|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-8- بسملت الأم حين خرجوا من بيت العم إبراهيم وواجههم الزقاق المظلم، مشى الأب أمام الأم وبناتها، وبقين هن في صف واحد يمشين وراءه بخطى سريعة. ولسبب ما التزم الجميع خط سير يحاذي جدران البيوت المنتهية بأسيجة بنيت من حجارة كبيرة مختلفة الشكل وصُفَّ بعضها فوق بعض، فبقيت بينها فراغات وجحور يصدر منها صفير زواحف وحشرات مختبئة. كانت نسائم أيار تهب بلطف لتستعيد من الشجر ما امتصه من رطوبتها حر النهار، وعندما تتسلل من خلال بعض النوافذ المفتوحة لداخل البيوت، تداعب هناك نار الشموع جاعلة ظل النوافذ يتراقص بحزن على أرض الشارع، متحدياً ظلاماً كالحاً تصعب رؤية أي شيء من خلاله. وقد وضع شبك حديدي على بعض تلك النوافذ التي لاحظت مريم أنها فتحت في نقطة عالية من الجدران، وفسرت ذلك بأن أصحاب هذه البيوت قد حصنوا أنفسهم بهذه الطريقة من الغولة. مشى جميعهم صامتين مسرعي الخطى وكأنهم في حالة تأهب لسماع صوت أو حركة تفاجئهم من الخلف، إلى أن انتهى الزقاق، واتصل بشارع أوسع كان معبداً بطريقة سيئة يتخلله الكثير من الحفر. تنفس جميعهم الصعداء مصرحين بانتهاء حالة خوف كانت تعتريهم. فمن الممكن أن يمر أحد ما في هذا الشارع يؤنسهم. ولكنه بدوره كان شارعاً مظلماً ساكناً قد غط سكانه في سبات عميق. قالت الأم: -لعنة الله عليهم، يبقون التيار في النهار ويقطعونه في الليل! وما حاجتنا إلى الضوء في النهار؟! فضلت الفتيات التزام الصمت وعدم التعليق. استمر الأب يتقدم الجميع بخطوات لا يستطيع السيطرة عليها نتيجة ارتجاف قدمه، وبقيت النساء يمشين وراءه بخطى سريعة مبتعدات عن وسط الشارع الذي بدا طويلاً جداً. أوصدت أبوابها حتى الدكاكين التي تبقى مفتوحة ليلاً كي يجلس أمامها الرجال لقضاء سهراتهم يلعبون النرد. ولم يبق في الشارع سوى أعمدة الكهرباء المستسلمة للظلام والوحدة. قطع السكون صوت طفل حديث الولادة انبعث من إحدى النوافذ، فتنفسّن الصعداء مرة أخرى. بكى الطفل قليلاً وهدأ. فغرق المكان من جديد في سكون مظلم. أسرعوا الخطى. واجتازوا معظم الطريق.وبدأت المسافة تقصر واقتربوا من نقطة تقاطع الشارع مع زقاق آخر يليه، وبعد مسافة قصيرة كان ثمة انحناء أخير نحو اليمين يقبع بيتهم في بدايته. لكنهم سمعوا نباح كلاب يأتي من بداية الزقاق.وقفت مريم وقالت: ـ أنا خائفة كثيراً!.. فطمأنتها الأم: ـ لا تخافي وامشي، فالكلاب لا تمس إلا من يؤذيها أو يستفزها. فقالت فاطمة: ـ وإذا كانت مسعورة؟ تذمرت الأم: ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أمشين فلم يبق إلى القليل ونصل إلى البيت، والكلاب لن تمسنا! إلا أن مريم وفاطمة تجمدتا في مكانهما، ولم تحاول عائشة أو شماء إقناعهما بالمشي ووقفتا إلى جانبهما. فنادت الأم الأب: ـ يا أبا قاسم لا تسرع الخطى وتعال انتظر معنا فالفتيات يخفن الكلاب. عاد الأب ليقف جميعهم بجانب الحائط منتظرين مرور الكلاب، التي كانت تركض مسرعة باتجاههم، وحين اقتربت اختفت مريم تماماً وراء أمها مغطية وجهها بالثوب الأسود ليزيد من حلكة الظلام فلا ترى شيئاً. مرت الكلاب سريعاً. فقال الأب: ـ لابد أنها كلبة تنقل جراءها إلى مكان آخر أكثر أمناً. وقالت الأم: ـ لننطلق بسرعة إذ أنها ستعود قريباً لتنقل البقية. وانطلق جميعهم مهرولين إلى أن وصلوا الى البيت. وسرعان ما اختبأ كل واحد في فراشه إلا مريم فقد قررت أن تختبئ بجانب أمها، وبقيت في تلك الليلة فترة طويلة تسمع عواء الكلاب يعلو ويتلاشى. حين انتصف الليل، استيقظت مريم على صوت قريب، فدست رأسها تحت الغطاء، ولم يمنعها ذلك من سماع صوت أبيها راجياً أمها في طلب شيء ما. استيقظت الأم فانكشف الغطاء عن وجه مريم، ورأت أباها واقفاً عند أقدامهن. أمسكت الأم بيد زوجها ودفعته نحو الباب، وهو لا يكف عن رجائها: ـ أرجوك تعالي معي هذه الليلة فمنذ زمن بعيد لم نكن معاً. ردت الأم بصوت منخفض وبنبرة حادة: ـ عد إلى فراشك، ونم، فلن آتي معك. ـ أرجوك! ـ أخفض صوتك كي لا توقظ أحداً. ـ لقد اشتقت إليك! ـ ألاتخجل من نفسك أيها العجوز! وحد الله وعد إلى فراشك. ـ لقد مر زمن طويل. أرجوك. ـ اللعنة على هذه الليلة، قلت لك اذهب! صوتها أيقظ عائشة فجلست في فراشها. وتوجه إليها الأب: ـ أقنعيها كي تأتي معي يا عائشة! وضعت عائشة يدها على خدها ونظرت إلى الاثنين بأسى. فقالت الأم موجهة كلامها إلى الأب: إنك فقدت الحياء كلياً، فاذهب قبل أن توقظ الآخرين. بيد أنه أخذ يشد الأم من يدها فيما راحت هي تحاول الإفلات. فقامت عائشة من مكانها وأمسكت بالأب قائلة: ـ أرجوك يا أبي، يكفينا النهار بمشاكله، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم واذهب. لم يستجب لها الأب واستمر يشد الأم قائلاً: ـ لن أذهب إلا إذا أتت معي. فقالت عائشة راجية: ـ أرجوك. دع ليلنا ينقضي على خير. وأصرت الأم: ـ لن آتي. إقنع بذلك واذهب. ـ ستأتين بالقوة! فشدته عائشة وقالت: ـ لا يجوز ذلك يا أبي. اذهب ولا ترغمها وإلا حدثت مشكلة.. واستطاعت عائشة أن تخرجه من الغرفة. كانت الأم قد حررت يدها منه وأغلقت الباب فوراً مبقية إياه وعائشة في الخارج. وقادته عائشة إلى فراشه وهو يتذمر تارة من هجرة الأم له ويتوعد ويهدد تارة أخرى. عادت الأم إلى فراشها بجانب مريم التي تظاهرت بالنوم، وبقيت تتمتم بصوت منخفض إلى أن نامت. في الصباح لم يعجل أحد بالنهوض فقد كان يوم جمعة. وبقي كل في فراشه، مغطياً رأسه كي لا يقلقه طنين الذباب. الذي باشر نشاطه مع شروق الشمس، فراح يحوم حول الوجوه النائمة محدثاً طنيناً عالياً لا يكف عنه إلا بالهبوط والتوقف على تلك الوجوه. لم تستطع الأم الاستمرار بالنوم فقامت لاعنة الذباب والحر. وتوجهت فوراً إلى خم الدجاج، فأزاحت الحجارة عن بابه لينطلق الدجاج متراكضاً في الساحة. ثم جلبت بعض الحبوب ونثرتها على الأرض، وسكبت قليلاً من الماء في وعاء حديدي قديم، فتجمع الدجاج حولها وراح يشرب. ثم مسحت الساحة بنظرة باحثة عن قطط فيها، ومن جديد تناولت حجراً ورمت به قطاً كان يمشي بمحاذاة السياج مبعداً مابين أقدامه الخلفية والأمامية ماطاً بطنه، فقفز في الهواء حين فاجأه الحجر ثم سقط متكوراً وقام متعثراً بنفسه وركض مبتعداً. ثم توجهت الأم إلى المرحاض ورفعت ثوبها قبل أن تصله ومشت خطوتين لكنها أنزلته فجأة ونظرت بحركة سريعة وراءها وحولها. وبعد أن قضت الأم حاجتها توجهت إلى غرفة الأب، أشعلت بابور الكاز ووضعت عليه إبريق الشاي، تناولت صينية ألومنيوم قديمة معوجة الأطراف وسكبت فيها من كيس تناولته من خزانة المؤونة بعض العدس وخرجت إلى الساحة وجلست مواجهة للشمس تنـقي العدس وتراقب الدجاج. وبعد فترة قصيرة عادت إلى الغرفة، وكان الأب قد استيقظ وبقي في فراشه، توجّهت إلى بابور الكاز وكان الماء يغلي في الإبريق فصنعت شاياً، لكن كثرة الذباب في الغرفة جعلتها تؤجل شربه. سكبت قليلاً من الكيروسين في دلو، وبلت فيه خرقة قماش قديمة ثم راحت تمسح الأرض، فقرر قاسم الذي ينام عادة في غرفة أبيه، أن ينهض من فراشه، لأنه إن قاوم وقاحة الذباب، فلن يستطيع أن يقاوم رائحة الكيروسين النفاذة. وخرج. استمرت الأم تمسح الأرض، وهي تقول للأب: ـ لقد قدمت لك الكثير من قطع القماش لتبصق فيها. فلماذا تبصق على الأرض؟ ألا ترى إن الذباب سيهججنا من البيت؟ فأجابها الأب ببرود: ـ الحق عليك، فقد اتسخت جميعها ولم تغسليها. ثم إنني لست الوحيد الذي يبصق في هذه الغرفة. فابنك قاسم يفعل ذلك أيضاً؟ ـ دع قاسم وشأنه، ولا تضع الحق عليه. فعادة البصاق هذه عندك قبل عودته من السفر. نظر الأب إليها بعينين مستشرتين، وقال: ـ اسمعي يا امرأة، لقد تعبت من تعاملك هذا معي، امسحي الأرض وأنت صامتة. فقالت الأم ساخرة: ـ وأي تعامل تريد؟ ـ هل نسيت أنني زوجك ويجب عليك أن تخدميني كما تخدم النساء أزواجهن؟ قالت الأم متنهدة: ـ لو كنت رجلاً كباقي الرجال لما اعترضت. لكنك كالهم على القلب. وكان ردها الأخير هو الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فقال الأب بصوت عال وهو يقوم من الفراش: ـ ومن أنا برأيك إذا لم أكن رجلاً؟ رمت الأم الخرقة من يدها وأسرعت نحو باب الغرفة، ثم توقفت ورفعت يديها إلى السماء متضرعة: ـ يا إلهي. إذا كنت قد قدرت لي هذا المصير فامنحني الصبر على تحمله، فليس لي من وجهة... وقبل أن تكمل دعاءها، كان الأب قد فاجأها من الخلف شاداً إياها إلى الداخل حتى أوقعها على الأرض، وهو يقول: ـ هيا اطلبي من الله أن يأخذني. وسأجعله يسمعك الآن، لكنه سيأخذك أنت وليس أنا. وانهال عليها بالضرب راكلاً جسمها بقدميه شاداً شعرها الذي تعرى، انطلق صراخها العالي وهي تقاومه وترجوه أن يكف ويأتي أحد لنجدتها، في حين استمر الأب يزمجر ويضرب ويتطاير من فمه الزبد ليتساقط على وجهها. أيقظ الصراخ عائشة فقفزت من فراشها راكضة متوترة وهي تقول: ـ يالتعاسة هذا الصباح! هاهما يتعاركان من جديد. ألم يستطيعا أن يؤجلا ذلك قليلاً كي لا يعكرا النهار منذ بدايته. وهرع الجميع. كان الأب وكأن جسمه اكتسب قوة فجائية قادرة أن تتصدى لمائة شخص، فبدا مثل فحل ثائر. راحت عائشة تحاول فك شعر أمها من قبضة يده كائلة اللعنة لهما الاثنين.أما قاسم فحاول أن يمسك الأب من الخلف كي يسيطر على يديه الاثنتين. وتدخلت شماء وفاطمة ومريم كل منهن تحاول صد الضربات عن الأم، وطال كل واحدة نصيبها من اللكمات، وقد تحول غضب الأب ليشمل جميعهن فراح يضرب كل من أمامه وكل من يحاول إيقافه لاعناً إياهم جميعاً. أفلتت الأم أخيراً من يديه فسحبتها شماء وفاطمة إلى الغرفة الأخرى وهي تبكي وتدعو الله أن يميته. واستطاع قاسم أن يسيطر على الأب الثائر فطرحه أرضاً وجثم فوقه، في حين أسرعت عائشة بجلب حبل استعملوه من قبل لهذه الغاية وربطت قدميه بعناء، فقد كان الأب يقاوم بشدة، ثم ربط قاسم يديه، وحملوه ووضعوه في الفراش، وخرجوا متغاضين عن الشتائم التي كان يطلقها وراءهم: ـ كلكم جميعاً ظالمون، ستحل اللعنة عليكم. إنكم أبناء تلك العاقة وكلكم تقفون إلى جانبها. سيسمعني الله ويلعنكم. جلست الأم في الغرفة الأخرى وقد تمزق ثوبها تبكي وتسحب كتل شعر من رأسها انخلعت نتيجة الشد وتقول: ـ لم يبق شيء في رأسي. لقد كان ينوي قتلي، إنه ليس بالعاقل ولن أستطيع العيش معه بعد الآن. إذا لم يقتلني اليوم فغداً سيفعل، وأنتم تصدقون إنه مريض وعاجز. إن به قوة ثور. فيما بقي الأب يصمت قليلاً ثم يعود للشتائم والتهديد، فقرر قاسم الخروج من البيت. وبعد أن هدأت الأخوات من روع الأم راحت عائشة تؤنبها: ـ ومع ذلك أنت المذنبة، لابد أنك قمت باستفزازه. فثارت الأم: ـ اسمعي يا عائشة. لا تضعي الحق علي فأنت تعرفين أباك جيداً وتدركين إن به مساً من الجنون. ـ بل أعرف أنه زوجك قبل أن يكون أبي، وقد عشت معه عمراً أطول من عمري، وحان الوقت منذ زمن بعيد لأن تعرفيه وتتجنبيه فهو رغم ارتجاف يده وقدمه تسقط عليه القوة حين يثور، فلا تناقشيه ولا تبقي نفسك أمامه. لم تجبها الأم واستمرت بالبكاء، وهي تتحسس جنبها وأطرافها وتمعن النظر في كتل الشعر المتساقط من رأسها. مضت ساعتان. ساد شيء من الهدوء يشوبه بكاء الأم ونحيبها المتقطع. أما الأب فقد تحولت نبرته إلى النقيض بالتدريج. راح يبكي ويئن ويطالب برجاء ذليل أن يطلقوا سراحه. ثم يهدأ بكاؤه ورجاؤه وقتاً قصيراً، إلا أن أنينه يبقى مستمراً. باشرت عائشة بعمل كان يجب على الأم أن تقوم به، فملأت وعاء صغيراً بالكيروسين، وأخذت مشطاً عظمياً مسنناً من الجهتين ولفت على أسنانه شريط قماش أبيض ثم جلست واستلقت مريم بجانبها واضعة رأسها على ركبتها، وراحت عائشة تغط المشط في الكيروسين ثم تقوم بتمشيط شعر مريم المجعد بشيء من العصبية قاصدة قتل مابه من قمل. كانت هذه العملية مؤلمة لمريم إذ كان المشط يخدش قشرة رأسها حين تركزه عائشة ثم تسحبه حتى نهاية الشعر. إلا أن مريم استلقت صامتة ولم تتأوه، كان يؤلمها أكثر نحيب أبيها وهو يرجو بذل أن يطلقوا سراحه، ثم يأخذ بأنين طويل يخترق روحها محدثاً فيها خدوشاً عميقة تؤلمها وإلى زمن طويل قادم..!.. سمعت عائشة باب الباحة الخارجي يفتح. فوضعت المشط جانباً وأزاحت مريم عنها ونهضت لتواجه قاسماً: ـ مليح أنك لم تتأخر، فقد قطع قلبي بكاء أبي، لكني خفت أن أفك رباطه وحدي فقررت انتظارك. لم يعلق قاسم على كلامها وتوجها نحو الأب، وحين رآهما قال بصوت باك: ـ أرجوك يا عائشة! إن يدي تؤلمانني. فك رباطي يا قاسم ولا تكونوا بهذه القسوة. فكا رباطه بحذر خوفاً من أن يثور انتقاماً. لكنه حين تحرر راح يحرك جسمه بضعف معدلاً من وضعه في الفراش ثم يتأوه من الألم. جلس قاسم إلى جانبه قليلاً ثم هتف ببرود: ـ إنك تجني على نفسك بنفسك، فلا تفعل ذلك مرةأخرى. لم يجبه الأب واستمر بتأوهاته. فسقته عائشة ماء وهي تسند رأسه بيديها، ثم عدلت غطاءه، وباشرت بإعداد طعام له فخرج قاسم وبقيت هي تساعده على الأكل، بعد ذلك أخذت تمسح أرض الغرفة بالكيروسين فقد غطاها الذباب من جديد. في ذلك اليوم وجدت شماء حلاً لمشكلة البصاق اعتبره جميعهم حلاً عملياً، فملأت تنكة حديدية بالتراب ووضعتها بجانب فراش أبيها كي يبصق فيها كلما أراد. وكلفت فاطمة مريم بتغيير التراب كلما تطلب الأمر. بقيت تلك التنكة بجوار فراش الأب إلى أن مات! بعد فترة من الزمن وجد قاسم الشخص الذي وافق على شراء جزء من الأرض، لكنه اشترط شراء خمسة دونمات وليس ثلاثة كما تقرر. لم يكن هناك من خيار آخر فوافقت الأسرة. ولأن المبلغ الذي سيستلمونه يزيد عن حاجة قاسم لشراء الخشب وأدوات البناء، اقترحت عائشة أن يذهب معهم العم إبراهيم كي يستلم ثمن الأرض، حيث يعطي قاسماً مايحتاج ويبقي الجزء الآخر عنده أمانة. تساءلت الأم: ـ ولماذا؟ أجابت عائشة: ـ في الحقيقة أنا أخاف أن تبقى النقود في البيت بمتناول يد قاسم. فردت الأم: ـ ومن قال أنها ستكون بمتناول يده، سأجد لها مخبأ لن تطاله الجن!.. ـ لكن قاسماً سيطاله، دون أن يتعب نفسه بالبحث. يكفيه أن يتمسكن قليلاً أمامك لتمنحيه كل ما بحوزتك!.. هزت الأم رأسها ولم تجب شيئاً. تقرر ذلك بعد موافقة العم إبراهيم، إلا أنه طلب أن يخفوا الأمر عن قاسم تفادياً لحصول مشاكل قد تعيق عملية البيع، حيث سيشرح له الأمر بنفسه فيما بعد. استيقظوا مبكرين في ذلك اليوم. وبعد أن ذهبت الأخوات إلى المدرسة، بدأت عائشة تحضر ملابس نظيفة لأبيها، في حين راح قاسم يساعده على حلق ذقنه. فيما ظل هو يحدق صامتاً في نقطة أمامه، ثم هتف فجأة وبلهجة ممتعضة: ـ تتفقون على بيع الأرض، وتبيعونها، وتستلمون ثمنها، وليس لي في الطابق كله من مكان سوى البصم! فتساءلت عائشة باستطراف: ـ وما الذي تريده؟ ـ إنها أرضي ويجب أن أستلم ثمنها بنفسي! ابتسم قاسم ابتسامة عريضة لم تشِ بمدى استطرافه للأمر وحسب، بل وتشي بفيض من سعادة خفية تغمره: ـ وماذا ستفعل بالنقود؟ ـ سأنفقها على الأسرة وعلى نفسي! ولم يتطلب الأمر وقتاً كبيراً من عائشة وقاسم كي يقنعا أباهما بالعدول عن ذلك لأن هدف البيع ليس إنفاق النقود من أجل المعيشة وإنما من أجل عمل قاسم. اضطر الأب للموافقة على مضض. لكنه اشترط: ـ إذاً اشتروا لي على الأقل من ثمنها كيلوين من اللحم! وما إن أنهى جملته حتى راح قاسم وعائشة يقهقهان. بيد أن عائشة سرعان ماسيطرت على ضحكها ووعدته قائلة: ـ هذه ليست بالمشكلة. سنطبخ اليوم منسفاً. فرد الأب: ـ لا، ستأكلون أنتم اللحم وتبقون لي الرز. اطبخيه لي وحدي!... طمأنته عائشة وهي تضحك بأنه سينال القدر الأكبر من اللحم، فراح الأب يبلع ريقه، وهو يؤكد على حقه في اللحم كله!.. جهز قاسم نفسه وهو يمازح الأسرة وانطلق مع أبيه. بقيت الأم وعائشة في البيت بانتظارهما. لكن فرح قاسم سرعان ما تلاشى حين فوجئ بوجود العم إبراهيم في دائرة الأراضي ينتظرهما. ألقى عليه السلام وتبادلا أطراف الحديث والشك يراوده بسبب وجود العم. وبعد أن تمت عملية البيع صعق قاسم حين رأى عمه يستلم ثمن الأرض. لكن الخجل منعه من أن يطالب عمه بالنقود، كون الأخير ذا هيبة كبيرة. ولم يقو على إخفاء غضبه فخرج غير آبه لعمه الذي حاول تهدئته وشرح الأمر له. وعاد إلى البيت وهو لا يقوى على احتمال الطريق التي لا تنتهي، كان يلهث، وكان الهواء الذي يخرج من رئتيه ساخناً، وكان الغضب في داخله يزداد ويحتقن بشكل لا يطاق، فإذا لم ينفثه فوراً، انفجر في داخله كقنبلة موقوتة. حين لاحظت عائشة ثورته هربت إلى الغرفة الأخرى مغلقة الباب وراءها بعصا خشبية، وأسندت ظهرها إليه بقوة كي تحكم من إغلاقه، فلا يستطيع قاسم فتحه وكانت تسمع دقات قلبها بقوة. لكنه لم يلحق بها وبقي يوجه الكلام والأسئلة بصوت عال ومنفعل لأمه: ـ تردن رجلاً في البيت وأنتن تحكن المكائد من وراء ظهره!؟ لماذا؟ أفهموني لماذا؟ ـ ولم ينتظر الجواب ـ كي تدعين في النهاية أنني شخص فاشل. أعرف، إنها الماكرة عائشة هي التي قررت ذلك، منذ متى والعم إبراهيم وصي على أموالنا؟ إن له من الأراضي مايكفيه كي يكون وصياً عليها. وفي هذا البيت أنا الرجل. أنا الوحيد الذي يملك حق التصرف بأموال أبي ولن أسمح له ولا لتلك الماكرة بأن ينحياني جانباً. واستمر يهدد ويتوعد، والأم تحاول جاهدة أن تجد فرصة للكلام لكن صراخه كان يعلو، فقاطعته أخيراً: ـ اهدأ يا بني ولاتثر هكذا وكأن مصيبةقد حدثت. فزادت ثورته: ـ بالنسبة لي مصيبة، إن مجرد العيش معكن مصيبة فلا أدري أي خطة تحاك ضدي في هذه اللحظة. ـ لا تقل ذلك فأنا أمك، والفتيات أخواتك وكلنا نبغي مصلحتك، ثم إن النقود لم تضع، فعمك رجل شهم أمين،ولا فرق إن كانت النقود في بيته أم في بيتنا. ـ ولذلك أنا أتساءل: لماذا في بيته إذا كان لا فرق؟! إلا أن الأم منعته من إكمال حديثه بإشارات تطالبه بالصمت منبهة إياه إلى العم الواقف في الباب. قال العم: ـ لقد طرقت الباب الخارجي لكنكم على مايبدو لم تسمعوني. ردت الأم مرتبكة: ـ البيت بيتك يا أبا إسماعيل، ولا حاجة إلى طرقه، تفضل بالجلوس. رحب به قاسم ببرود محاولاً إخفاء غضبه وتوتره. أما الأم فاتجهت إلى الغرفة الأخرى لتطمئن عائشة. وبعد أن جلس العم بدأ يحدث قاسماً بنبرة هادئة: ـ اسمع يا قاسم. لن أعاتبك على تعاملك معي في دائرة الأراضي حين تركتني أمام الناس وأنا أتحدث إليك وذهبت، وبرغم أن ذلك ليس بسلوك رجال فأنا أقدر أنك كنت منفعلاً لا تدرك معنى تصرفاتك. وها أنا لحقت بك لأثبت أنني لم أغضب منك وكي أفهم سبب انزعاجك. أراد قاسم أن يتكلم لكن العم استطرد مانعاً إياه بعد أن أخرج النقود من جيبه: ـ هذه هي النقود كلها. خذها وعدها أولاً إذا كنت تشك بي. فقال قاسم: ـ معاذ الله! ـ وما المشكلة إذن؟ أتعتقد أنني سعيد بإبقائها بحوزتي؟ إن الأمانة ياقاسم هم! وقد وافقت على هذا الهم من أجلكم لأنني أدرك أن بقاء النقود في بيتكم سيجعلكم تنفقونها دون أن تعوا، فإن لم تنفقها أنت قامت أمك بذلك، أو أبوك، حتى أخواتك. فتلك تحتاج إلى كذا وكذا، والأخرى تحتاج إلى أشياء أخرى. وستكتشفون بين يوم وليلة أن ثمن الأرض قد طار. وصمت قليلاً ثم استطرد: ـ لكنني على مايبدو كنت مخطئاً في تقدير الأمور، لذلك خذ النقود يا قاسم ووفر على نفسك الغضب والتوتر. وأرحني من هذا الهم. شعر قاسم بأن كلام عمه يحاصره من كل الجهات، فلا يستطيع أن يجد أي مخرج يحافظ به على النقود وبنفس الوقت يبقي عمه راضياً بعد أن شكك بأمانته. لم يبق أمامه سوى أن يرفض النقود، موضحاً أنه لم يكن يقصد الإساءة إليه شخصياً، وإن ما أزعجه في الموضوع هو تستّر الأم والأخوات وخاصة عائشة، وعدم إعلامه بذلك في حينه، وبالتالي فقد كان هو آخر من يعلم بما يجري ويقرر في هذا البيت، وهذا تجاوز صارخ له. وبشكل دبلوماسي وافق العم على ذلك، وقدم شيئاً شبيهاً بالاعتذار عن لسان الأم وعائشة. كان قاسم في أثناء ذلك يحدق إلى نقطة أمامه ويفكر، فقد خرج الموقف كله من يده ولا مجال أمامه إلا أن ينصاع ويرضى بما تقرر. وكان ذلك يستفزه أكثر ويجعل النار تشتعل في أحشائه، فحاول أن يغير من مجرى الأمور وقال بعد أن أنهى العم كلامه: ـ الأمر الآخر الذي أزعجني ـ وترددـ أعني، عندما اشترط ذلك المشتري شراء خمسة دونمات، فقد فكرت أنها فرصة كي أشتري كل ما أحتاج من أدوات عمل وخشب وأقوم باستدعاء العمال، كي تكون بدايتي قوية فيطلبني للعمل كل من ينوي البناء حتى وإن أراد بناء قصر. استمع العم إلى قاسم بعبوس وظل صامتاً فترة قصيرة ثم رد وهو يرمق قاسم بنظرة ساخرة: ـ في هذه القرية يا قاسم لا أحد يبني القصور...! والبداية القوية لا تكون بمقدار ماتملك من خشب وعمال، بل بسمعتك الطيبة وبقدرتك على أداء العمل الجيد. فتوكل على الله، وخذ نصف المبلغ واشتر ماتحتاج فقدحان الوقت للعمل، ولا داعي لأن تضيعه في المشاكل والمشاجرات مع أخواتك. كانت الأم قد دخلت أثناء ذلك وراحت تسكب الشاي وهي تستمع إلى حديث العم، وفي نفسها شعور كبير بالراحة والامتنان لقدومه في اللحظة المناسبة، لكن العم رفض أن يشرب الشاي ولم يضعف أمام إصرار زوجة أخيه على البقاء معهم لتناول طعام الغداء، وعاجل بالخروج بعد أنهى كلامه مع قاسم. في الأيام التالية لم تتح عائشة ولا أي شخص آخر في البيت لقاسم أن يفجر العاصفة التي كانت تعوي في داخله. فقد حافظوا جميعاً على تجنبه تماماً. وسرعان ما اشترى قاسم الخشب وأدوات البناء، وشغل معه أحد العمال، ثم اختار نقطة بعيدة عن الغرفتين الطينيتين في ساحة الدار وبدأ الحفر فيها. فهمت عائشة سبب غضبه الشديد عندما بقي المبلغ مع العم إبراهيم. فبعد حوالي شهر كان قاسم قد أنهى بناء غرفة ومطبخ، وأفصح فوراً عن رغبته في الزواج. ارتبكت الأم برغم أنها توقعت ذلك، بل إنها جهزت الكثير من الردود التي تعجز الآن عن سردها، وحاولت بارتباك واضح أن تشرح له أنها ستكون سعيدة حين تراه عريساً لكن الزواج لا يقتصر على يوم العرس، فهو مسؤولية ويجب على من يقدم عليه أن يكون أولاً قد أسس نفسه بالعمل. فأجابها: ـ ومن قال أنني لا أعمل؟ ـ لكنك يا بني لغاية الآن لم تستلم أي عمل خارجي، فمنذ أن اشتريت أدوات البناء باشرت فوراً ببناء غرفة لنفسك، وإذا كنت تعتمد على ماتبقى من ثمن الأرض فذلك لن يكون حلاً . يجب عليك يا بني أن تبدأ من خلال عملك بجني النقود، ثم فكر في الزواج، ولن يصدك أحد. لكن قاسماً أصر على موقفه مدعياً بأنه حين سيتزوج ويستقر مع زوجته سيبدأ حياة جديدة. اضطر جميعهم للموافقة، فقد كانوا يدركون أنهم لن يستطيعوا صده. وسرعان ماوجد عروساً. وكان لها أخ تعجل بالإعلان عن رغبته في الزواج من عائشة، التي لم تتردد كثيراً لعلها بذلك تضع حداً لنمط حياتها تلك. وهكذا تزوج قاسم وعائشة في يوم واحد، ففي اليوم الذي خرجت فيه عائشة من البيت دخلته أخرى. ارتدت عائشةثوبها الأبيض، ووضعت تاجاً علىرأسها، وزينت وجهها. فبدت جميلة، صافية، نقية، إلا من تلك الدموع التي حبستها في عينيها فغاب منها البريق وتلاشى وراء موج يتذبذب في مكانه. ودّعوها وبقي الحزن يكبل نفوس أمها وأخواتها مانعاً إياهن من الفرح بزواج قاسم وباستقبال عروسه وباعثاً في أغانيهن البهيجة شجى حزيناً. كانت عروس قاسم ذات عينين واسعتين أميل إلى الجحوظ، أما أنفها الطويل فكان ينتهي بفك متقدم إلى الأمام، وبدت لمريم أشبه بتلك الساحرة التي طير الريح شعرها في الحكايات. وانتهى العرس، انتهى الفرح/ الحزن. مضت الأيام وبدؤوا جميعاً يتعايشون مع الحياة بعد أن أعيد ترتيبها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |