر الحكيم. وما إن حلّ الفجر حتى رأيته يقف ويتجه نحو الباب. مشى خطوات ثم اختفى وتلاشى في ضوء الفجر.‏

أطلقت الأم وأبو قاسم بعد هذه القصة: سبحان الله! وبقي العم محدقاً إلى تلك النقطة، وكأنه في عالم آخر. أما الأخوات فقد بدا على وجوههن شيء من الشك في حقيقة ما قيل.‏

ثم راحت الأم تروي قصصاً أخرى مطلقة العنان لخيالها، عن أموات آخرين كانوا من الصالحين في حياتهم، وبعد مماتهم صاروا يحضرون إلى بيوتهم بثياب بيضاء، وكان زوجها أبو قاسم يقاطعها أحياناً مصححاً بعض المعلومات والأسماء، ثم شرعوا يروون قصصاً أخرى عن الجن والعفاريت والغولة الشريرة التي تتجول في الليالي عند حدود القرية مؤكدين أن أشخاصاً قد رأوها ونجوا منها بأعجوبة بعد أن كانت على وشك التهامهم.‏

ورأت مريم شجر السرو في الساحة يتحرك ملوحاً بأيد كثيرة، وخيل إليها أن شجرة الفلفل البري ساحرة يتلاعب الريح بشعرها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244