سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ 10 ـ

بعد زواج قاسم وعائشة ازداد تقشف أسرة الأم، فقد قطع الدخل الذي كانت تجنيه عائشة من الخياطة، ولم يبق لهم سوى العيش على القليل الذي يدره تضمين باقي الأرض، وعقد الأمل من جديد على قاسم. وعزز بذلك من موقع زوجته التي بدأت تتعامل بثقة الحاصل على السلطة الوحيدة في البيت.‏

كان زوج عائشة يعمل موظفاً في شركة نقل بري للبضائع، وكان طيب بالقلب على قدر من السذاجة، وعلى قابلية عالية للتأثر بآراء الآخرين، تحركه في الحياة انفعالات حادة وآنية، فكان وبلحظة انفعال مستعداً لأن يتخذ قراراً مهماً في حياته دون أن يتمحصه أو يفكر فيه، ثم يعود للعدول عنه في اللحظة التالية إذا سمع رأياً مخالفاً، وقد سبب ذلك الكثير من المشاكل بينه وبين عائشة في بداية حياتهما. فقد طردها مرة من البيت وضربها وهددها بالطلاق بعد مضي عدة أشهر على زواجهما، لأنها لم تقل البندورة بالطريقة التي تعجبه! وجاء في اليوم التالي متوسلاً إليها أن تعود.‏

وحدث ذلك مرة أخرى بعد أن وضعت طفلتها الأولى بشهر لأن أخته قد أنجبت ولداً، فقرر أنها لن تقدر هي إلا على إنجاب البنات كأمها، لكنه في تلك المرة لم يحضر لاسترجاعها إلا بعد مضي شهر. أدركت عائشة في تلك المدة التي قضتها مضطرة في بيت أهلها من جديد أن لا خيار أمامها سوى العودة لبيت زوجها، فكانت تمضي أيامها بانتظاره، فعليها وحدها ـ وفقط وحدها مادام ليس لها من أب ولا أخ تعتمد عليه ـ أن ترتب حياتها التي لا بديل عنها بطريقة تمسك بها زمام الأمور، وتكون هي المحرك لزوجها البسيط، وبالفعل فقد استطاعت عائشة فيما بعد بحكمتها أن تتعايش معه، بل وأصبحت الموجه له في حياته وعمله، تغض النظر عن انفعالاته وتبدي الكثير من الصبر في تحمل سلوكه ومزاجه.‏

في أثناء ذلك كان قاسم قد حصل على الكثير من عروض العمل، وبنى مجموعة من البيوت في القرية، إلا أن هذا لم يؤثر بشكل ملحوظ على وضع أهله، فمنذ البداية اختار لنفسه عمالاً من الجالية المصرية، إذ كان يسعده كثيراً أن ينادوه (يابيه، يا معلم)، ويكبر بعيونهم أكثر فيزيدون من تبجيله حين يسخى عليهم بالأجر.‏

وكان في العادة يختفي من البيت حين يتقاضى أجر البناء، فلا يعود إليه إلا بعد أن تكون المشاكل قد اشتعلت بين الأم وزوجته التي تندب حظها الذي قادها إلى هذه الأسرة البائسة بعكس حظ ابنتهم عائشة.‏

وحينما يعود قاسم في الصباح سرعان ما تهدأ زوجته وترضى، وتفوح في ذلك اليوم والأيام التالية من مطبخه، روائح اللحوم والدجاج فتستفز معدة وأعصاب الأب ليروح بدوره يبحث عن مبرر أو شخص يفرغ به شحناته العصبية الزائدة، وتفرح لذلك زوجة قاسم، حيث تسنح لها الفرصة لمراقبة عراك في الغرفتين الطينيتين ليكون موضوع حديث مشوق وطريف مع الجارات ترويه لهن من وراء السياج المنخفض، ويسمع حينذاك صوت ضحكهن العالي وهي تصف الحدث.‏

وتمر عدة أيام والأم تنتظر ابنها كي يقدم لها ما تجود به نفسه من النقود. ويأتي قاسم يشكو لأمه صعوبة الحياة التي علقت على رقبته أسرتهم وأسرته التي أصبح عدد أفرادها أربعة بعد إنجاب زوجته لطفليه وما من أب أو أخ يساعده على إعانتها.‏

وترضى الأم بالقليل وتدعو له بالتوفيق. ويكون القليل ذاك سبب مشاكل أخرى مع زوجته التي تعتبر أن الأم والأخوات هن العقبة في طريق تطور وتحسن أوضاع زوجها. وقد جن جنونها في أحد الأيام حين سمعت بخبر شراء أخيها لقطعة أرض ونيته بناء بيت مستقل عن أهله.‏

ومنعت زوجها من أن يعطي أمه أي قرش ثم انطلقت إلى بيت أهلها مع طفليها. وكانت عائشة قد أنجبت طفلها الثاني وكان ذكراً، فرحت أمها به واعتبرته مسماراً ثبت قدم عائشة في بيت زوجها، لكنهم استقبلوها في ذلك اليوم مع طفليها بعد أن ضربها زوجها وطردها انتقاماً لأخته التي تعيش حياة ذليلة، وتحملت عائشة أسبوعاً جديداً من الحياة في بيت أهلها وهي تنتظر زوجها إلى أن قام بإرجاعها.‏

ومر عامان باهتان من حياة تلك العائلة، لا فرح نقي ولا حزن عميق..‍‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244