سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ 11 ـ

في الصيف أنهت شماء المدرسة، وفي اليوم الذي أعلنت فيه النتائج انتشر خبر حصولها على أعلى معدل في المنطقة، وكانت بذلك أول فرد في الأسرة ينهي تحصيله المدرسي.‏

حضرت عائشة مع طفليها وقبل أن تدخل وقفت بباب الباحة الخارجي وراحت تزغرد، ثم دخلت وقالت بانفعال شديد:‏

ـ لم أصدق الخبر حين سمعته، ودِدْتُ لو أركض لكني كنت أشعر بقدمي مثبتتين في مكانهما، وكدت أتعثر بثوبي عدة مرات وأقع.‏

أجابتها شماء:‏

ـ ولماذا، ألست أهلاً لهذا المعدل !..‏

فقبلتها عائشة وهي تبكي وقالت:‏

ـ إنك عظيمة، هذا ما أردته منك فلم تخيبي أملي!‏

ثم توجهت إلى الأم:‏

ـ هاهي ابنتك قد رفعت رأسك، فلم يحصل أحد في المنطقة على المعدل الذي حصلت عليه.‏

فردت الأم:‏

ـ الحمد لله، ليوفقها الله وليبعث لها الشاب الجدير بها.‏

فقاطعتها عائشة:‏

ـ عم تتحدثين؟ أي شاب هذا؟ بل ادعي لها أن تحصل على منحة في الجامعة.‏

فوجئت الأم بخبر الجامعة، فلم يخطر ببالها ذلك من قبل، وكل مافكرت فيه أن ابنتها قد حصلت على نقاط ترفع من شأنها في القرية فيتقدم لها أصحاب الحسب والنسب غاضين النظر عن وضع أهلها.‏

وسرعان ما بدأ المهنئون بالتوافد، فانشغلت فاطمة ومريم بتحضير فناجين القهوة المختلفة بالشكل والحجم، إذ لم يكن في البيت سوى ثلاثة فناجين متشابهة مع صحونها، وقررت فاطمة أن يقدمنها إلى الضيوف الأكثر أهمية، أما العصير فلم يكن لديهن أبداً أية كاسات زجاجية مناسبة لتقديمه، ووافقت مريم بعد تردد أن تتجاوز خجلها وتضحي من أجل هذه المناسبة العظيمة فذهبت إلى الجيران قاصدة استعارة الكاسات من عندهم.‏

كان أول المهنئين العم إبراهيم وزوجته.‏

هنأ شماء بحرارة مفصحاً عن فخره الشديد بها، فاحمرت وجنتاها وهي تسمع المديح الكثير وشعرت بأنها قامت بعمل بطولي لا تدرك مدى أهميته.‏

عاد قاسم إلى البيت بعد أن كان قد هنأ شماء في الصباح وخرج، فقامت الأم ونادته حين رأته متوجهاً إلى بيته:‏

ـ عمك إبراهيم جاء مهنئاً، فتعال واجلس معه.‏

استجاب قاسم وغير وجهته ودخل الغرفة، وبعد أن سلم على الجميع جلس إلى جانب العم الذي قال:‏

ـ لا تتذمر بعد الآن ياقاسم من كونك بلا أخ، فقد رزقك الله بأخوات على قدر من الذكاء والحكمة ينقص الكثير من الرجال، وسيكن بعون الله خيراً لك من ألف أخ.‏

لم يعجب قاسم بالكلام وهيئ له بأن العم يعرض به بطريقة أو بأخرى فلم يعلق واكتفى بهز رأسه، فقال العم:‏

ـ مابك يارجل، ألست سعيداً بتفوق أختك؟!‏

ـ لم يستطع قاسم أن يخفي استفزازه وردَّ بشيء من العصبية:‏

ـ بالطبع سعيد، وماذا علي أن أفعل كي أثبت ذلك، هل أرقص كالأطفال مثلاً.‏

تعمدت الأم الضحك كي تحد من تصاعد الحوار فقد بدا الاستفزاز واضحاً على قاسم، وقالت مداعبة:‏

ـ ولم لا، هيا قم وادع زوجتك وأطفالك ولنرقص جميعاً!..‏

ضحكوا جميعاً، إلا قاسماً، فقد شعر بالاستخفاف بكل مايجري، وبعد أن شرب القهوة قام واعتذر من عمه مدعياً ضرورة العودة إلى العمل، فقال العم:‏

ـ لا يضر إذا تغيبت عن عملك يوماً واحداً، فنجاح أختك يستحق ذلك.‏

لكن قاسماً لم يتمالك نفسه ورد بنبرة حادة وهو خارج:‏

ـ لا أعتقد أن نجاحها سيطعمنا خبزاً.‏

ساد شيء من الصمت، إلا أن وفود المهنئين سرعان ما بعثت الفرح من جديد وأنستهم قاسماً.‏

استمرت الحركة تعج في البيت عدة أيام، وكانت عائشة قد تبرعت سراً بمبلغ من المال كي تشتري الأم ما يحتاجونه من أدوات منزلية وأنواع حلوى فاخرة للضيافة تليق بالحدث.‏

بعد مضي شهر حصلت شماء على منحة في جامعة العاصمة، وكان ذلك أيضاً حدثاً كبيراً في العائلة، فقد كانت أول فتاة في القرية تحصل على منحة جامعية. مماجعل أهلها يزدادون فخراً واعتزازاً متجاوزين واقعهم البائس الذي يحني رؤوسهم باستمرار.‏

لكن الأم وبرغم فرحها ترددت قليلاً بشأن سفر ابنتها إلى العاصمة. وارتأت أن يكون قاسم هو من يبت في الأمر كونه الرجل الوحيد في البيت.‏

أيدت عائشة هذا الموقف باعتبار سفر شماء إلى العاصمة وإن كان لأمر مهم كالدراسة، فيجب أن يتم بموافقة الأخ، رضخت شماء لهذا القرار برغم إحساسها بالظلم، فمستقبلها بات يتوقف على كلمة يقولها قاسم.‏

انتظرت الأم عودة قاسم من العمل فاستدعته إلى غرفتهم، وحدثته في البداية عن أمور أخرى، ثم بدأت الحديث بالموضوع المهم.‏

ـ أنت تعرف أن شماء حصلت على منحة للدراسة الجامعية في العاصمة.‏

ـ نعم أعرف.‏

ـ يقولون إن الطالب الذي يحصل على منحة يتقاضى مرتباً شهرياً بالإضافة إلى دراسته على حساب الحكومة.‏

نظر إليها قاسم وقال:‏

ـ هذا جيد.‏

ـ هل يعني ذلك أنك موافق على سفرها؟‏

ـ ولماذا لا أوافق؟‏

ـ كما تعرف يا بني كونها فتاة يجعل مسألة سفرها إلى العاصمة وحيدة ليست بالبسيطة، وربما تطلق ألسنة الناس علينا. وقد خفت أن تمانع أنت ضد سفرها وترتئي أن بقاءها هنا سيكون أفضل، لكنك والحمد لله عاقل كما توقعت ولن تقف في طريق مستقبلها.‏

في الحقيقة، لم يكن ذلك الأمر يهم قاسماً كثيراً، فلتسافر إلى حيث تشاء. بل إنه كان سعيداً لأن عدد الأخوات في تلك الغرفة سينقص، وكان كل ما أثار فضوله في حديث أمه شيئاً وحيداً فسأل: ـ وماهو الراتب الذي ستتقاضاه؟‏

ـ لا أعرف يا بني، لكنها كما فهمت، ستتقاضى مرتباً يساعدها على العيش هناك دون الحاجة إلينا.‏

صمت قليلاً، فعادت الأم لتتيقّن من موقف ابنها:‏

ـ إذن أنت موافق على سفرها؟‏

ـ نعم موافق.‏

تنفست الأم الصعداء، فشكرت الله على ذلك، وأردفت:‏

ـ المسألة الأخرى يا بني هي أنها يجب أن تسافر في الأيام القادمة إلى العاصمة كي تقدم طلب الانتساب للجامعة.‏

فقاطعها قاسم الذي بدأ يشعر بأن أمه تحمله هماً هو في حل منه:‏

ـ قلت إنني لا أمانع، أم أنك ترينني أغلق باب الدار بقفل حديدي؟‏

ردت الأم:‏

ـ ماقصدته يا بني شيء آخر، فهي لم تغادر حدود القرية من قبل، أول مرة ستكون صعبة عليها، ألا ترى أنه من الأفضل أن ترافقها، فهي لا تعرف العاصمة وقد تضيع فيها، وأنت شاب سافرت من قبل كثيراً وتعرف المدن، وفوق ذلك أنت أخوها ولابد من الوقوف لجانبها ومساعدتها.‏

فكر قاسم قليلاً وشعر بالندم لموافقته على سفرها، فهو لم يفكر حينها بما سينجم عن ذلك من تعب ومصاريف، قال:‏

ـ لكنني الآن لا أملك شيئاً من النقود، لقد دفعت بالأمس كل مامعي أجراً للعمال.‏

فردت الأم:‏

ـ لقد تبرعت عائشة بمصاريف الطريق، على أن لا تعلم زوجتك بذلك، وإلا نقلت صورة مشوهة لأخيها تثير نقمته على عائشة.‏

ـ حسناً إذن، ومتى يجب أن نسافر؟‏

ـ من الأفضل أن لا نؤجل ذلك كثيراً.‏

ـ بعد غد إذن.‏

انتهى الموقف دون ضجة أو مشاكل وسافرت شماء وقاسم بعد يومين إلى العاصمة. سلمت الأم في الصباح مصاريف الطريق لقاسم وانطلقا، وحين وصلا باشرت شماء بالأسئلة عن أماكن تقديم الطلبات، وقامت بنفسها بجميع الإجراءات، لكنها عندما علمت ببعض الشروط اكفهرت، ولم تخبر قاسماً بها وقررت أن تتكتم على الأمر لتناقشه أو لا مع عائشة والأم، ولم يعودا بعد ذلك فوراً فقد انشغل قاسم بشراء حلويات من العاصمة كهدية لعائلته ثم توجها لمحطة الباصات، ركبا باصاً وعادا إلى القرية،‏

ولم يلاحظ قاسم خلال الطريق صمت شماء وحزنها وراح ينفخ دخان السجائر الفاخرة التي خص نفسه بها في هذا اليوم، وصلا البيت وافترقا عند باب الباحة الخارجي حيث توجه كل إلى غرفته.‏

لاحظت الأم فوراً الكآبة على وجه شماء فسألتها:‏

ـ مابك، هل تشاجرت مع قاسم في الطريق؟‏

ـ لا، أبداً.‏

ـ ما الذي حصل إذن، ألم يقبلوك في الجامعة؟‏

ـ لا ، يا أمي، فالقبول ليس فورياً.‏

ـ خبريني إذن مابك متجهمة هكذا؟!‏

ـ علمت هناك بأنه يجب على كل المتقدمين للجامعة، بعد حصولهم على القبول أن يدفعوا قسط الدراسة الأول، وأن تدفع الفتاة التي ترغب بالعيش في السكن قسطاً مبدئياً مقابل ذلك، كل هذه الأقساط مستردة لمن حصل على منحة.‏

قالت الأم:‏

ـ لم أفهم شيئاً، لماذا يجب الدفع إذا كانوا سيردون المبلغ فيما بعد؟‏

ـ لا أعرف، هكذا هي القوانين، فالمنحة كما فهمت ستقرر بعد شهر أو شهرين من الدراسة.‏

فسألت الأم بتخوف:‏

ـ وكم هو المبلغ؟‏

ـ لا أعرف بالضبط، لكنه في حدود مائة دينار.‏

شهقت الأم:‏

ـ مائة دينار! من أين لنا بها؟‏

فردت شماء وفي عينيها رجاء بائس:‏

ـ أليس من أحد نستدين منه؟ فالمبلغ مسترد.‏

وضعت الأم يدها على خدها وقالت بأسى:‏

ـ ومن أين سنستدين؟ لقد أرقت ماء وجهي مرات كثيرة أمام الجارات من أجل مبالغ بسيطة، وكن أحياناً يرفضن، فكيف سأطلب الآن مبلغاً كهذا؟ لا أعتقد إن أحداً سيوافق.‏

ـ وعمي إبراهيم؟‏

ـ حتى عمك إبراهيم أخجل منه. ولا أعتقد أن المبلغ أصلاً بحوزته، فمرتبه الشهري كله، لا يساوي مائة دينار!‏

لم تتمالك شماء نفسها فراحت تبكي، وهي تشعر بعبث الجهد الذي بذلته من أجل الحصول على معدل يؤهلها للحصول على منحة. إن واقعاً مراً ينتصب أمامها كالجدار السميك تتحطم عليه طموحاتها، في حين لا تستطيع فعل شيء حياله سوى البكاء بحرقة ولعنه بحقد، مدركة في أعماقها أن الدموع واللعنات ماهي إلا سلاح وهمي يلجأ إليه الضعيف في أقصى حالات عجزه.‏

دخلت عائشة، فأرعبها المنظر، كانت الأم صامتة تضع يدها على خدها وشماء تبكي وفاطمة ومريم تجلسان بجانبها ولا تحرك أي واحدة منهن ساكناً لتهدئتها.‏

فقالت بقلق:‏

ـ كفانا الله الشر، أي مصيبة قد حلت؟‏

وقفت الأم لاستقبالها وقالت:‏

-لا تخافي واجلسي أولاً وسنحدثك.‏

ـ حدثيني أولاً ما الذي حدث لها في العاصمة، هل تشاجرت هناك مع قاسم؟‏

ـ ليته حدث.‏

فارتعبت عائشة أكثر وقالت:‏

ـ ماذا إذن ؟ لقد خارت قواي فأخبريني.‏

أجلستها الأم وحدثتها بالأمر، في حين استمرت شماء بالبكاء، فتوجهت إليها عائشة:‏

ـ اهدئي وكفي عن البكاء، لابد من إيجاد حل.‏

أحست شماء بأن عائشة بحكمتها ستنقذ مستقبلها، ولاح الأمل في الأفق من جديد فسألت:‏

ـ وكيف سيوجد ذلك الحل؟‏

راحت عائشة تحدق إليها فترة دون أن تنطق بكلمة، فقالت شماء بخيبة:‏

ـ كان من الأفضل لو لم أتعب نفسي بالسهر والدراسة، لو كنتِ رسبت وجلست الآن بانتظار العريس، فماذا يعني أن أحصل على معدل عال مادمت فقيرة، كان يجب علي أن أفهم هذه الحقيقة منذ البداية وأوفر على نفسي الجهد.‏

كانت عائشة مستمرة بالتحديق إليها دون أن تستمع إلى ما تقول، ثم هتفت:‏

ـ كما من حق قاسم أن تباع الأرض من أجله، من حقك أنت أيضاً ذلك ودراستك الجامعية أمر لا يقل أهمية عن سفره وعمله، مائة دينار ثمن لدونمين من الأرض.‏

انتفضت الأم في مكانها حين سمعت ذلك، فقد تعودت أن تسمع الرأي الحكيم من عائشة في مآزق كثيرة كهذه، إلا أنها في هذه المرة خيبت أملها، بل إن ماقالته ضرب من التخريف، فعندما كانوا يبيعون الأرض في السابق، إنما كانوا يفعلون ذلك من أجل قاسم الذكر الوحيد في الأسرة، وبالرغم من أنه مقصر في حقهم ولديهم الكثير من الملاحظات عليه وعلى سلوكه، فإنه في النهاية يبقى شاباً يحيي اسم أبيه وبيته، ويعشن هن في ظله، أما أن تباع الأرض من أجل فتاة وإن كانت أيضاً ابنتها فهي في النهاية فتاة وإن تعلمت لابد لها في يوم من الأيام أن تنتقل إلى بيت زوجها لتكون ملكه، وقالت:‏

ـ في هذه المرة لست محقة يا عائشة، فقاسم رجل وهاهو فاتح بيت أبيه، وأنت بالذات لست بحاجة إلى أن اشرح لك الأمور.‏

فقاطعتها عائشة:‏

ـ بل أنا محقة. فلو كنت تعلمت وحصلت على وظيفة لما كنت أسرب لك النقود الآن بالسر، ولكنت حرة التصرف بما أجني، ولما استطاع زوجي أن يمنعني من ذلك.‏

وكان كلامها أقوى من أن ترد عليه الأم، فاستطردت:‏

ـ وستدركين أنني محقة عندما تتخرج وتحصل على وظيفة، لأنها حينها لن تنتظر أن ينسى زوجها بجيبه القليل من النقود لتخفيها ثم تسلمك إياها، بل إنها وعلى مرأى من الناس ستكون عوناً لك ولأخواتها، ولن تضطري عندئذٍ أن تنتظري قاسماً‏

ليعطف عليك ويذلك بقرش بعد أن يكون بطنه قد انفرى من أكل اللحم، ثم والأهم من ذلك فكري فيها نفسها، أم أنك تريدين لها مصيراً كمصيري، أعيش تحت رحمة رجل ساذج يثور لأتفه الأسباب ويطردني لأعيش أياماً أنا وأطفالي جائعة بانتظار تحسن مزاجه، ثقي بأنها إذا تعلمت وحصلت على شهادة فإنها ستكون حرة، لأنها ستعمل وقرشها سيكون بيدها، وتتصرف به بحرية.‏

ولم تقوَ كل مفاهيم الأم وقيمها أن تتماسك أمام المنطق القوي الذي تتحدث به عائشة، فانهارت، واقتنعت الأم بسرعة، بل إنها فرحت حين اكتشفت أن شماء ستحصل على وظيفة بعد عدة سنين وستكون معيلاً ومحرراً لعائلتها، وثار الحماس فيها، فقررت أن تحدث قاسماً لحسم الأمور بسرعة.‏

فوجئت شماء بهذا الموقف الجريء لعائشة، وكانت قد استعرضت من قبل كل الحلول الممكنة للخروج من المأزق، لكنها لم تتجرأ حتى على التفكير في هذا الأمر، يا لقوة وعظمة عائشة، كم أنها تحبها، وفكرت بداخلها أن عائشة هي الشيء الوحيد الصحيح في حياتهم وكل ما تبقى خطأ، وكأن كل العوامل المناقضة لمفهوم الحياة الطبيعية والإنسانية قد تجمعت وتوحدت لرسم خطوط حياتهم، وليصبح وجود عائشة بينهم وكأنه حتمية الطبيعة نفسها لتعدل من مسار هذه الخطوط.‏

وهكذا كان موقف عائشة مفتاحاً للحل، لكنه لم يكن الحل نفسه، فقد بقيت مسألة إقناع قاسم بذلك، وكان الكل يدرك بأنها ليست بالأمر السهل.‏

في اليوم التالي دعت الأم قاسماً إلى غرفتها وجلست معه وحيدة في حين بقيت الفتيات ينتظرن بقلق في غرفة المطبخ حيث ينام الأب.‏

حدثته الأم في البداية عن شماء ودراستها وتسلسلت في الحديث إلى أن وصلت إلى موضوع مائة الدينار، فقال قاسم باستغراب:‏

-وما المطلوب، هل تعتقدين أنني أملك مبلغاً كهذا؟‏

-أعرف يا بني أنك لا تملك هذا المبلغ، وقد فكرت أنا والفتيات بشخص ما نستدين منه ولكننا أيضاً لم نجد أحداً.‏

-وأنا كذلك لا أعرف أحداً يستطيع أن يقرضنا مالاً.‏

-أعرف ذلك أيضاً.‏

-وماذا تريدين إذن؟‏

تنهدت الأم بعمق كي تحد من الاضطراب الذي بات يسري في جسدها، وكي تحافظ على توازن كلامها قبل أن تباشر به، قالت:‏

-رأينا أن ثمن دونمين من الأرض سيحل المشكلة وستحصل أختك على منحتها وتتعلم وتحصل على شهادة تؤهلها للوظيفة فتصبح في المستقبل عوناً لنا أنا وأخوتك ووالدك، ويخف الحمل عن كاهلك.‏

وكأن الأم قد فتحت نافذة تعوي وراءها الرياح فطيرت عقل قاسم وجن جنونه ووقف، فقد كان الجلوس يحد من حركته وتوتره، ودلق أثناء ذلك كأس شاي كان أمامه على الحصيرة وراح يصرخ بالكلام بصوت عال:‏

-لقد وافقت على سفرها وأردت بذلك أن أكون أخاً باراً أتحمل من أجلها ما سيقوله الناس عني، وتركت في الأمس عملي وسافرت معها إلى العاصمة، واليوم تردن بيع الأرض كي تسافر، ولماذا دونمان؟! بيعي الأرض كلها من أجلها! أجل، بيعي الأرض كلها، فأنت لم تلدي غير البنات ولا تفكرين إلا بهن، ألا تذكرين حين بيعت الأرض من أجل عملي؟ ماذا فعلتن حينها؟ أبقيتن ثمنها مع العم إبراهيم خوفاً من أن أستلمه لأنني لست رجلاً بنظركن، بل أنا حمار تركبن على ظهره، لكنني الآن لن أسمح بذلك، وإذا تجرأتن على بيع متر واحد من الأرض فسأريكن أي رجل أنا، لقد صبرت على الكثير وأردت أن أكون الأخ المتسامح، لكنكن على مايبدو تردن أكل حقي في مال أبي قبل أن يموت، الآن شماء وغداً فاطمة وبعدها مريم، وابق أنت يا قاسم اعمل واعمل، ومت من العمل كي يتعلمن ويسافرن، أهذا ما تردنه؟ ولكن لا وألف لا، ولا تطلبين مني الرحمة بعد ذلك ولتذهب هي ودراستها إلى الجحيم لأنها لا تهمني سواء متعلمة أم جاهلة.‏

وأراد أن يخرج ليضع بذلك نقطة ضخمة في نهاية الموضوع تكون كصخرة صلبة يصعب على أي أحد أن يزحزها!‏

لكن الأم التي لم تستطع أن تقاطعه أو تهدئ من روعه في أثناء ثورته أمسكت بيده وقد شعرت بأن الوحي نزل عليها فجأة وأراها المدخل الذي يمكن لها من خلاله أن تلامس نفس ابنها. لقد كانت الأم في أعماق نفسها تفهم ابنها، لكنها تعامله وتتعامل معه عادة كما تريد له أن يكون لا كما هو في الواقع، أما الآن فيجب أن تحسم الأمر ولصالح شماء انطلاقاً من هذا الفهم، فمنعته من الخروج قائلة:‏

-أرجوك يا قاسم لا تخرج واهدأ فأنا لم أكمل كلامي بعد.‏

-وماذا بعد، أي مصيبة أخرى ستزفينها إلي؟‏

-استعذ بالله من الشيطان الرجيم واهدأ، وكفانا الله شر المصائب، اجلس واسمع كلامي.‏

-أستطيع أن أسمع وأنا واقف فليس لدي وقت للجلوس.‏

-أريدك أن تجلس أولاً، وثق أنك لن تندم على ذلك.‏

أثار كلامها فضوله فجلس، وقالت:‏

-في الهدوء يا بني تحل أعقد العقد، فلماذا تثور بسرعة، إنك بذلك ترهق أعصابك.‏

فقاطعها قاسم وقد بدا عليه الاستفزاز من جديد:‏

-هل أجلستني لتلقي علي محاضرة في الهدوء؟ إذا كان لديك شيء فقوليه دون مقدمات وإلا قمت.‏

-حسناً، حسناً، لقد شرحت لك أن المبلغ مسترد، فبعد مضي شهر أو شهرين، كما قالت شماء، ستقرر المنحة وستعيد لها الحكومة ما دفعت، وأعدك حينها بأن هذا المبلغ سيكون لك، وستكون حر التصرف به.‏

كانت الأم تدرك أنها بكلامها هذا ستنقذ الموقف وستحصل على موافقة قاسم، إلا أنها شعرت بضيق شديد في صدرها، فقد قدمت للتو رشوة كبيرة لابنها هم في أمس الحاجة إليها.‏

صمت قاسم، فقد كان العرض مغرياً له. إلا أنه ارتأى أن لا يفصح عن الموافقة مباشرة حفاظاً على ماء وجهه، فقال:‏

-لا أعرف ماذا أقول، فأنا بالأساس يهمني أن نحافظ على الأرض وأن لا نبيعها بالأجزاء، ولكن -وتردد- إذا لم يكن من مخرج آخر فما العمل؟ على كل حال دعيني أفكر.‏

أحست الأم بأسى عميق يجتاحها حين رأت ابنها يتعرى أمامها تماماً ليكشف عن انتهازيته الكبيرة، لكنها كتمت حزنها بداخلها ورسمت ابتسامة مفتعلة على وجهها وقالت:‏

-لا تقلق يا بني، فسيرزقك الله إن شاء في المستقبل وتشتري ماتود من الأراضي.‏

انتهى النقاش وخرج قاسم، ولم تقم الأم لتطمئن شماء التي تنتظر بقلق في الغرفة الأخرى، بل بقيت جالسة في مكانها تعبث بخيوط الحصيرة البلاستيكية تشدها وتقطعها دون أن تعي، وتمسح دموعها بين حين وآخر.‏

لم يفكر قاسم طويلاً في الأمر، فسرعان ما قدم في المساء وصرح بموافقته.‏

وبيع دونمان من الأرض ودفع ثمنهما أقساطاً للجامعة. سافرت شماء إلى العاصمة وباشرت دراستها، وقد واظبت منذ البداية على الحضور أيام الخميس والجمعة لتقضي عطلة الأسبوع مع أسرتها.‏

وما إن مضى شهر حتى بدأ قاسم يلح بالأسئلة على أمه عن موعد دفع المبلغ. وكانت الأم تصبره وتؤكد بأن شماء ستحصل على منحة قريباً وسيستردون ما دفعوا. بعد شهرين من بدء الدراسة حصلت شماء على المنحة واستردوا المبلغ. اطمأنت الأم، فبرغم تأكيدها لقاسم كانت نفسها تشك بذلك، ولم تخلف بوعدها فأخذت النقود من شماء حين حضرت يوم الخميس لتسلمها لقاسم، فاحتجت شماء:‏

-هل ستعطينه المبلغ كاملاً؟ أبقي على الأقل جزءاً قليلاً منه لتشتري خزانة جديدة للملابس، سندفع قسطاً أولياً، وأتعهد أنا بباقي الأقساط من مرتبي الشهري.‏

فردت الأم:‏

-الخزانة التي لدينا توفي بالغرض، أما قاسم.. وصمتت بعد أن تنهدت ثم استطردت: -أرجوك يا شماء، لا داعي لإثارة المشاكل. احمدي الله أنك الآن تدرسين، ولنعتبر هذا المبلغ غير مسترد.‏

لم تصر شماء على موقفها، فقد بدا لها بالفعل أن دراستها تستحق التضحية، وبأنها لابد أن تعوض كل ذلك بعد تخرجها.‏

استلم قاسم المبلغ من أمه وخرج سريعاً، توجه إلى غرفته ومكث هناك قليلاً ثم خرج. وفي وقت متأخر من المساء جاءت زوجته تسأل عنه فطمأنتها شماء بأنه سيعود حتماً في وقت متأخر. مضى الليل وحل الصباح ولم يأت. حينها بدأت الأم تقلق وخرجت هي وزوجته تبحثان عنه. ولم تمض ساعة حتى عادتا.‏

بقيت زوجته التي كانت حاملاً بطفلها الثالث في باحة الدار تروح وتجيء، تولول وتكيل الشتائم لهم جميعاً، وتهدد بطلاق عائشة، أما الأم فدخلت الغرفة وبانفعال واضطراب شديدين قالت:‏

-لقد هرب! هرب إلى دولة عربية مجاورة!‏

شعرت الفتيات بالمصيبة وقد سقطت على رؤوسهن جميعاً، سألت شماء بتوتر:‏

-كيف ذلك؟‏

-أجابت الأم:‏

-كيف، كيف، حصل على النقود وسافر، لقد توقعت أن يفعل فعلة بهذه النقود، لكنني لم أتوقع أبداً أن يسافر.‏

فاستعلمت شماء مرتابة:‏

-وممن علمت. قد يكون الخبر كاذباً.‏

-لا، الخبر صحيح، أعلمنا به أحد معارفه، فقد رآه في الأمس يركب سيارة نقل خارجية.‏

-ولم يقل له شيئاً، لماذا سافر مثلاً ومتى سيعود؟‏

-لا، لم يقل شيئاً.‏

تساءلت فاطمة بقلق.‏

-ومتى سيعود؟‏

فأوشكت الأم على البكاء وقالت بصوت متهدج:‏

-من أين لي أن أعرف، وهل يعرف أحد هل سيعود أم لا؟! ففي المرة الأولى حين سافر وعدنا أن يكون على اتصال بنا وأن يمدنا بالنقود كلما توافرت، لكنه غاب سنين لا خبر ولا نقود. وهذه المرة، لو كان سيعود لأخبرنا بسفره، أو على الأقل لأخبر زوجته، لكنه ببساطة هرب، -وبدأت تبكي- هرب من أهله ومن أسرته، ليعيش حراً طليقاً بعيداً عنّا جميعنا وفي حل من همومهم، يا إلهي، أية مصيبة أوقعت بنا!‏

ولم تتجرأ الأم إلا على التوجه إلى الله معاتبة باكية:‏

-لماذا لم تسمع دعواتي ورجائي، وتأخذ بيده فتهديه، أي ذنب اقترفته في حياتي كي تعاقبني بهذا الابن!‏

ساد صمت كئيب في الغرفة، فقد كان الحدث /المصيبة أكبر من أن يناقشنه، فيما استمرت شفتا الأم تتحركان وكان صوتها قد اختفى.‏

بقيت زوجة قاسم تدخل غرفتها ثم تخرج لتكيل الشتائم في حين، وتقارن في حين آخر. فابنهم قد هجرها في ليلة ظلماء، في الوقت الذي يبني فيه أخوها بيتاً لابنتهم، وراحت تتوعد، فهي لن تسمح لعائشة بالعيش في البيت الجديد، وستكون وراء طلاقها، لتسكن هي في ذلك البيت.‏

ولحسن حظهم كان زوج عائشة مسافراً، كذلك فقد بدأ عمله في النقل يتطلب منه السفر بين الوقت والآخر. أما عائشة فقد كانت مشغولة ببناء البيت على قطعة الأرض التي اشترتها بعد أن وفرت مبلغاً من المال.‏

لم تخرج الأم أو أي واحدة من الأخوات لتهدئة زوجة قاسم، فقد كن يدركن بأن أي كلمة تقال لها ستكون بمثابة دلق الزيت على النار، فتركنها لأمرها.‏

وباتت الأم تقوم وتمشي قليلاً، ثم تجلس واضعة يدها على خدها، لتقوم من جديد وتجول في الغرفة على غير هدى وهي تبكي، وفجأة وقفت وطلبت من مريم أن تذهب لاستدعاء عائشة، فذهبت، وسمع في هذا الوقت صوت الأب من الغرفة الأخرى يذكر بأنه جائع.‏

فقالت الأم مقطبة حاجبيها:‏

-وهذه هي مصيبتي الأخرى لا يهمه إلا بطنه و....‏

ولم تكمل. فقالت شماء:‏

-اسكتي يا أمي ولا تصبي غضبك عليه، فيكفيه ماهو فيه من حال.‏

اتجهت فاطمة إلى الغرفة الأخرى وأعدت لأبيها قليلاً من الطعام وأطعمته، في حين رفض الآخرون الأكل.‏

وصلت عائشة وكانت قد علمت من مريم في الطريق بما حدث. وقبل أن تدخل غرفة أمها وقفت في باحة الدار مع زوجة قاسم محاولة تهدئتها، في حين كانت الأخرى مستمرة بالشتائم والتهديد، فقالت لها عائشة:‏

-حسناً، حين سيأتي أخوك سيكون لك ما تريدين، سنتطلق جميعاً ويذهب كل في حال سبيله، أما الآن فكفي عن الصراخ لأنه لا يقدم أو يؤخر في الأمر شيئاً.‏

ثم غيرت نبرتها فهي تدرك المصيبة التي حلت بزوجة أخيها:‏

-أرجوك أن تهدئي وادخلي معي كي نبحث الموضوع. إلا أن زوجة قاسم رفضت وفضلت العودة إلى غرفتها، فتوجهت عائشة إلى غرفة أمها.‏

وما أن رأتها الأم حتى سألتها مستجدية:‏

-ما العمل يا عائشة؟‏

-وكيف لي أن أدري -وضربت كفيها أحدهما بالآخر وجلست- حين سافر في السابق لم تكن بالمصيبة الكبرى، أما الآن فلمن ترك أسرته، لقد اعتقدنا بأنه سيعقل بعد الزواج وسيبدأ يتحمل المسؤولية، فلديه الآن طفلان وزوجته حامل، ومع ذلك سافر ضارباً بعرض الحائط كل شيء! أي عاقل يفعل فعلته؟ اعتقدت بأنه قادر على التعامل بأنانية فقط مع أهله، أما مع أطفاله! فهذا مالا أستطيع فهمه، أي شخص أناني يخفي في جلده، آه -وصدرت الآه من أعماق دفينة بداخلها- وأنا، أية غبية كنت حين وافقت على تلك الزيجة وربطت مصيري بمصيره، لقد تأملت أن حياتي ستهدأ، وها هو قد عاد ليثير فيها زوابع لا أدري إلى أين ستطيرني، أية غبية أنا.‏

ووضعت يدها على عينيها وكأن عاصفة سوداء قد ثارت أمامها برياح قوية تعوي وتقتلع كل غصن في طريقها، وتتسارع باتجاهها. شعرت بنفسها تقف على حافة هاوية، لا جدار تستند إليه ولا جدار تختفي وراءه من العاصفة، ولا محالة لها من السقوط، السقوط الذي كانت تخافه وتقاومه دائماً.‏

الرياح تعوي والعاصفة تجلجل وعائشة تغمض عينيها بيدها خوفاً من أن تراها، أدركت لحظة أن حياتها كلها عبارة عن عاصفة مؤجلة أمضت عمرها تقاوم وتؤجل حدوثها، وقد حانت الآن هذه اللحظة. أحست برعب فظيع ينتابها، رعب من عمق الهاوية إذا سقطت فيها، ومن سواد الأفق إذا طيرتها الرياح.‏

اقتربت الأم منها وأزاحت يديها عن عينيها، ولم تتردد عائشة، فبرغم أنها لم تفعل ذلك منذ زمن طويل فهي الآن في هذه اللحظة قد شعرت بضعفها الشديد، ضعف طفلة مذعورة، ألقت برأسها على صدر أمها وبكت. وسال من عينيها الدم الذي حبسته بفمها.‏

تركتها الأم تبكي، وبقي بكاء عائشة هو الشيء الوحيد الذي يذكر بالحياة في تلك الغرفة فقد جلست الأخوات، والأم يحدقن إلى فراغ مضغوط يوشك على الانفجار.‏

في ذلك الوقت خرجت زوجة قاسم إلى الباحة وراحت تنادي أطفالها، فقامت شماء لتراها وقد جهزت نفسها للعودة إلى بيت أهلها. حاولت أن تصدها عن قرارها، إلا إن زوجة قاسم ردت:‏

-ما الذي سيبقيني، وكم من الأيام أو السنين سأنتظر، لا، فليعد كل من حيث أتى، فلم أعد قادرة على الصبر أكثر من ذلك. ففي بيت أهلي سأعيش معززة مكرمة، أما أولادكم -وقصدت أطفال قاسم- فسيبحث أهلي وأخي أمرهم حين عودته من السفر، وخرجت.‏

وبالطبع لم تتجرأ عائشة بعد ذلك على العودة إلى بيت زوجها فقد كان طردها من هناك محتماً.‏

عادت شماء إلى الغرفة وجلست في إحدى الزوايا تفكر، إنها السبب وراء كل ما يجري، فلولا دراستها لما حدث شيء. كيف ستستطيع بعد ذلك أن تدرس، كيف ستواجه نفسها حين تبني مستقبلها على أنقاض حطام عائلتين، لقد كانت مغفلة حين اعتقدت أن حياتها وحياة أسرتها ستأخذ المجرى الصحيح وستكون دراستها هي المنقذ. نعم مغفلة، كان يجب عليها أن تدرك أنهم في تلك الأسرة هم من الذين قدر لهم أن يعيشوا البؤس بكل أبعاده ولآخر يوم في حياتهم. وما كان يجب عليها أن تعارض التيار الذي يسيرهم، كان يجب عليها أن تجلس ساكنة في المركب وإلى الأبد لأن حركتها وكما ظهر قد أخلت بتوازن هذا المركب، فباتت أمواج التيار تلاطمه من كل الجهات لتحطمه وتحطمه وتحطمه. ولتصبح حياتهم فتات حطام، وأحست بأنها قد اقترفت جريمة بحق الجميع، ما الذي فعلته -تساءلت- وأمسكت رأسها بيدها ضاغطة عليه.‏

ثم انتبهت عائشة إليها وأنها مازالت موجودة على الرغم من أن موعد سفرها إلى الجامعة قد حان، فحثتها على السفر. أجابت شماء بصوت منخفض، إنها فقدت الرغبة في الدراسة خاصة وأنها السبب في كل ما حصل.‏

فثارت عائشة:‏

-أي تخريف هذا! السبب فيما جرى ويجري هو أخوك ولست أنت، فهو منذ وعى الحياة لا يفكر إلا في نفسه، حتى الآن وبعد أن أنجب أطفالاً ظهر أنهم لا يعنون له شيئاً مقابل ذاته.‏

تنهدت بعمق وصمتت قليلاً ثم استطردت:‏

-اسمعي يا شماء، لقد ضاقت نفسي وليست لديّ قدرة على الحديث، جهزي نفسك واذهبي لدراستك فليس أمامك من خيار آخر.‏

كانت لهجة عائشة صارمة فتجنبت شماء مناقشتها كي لا تثور مشاكل جانبية وجهزت نفسها وانطلقت، واستمرت خلال الطريق تؤنب نفسها، فمستقبل عائشة أختها مهدد بالانهيار بينما تتجه هي إلى جامعتها، أي منطق أعوج يحرك الأمور؟! لماذا؟ عذبها هذا السؤال: لماذا تركب المعادلات بهذه الطريقة؟ من جديد معادلات خاطئة ونتائج خاطئة، لماذا قوانين الحكومة التي توجب دفع مبلغ سترده فيما بعد؟‏

ولماذا هم بهذا الفقر، لا مخرج سوى الأرض البائسة التي لا يملكون غيرها؟ ولماذا أبوها مريض وغير قادر على العمل؟ ولماذا رزقهم الله بهذا الأخ؟ ولماذا سافر؟ ولماذا تزوجت عائشة من أخي زوجته؟ ولماذا لماذا لماذا. شعرت بالأسئلة كبركان يثور في رأسها فيغرقها ولا تجد أية إجابة تتمسك بها.‏

وودت لو توقف الباص بيدها لتعود راكضة إلى الوراء. وبالفعل فقد جلست وشدت بقبضتها على النافذة، وضغطت بجسمها على مقعدها بشدة ودفعته دون وعي إلى الوراء، لكن الباص ظل ينطلق مسرعاً وينطلق معه العالم إلى الأمام، ضغطت أكثر على مقعدها وأرادت أن توقف الزمن نفسه، ليسكن كل شيء من حولها. لتسكن في بيتهم الحركة والمشاكل والهموم. والأهم من ذلك ليسكن شعورهم بالألم، هذا الألم الذي كان يتسارع بتسارع الباص، ويعلو كما تعلو الجبال على طرفي الطريق، لكن شماء أدركت أنها مهما ضغطت على المقعد ومهما شدت قبضتها فلن تستطيع أن توقف أي شيء، كانت حركة الحياة أقوى منها بكثير، ولا تملك سوى ضعفها الذي لن تستطيع أن تواجه به شيئاً، واستمر الباص مسرعاً إلى حيث جامعتها.‏

مضى اليوم الأول، ولم تنم الأم ولا عائشة ليلاً، ولم تؤثر حبوب المسكن الكثيرة التي تناولتها الأم، وبقي الصداع وضيق النفس يعذبانها طول الليل. ففتحت النافذة برغم برودة الجو إذ كان الخريف في أواسطه، ومع ذلك لم تستطع أن تتنفس بعمق.‏

وفي اليوم الثاني أصرت الأم على اللجوء إلى العم إبراهيم عساه يساعد بشيء على حل المشكلة. ولكنه وكما توقعت عائشة لم يكن قادراً على فعل شيء، فقاسم خارج البلاد وهذا فوق طاقته. لو كانت مشكلة أخرى وقاسم هنا لتدخل. لكن المصيبة هي في سفر قاسم. وأين سيجده. كل ما استطاع أن يقوم العم به هو محاولة تطمينهم -برغم شكه في ذلك -بأن قاسماً قد يعود بعد أن ينفق المبلغ الذي حصل عليه.‏

ومضى اليوم الثاني، وعائشة تنتظر قاسماً وترجو الله أن يؤخر قدوم زوجها. وفي اليوم الثالث ساءت الحالة الصحية للأم فلم تعد قادرة على التنفس بشكل طبيعي وأغمي عليها.‏

وفي أول مرة لعنت عائشة قاسماً بكراهية. وصرخت طالبة المساعدة بعد أن حافظت من قبل وفي كل المآزق على ألا يعلو صوتها.‏

استجاب الجيران ونقلت الأم إلى المستشفى، مكثت هناك عدة ساعات وأصرت في المساء على العودة إلى البيت بعد تحسن حالتها، وعادت محملة بالأدوية.‏

وفي اليوم الرابع لزمت الأم فراشها. أصر الأب أن يجلس بجانبها، فقد آلمه كثيراً مرضها، ثم صرخ بانفعال:‏

-سأقتله بيدي هاتين إذا عاد، فما من خير في حياته.‏

نظرت إليه الأم بعينين واهنتين مغمومتين وقالت:‏

-وأي خير في حياتك أنت؟ لو كان فيك خير لما كانت حالتنا هكذا.‏

لم يجبها الأب. حدق إلى الأرض مخفياً نظرة حزن عميق، إذ شعر بحبل أمه السري حين ولدته وقد التف على جسمه وقيده مدى حياته، ولو ثار الآن على زوجته- وهو لن يفعل، فهو يشعر بالشفقة الكبيرة عليها -لما غير من الواقع شيئاً، فهو عاجز عن فعل أي شيء حقيقي يغير مجرى الأمور.‏

كانت الحقيقة المرة تسري مع دمه في عروقه، لقد كان عاجزاً وسيموت عاجزاً، ولن يذكره أحد بعد أن يموت، سوى لعنات ستتطاير في الأفق وتجرح روحه، لكونه في حياته قد تسبب في بؤس أشخاص حين أنجبهم، ما كان يجب أن يتزوج وينجب، ما كان يجب عليه أن يولد من الأساس. ولعن الحياة والموت، لأن روحه لن تكتسب السكينة أبداً لا في حياته ولا في مماته.‏

وفي اليوم الخامس كانت عائشة تقف بجانب النافذة حين رأت باب الباحة يفتح ليظهر قاسم، تجمدت في مكانها واعتقدت أنها تتخيل، لكن قاسماً كان يمشي متوجهاً إلى غرفته، ظلت تحدق إليه وهو يدخل الغرفة ليغيب عن ناظريها، وتأكد لها آنئذ أنها تتخيل، بيد أنه سرعان ما خرج من هناك واتجه نحو غرفتهم. دفع باب الغرفة ودخل.‏

لم تستطع عائشة أن تحدد مشاعرها في تلك اللحظة: أهي سعيدة بقدومه أم أنها تتمنى لو أنه لم يعد لينتهي وإلى الأبد من حياتهم.‏

هز دخوله جميعهم، وقف الأب دون أن يدرك لماذا، وحدقت إليه فاطمة ومريم وكأنهما تريانه أول مرة في حياتهما.‏

جحظت الأم عينيها: بدخوله انحسر البركان الذي تفجر وكاد يجرفهم، بدخولـه انبنى العالم الذي تحطم وكاد يسحقهم، بدخوله انطفأت النيران التي اشتعلت وأوشكت على حرقهم، يا لفرحتها! وسالت دموعها، أتبكي فرحاً وشكراً له، أم أنها دموع أسى على من فجر البركان وأشعل النار وحطم هدوء أيامهم؟ إنها لا تدري، إنها فرحة وبودها أن تقوم وتحضنه بيدين مرتجفتين، وحانقة بودها أن تصفعه بهاتين اليدين بكل ما تملكان من حزن وعتاب وغضب، نهضت الأم جالسة في الفراش.‏

ألقى قاسم السلام بهدوء وكأنه لم يغب عنهم أبداً.‏

فردت الأم بحنق:‏

-وأي سلام علينا؟‏

فاستغرب ردها وسأل:‏

-هل حدث شيء؟‏

صعقت عائشة من بروده، أيفتعل هذا البرود أم أنه بالفعل كذلك؟‏

أجابت الأم ساخرة:‏

-لا، لم يحدث شيء على الإطلاق سوى أنك اختفيت دون إنذار فلا يعرف أحد أحي أنت أم ميت، أتعود أم لن تعود.‏

فأجاب:‏

-لماذا؟ لأنني سافرت بضعة أيام، ألا أملك الحق في ذلك، أم أنك تريدينني أن أربط قدمي برسن في ساحة الدار ككلب الحراسة؟ إنه لشيء مضحك!‏

حدقت إليه عائشة. وبرغم أنها لم تود قول شيء له أرادت أن تنظر إلى عينيه، فكل مادار بخلدها كانت عيناها تشعان به، بينما تحاشى هو النظر إليها ووجّه سؤاله إلى الأم:‏

-أين زوجتي؟‏

-عادت إلى أهلها، وهم هناك ينتظرون عودة زوج عائشة ليباشروا بعملية الطلاق.‏

هز رأسه ساخراً واتجه نحو الباب ليخرج، فرفعت الأم يدها وهمت باستيقافه لقول شيء. فقد بقي الكثير لتقوله، لكن عائشة منعتها قائلة:‏

-إنه فاقد الإحساس، وبداخله لا ينبض إلا الأنا، فلا تتعبي نفسك لأنك ومهما قلت لن تحركي فيه شيئاً.‏

وجلست وهي تشعر بماء بارد ينسكب على جسمها مجمداً كل الأفكار والانفعالات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244