سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

12

انتصف يوم الخميس واستمرت الرياح الشرقية الباردة بهبوبها غير آبهة للشمس التي توسطت السماء وباتت تبعث أشعة عمودية.‏

وصلت شماء. ولأن قساوة الحياة لم تبق في نفوس أهلها سوى القيود التي تكبلها، كان قدومها يشكل دائماً هامشاً صغيراً يذكرهم بمعنى الحياة فيفرحون كثيراً إلى درجة تبدو فيها الحياة وكأنها قد نامت في داخلهم منذ بداية الأسبوع لتستيقظ بقدومها في نهايته.‏

وصلت قبيل الظهيرة، استقبلوها بشوق وكأنها قد غابت عنهم قرناً من الزمان. أغلقت الأم وراءها الباب سريعاً كي لا تبرد الغرفة، ثم توجهت شماء إلى فراش في طرف الغرفة استلقى عليها أبوها، فسلمت عليه وسألته عن صحته، وتنهدت حين أخبرها بأنه مصاب بصداع دائم، ثم جلست على فراش قريب منه واضعة إلى جانبها حقيبة الكتف وكيساً آخر مليئاً بالأشياء.‏

حملت الأم المدفأة ووضعتها أمامها، ثم قالت وهي تضع إبريق الشاي على سطحها:‏

-لابد أنك تعبة وبردانة، وكأس شاي ساخن سيخفف من ذلك!‏

فأجابت شماء وهي تعرض يديها لحرارة المدفأة:‏

-نعم، فقد اشتقت إلى شاي المدفأة، لكن أرجو ألا تزيدي من حلاوته!‏

ثم تناولت شمّاء الكيس الذي بجانبها وراحت تخرج ملابس منه وهي تقول:‏

-لقد أحضرت لكم بعض الملابس الشتوية، صحيح أنها مستعملة لكنها بحالة جيدة، فقد اشتريناها من محل ملابس مستعملة لم أعرفه من قبل، اكتشفناه مؤخراً أنا وصديقة لي في أحد أحياء العاصمة. وبرغم أن أسعار الملابس في البداية كانت باهظة لم أخجل من مساومة البائع فخفض السعر إلى النصف.‏

وراحت توزع ما جلبت: فأعطت الأم قميص نوم طويلاً ودافئاً، ثم أخرجت حذاء شتوياً وأعطته لمريم فتناولته الأخيرة بفرح إذ كانت في أمسّ الحاجة إليه، وأحضرت لأبيها جاكيتاً صوفياً فنهض جالساً في فراشه وقال:‏

-أعطني إياه يا فاطمة، سأرتديه.‏

ناولته فاطمة الجاكيت حيث ارتداه فوق الكثير من الملابس الخفيفة وبقي فيه فقالت فاطمة:‏

-اخلعه يا أبي، يجب أن نغسله أولاً.‏

-لا، إنه نظيف ودافئ. وسأبقى فيه.‏

بقي الأب يرتديه أياماً عديدة رافضاً خلعه.‏

أما الأم فراحت تقيس قميص النوم الذي بدا طويلاً جداً مما أضحك مريم، لكن أمها لم تأبه لذلك، وردت قائلة:‏

-هذه ليست بالمشكلة. المهم أنه ليس ضيقاً، سأبعثه لعائشة كي تقصره. وخصت شماء فاطمة بتنورة طويلة وبمجموعة من الكتب والروايات حيث كانت تهوى القراءة كثيراً، لكن الأم احتجت ففاطمة كانت في سنتها المدرسية الأخيرة وسيلهيها ذلك عن الدراسة.‏

فرح الجميع بالهدايا فقد حصلوا على شيء جديد وإن كان مستعملاً...‏

وبعد تناول الغداء، حان الوقت أخيراً للجلوس والاستماع إلى أحاديث شماء. وكانت تلك الأحاديث هي الشيء الآخر الذي ينتظرونه، حيث تنقلهم بما تروي من قصص وبما تصف من أماكن، من غرفهم تلك -ولو فترة قصيرة- إلى عالم آخر يعيشون فيه بخيالهم كاسرين كل الحدود التي تحيطهم. فيطالبونها بأن تعيد رواية طرائف ومغامرات حدثت لها في السكن والعاصمة.‏

وتلح عليها مريم:‏

-حدثينا عن مغامراتك الجديدة في السكن.‏

-هذه المرة ليس من جديد، فقد مضى الأسبوع بلا أية مغامرات.‏

-إذاَ قصي لنا حادثة طبخ الملوخية.‏

فتذمرت شماء:‏

-لقد مللت من روايتها:‏

-لا يهم، سنسمعها من جديد.‏

استجابت شماء لإلحاح مريم وراحت تروي كيف اكتشفت مرة في أحد الأكياس التي بعثتها معها أمها ملوخية مجففة بدل النعنع، فقررت أن تتجاوز قوانين السكن وتطبخها، فقمن هي وصديقاتها بتحضيرها على الموقد الكهربائي الذي بحوزتهن، إلا أن مديرة السكن شمت الرائحة وكشفت الأمر مما اضطرهن إلى دلقها من النافذة، لإخفاء آثار الجريمة، فأعادت الأم السؤال الذي تلقيه في كل مرة:‏

-ولم تتذوقنها؟‏

فقالت شماء:‏

-وكيف لا، فقد رحنا بسرعة نغط الخبز فيها قبل دلقها. بل أنني تمنيت لو أكون واقفة في الشارع تحت النافذة وفاتحة فمي كي تندلق الملوخية فيه.‏

ضحكن جميعاً، وضحكت شماء معهم وهي تشعر بأنها وهبتهن شيئاً من الفرح.‏

كانت الرياح الشرقية في الخارج مازالت تهب، فيتسلل جزء منها إلى الداخل عبر الباب الذي يصعب إغلاقه بإحكام، فيبرد هواء الغرفة، حركت الأم مقبض المدفأة بغية زيادة حرارتها وهي تسأل:‏

-ألا تشعرين بالبرد هناك؟‏

فردت شماء ضاحكة:‏

-لا يا أمي، قلت لك من قبل إن السكن مزود بتدفئة مركزية.‏

كانت شماء قد شرحت للأم عدة مرات من قبل عن مبدأ التدفئة المركزية إلا أن ذلك لم يقنعها أبداً، إذ كيف يمكن لمواسير حديدية يجري فيها ماء ساخن أن تدفئ سكناً ضخماً يضم كثيراً من الغرف، دون وجود نار أو وهج أزرق، لهذا كانت في كل مرة تحضر فيها شماء تسألها عن البرد هناك وتحملها الكثير من النصائح. ثم تعيد الأسئلة نفسها: كيف يسخنون الماء، ومن أين لهم بكميات المياه هذه، وما شكل المواسير ... الخ. وكانت شماء تجيبها بطيبة وبصبر شديد.‏

قامت الأم من مكانها إذ ذكرها البرد بموضوع آخر، فسألتها شماء:‏

-إلى أين؟‏

-سأحضر شيئاً من الأعشاب لتأخذيه معك. أخاف أن أنسى ذلك غداً.‏

-لا داعي يا أمي، فلدي الكثير منها هناك.‏

-لا يهم فالكثرة خير من النقصان، قد تصابين بالبرد فتغلينها وتشربينها، وستشكرينني على ذلك، وإذا زاد شيء عن حاجتك فأعطي صديقاتك ولا تبخلي.‏

لم يكن بمتناول يد الأم شيء آخر تحمله لابنتها في مدينة غريبة. وحين فتحت الأم الباب واجهتها عاصفة غبار، فقالت شماء:‏

-أرجوك، أغلقي الباب واجلسي، وأعدك بأن أذكرك أنا بذلك غداً ثم اطمئني، فالسكن الذي أعيش فيه دافئ جداً لدرجة أننا ننام بقمصان نوم خفيفة ولا نصاب بالبرد، ولا نأبه للعواصف التي تهب في الخارج، وحين أخرج إلى الجامعة والشارع أرتدي الملابس الدافئة.‏

ويصبح الخارج مدخلاً لحديث آخر وأسئلة أخرى عن موقع السكن والغابة التي تحيط به. فتسأل مريم:‏

-ألا يخيفك منظر الأشجار في الليل؟‏

-بعض الشيء أحياناً، لكن وجودها مفيد، فهي تحد من سرعة الرياح.‏

ثم تروح من جديد تحدثهم عن غابات العاصمة وهضابها، وكيف أنها ما زالت تخاف الذهاب إلى بعض الأحياء التي تقوم على جبال مرتفعة.‏

ويستند الأب ليشارك في الحديث قائلاً:‏

-لقد زرت من قبل تلك المناطق في فلسطين، فهي أيضاً مليئة بالهضاب والغابات وقد كنا أحياناً نمضي ليالي بطولها سائرين على الأقدام في تلك الغابات حينما كنا نحارب.‏

بيد أن الأم تقاطعه قبل أن يسترسل في الحديث عن تلك الأيام مدعية أنها سمعت تلك القصص مئات المرات.‏

أما مريم فكانت تستمع إلى حديث أختها بإصغاء شديد كي تختزن كل تلك القصص والمشاهد في ذاكرتها لتعيد فيما بعد في مدرستها سردها لصديقاتها، مضيفة إليها ما يحلو لها من خيالها، رافعة بذلك نظرها ورأسها عن الأرض ليخترق سقفاً منخفضاً يجثم فوقه.‏

وسرعان ماحل المساء منبهاً إلى نهاية يوم آخر من حياتهم، لم يشعروا بثقل ساعاته...‏

مرت السهرة سريعاً كالنهار. وبدأ جميعهم يستعدون للنوم. ونتيجة الصفاء توقّع الأب أن تأتي زوجته لقضاء ليلتها معه، فصارحها بذلك، لكنها أنهضته من فراشه قائلة:‏

-ليس لك قوة على النهوض من فراشك أيها العجوز، وتريدني أن آتي معك!‏

اذهب لفراشك وانسَ الأمر.‏

رد الأب بامتعاض شديد وهو ذاهب، خائب الأمل:‏

-إنك زوجة عاقة وسيعاقبك الله على ذلك، تبعثين بي لأنام وحيداً في غرفة باردة، سأتجمد فيها، وأعرف أنك ستسعدين بذلك.‏

وكانت نبرته قد أخذت تزداد حدة، فهدأته فاطمة بأن حملت المدفأة وقالت:‏

-اطمئن فلن تتجمد، ولا أحد يريد لك ذلك، سأضع المدفأة في غرفتك لتدفئها بعض الشيء قبل النوم.‏

وقادته لينام في الغرفة الأخرى، فمشى وهو يتمتم بكلام احتجاجاً على سلوك الأم. ساعدته فاطمة على النوم وعادت بعد أن منعت حدوث مشكلة جديدة.‏

مدت الأم ومريم الفرشات على الأرض واندست كل واحدة تحت غطائها. ناموا جميعاً وأمضت مريم ليلتها في أحلام كثيرة.‏

كان أول شيء تخيلته هو التدفئة المركزية وفتيات ينمن بقمصان نوم خفيفة. وكان البرد قد ازداد في الليل فراح جسم مريم يرتجف، فأحنت قدميها مقربة إياهما من بطنها وتكورت على نفسها وهي تفكر بأن جسمها قد اختزن من البرد مالا تستطيع أية تدفئة مركزية أن تطرده.‏

ثم بنت بخيالها بيتاً صغيراً داخلياً تتحرك فيه ضمن ممرات مدفأة ولا تضطر للخروج إلى الساحة إذا احتاجت أن تذهب إلى المطبخ أو المرحاض، وتجلس فيه حيث تريد غير مقيدة بموقع المدفأة، وتنام على سرير لين يرتفع كثيراً عن الأرض، وترتدي قميص نوم أبيض ونظيفاً، وتستحم في حمام يسيل من حنفياته الخارجية من الحائط ماء ساخن لا يبرد أبداً. ويقع البيت على قمة هضبة ترى من خلال شرفته العالم كله.‏

ودون وعي منها استحال حلم اليقظة إلى حلم آخر أيقظها في الصباح:‏

كانت تركض في ساحة الدار خائفة من شخص يلاحقها، لم تتبين معالم وجهه لكنه كان يغلي غضباً ويبغي قتلها. استطاعت أن تهرب منه حين دخلت الغرفة التي ينام فيها أبوها وأغلقت الباب وراءها لاهثة فبقي ذلك الشخص في الخارج يزمجر كالوحش. ألقت بنفسها في حضن أبيها فضمها إلى صدره مهدئاً إياها، طابعاً الكثير من القبل على شعرها وجبينها.‏

كان أبوها طويلاً، قوي البنية، في غاية الطيبة والعطف. أجلسها في مكانه وقام ليتصدى للشخص الذي يلاحقها، فخافت عليه وأرادت أن تبقيه كي لا يصرعه ذلك الشخص. لكنه أصر وتوجه نحو الباب ففتحه، وخرج وأبقى الباب مفتوحاً. ولم تصدق مريم عينيها فصعقت حين تبينت ملامح ذلك الوحش. لقد كان أيضاً أباها.‏

وراح الأبوان، الطيب والمرعب، يتصارعان بقوة ودون رأفة ينوي كل واحد منهما أن يقتل الآخر.‏

استيقظت مذعورة ولم تحدث أحداً بما رأت.‏

لاحظت أن جميعهم قد استيقظوا قبلها فقامت بسرعة وكعادتها جلست بجانب المدفأة وفكرت طويلاً في الحلم. ثم قامت باتجاه الغرفة الأخرى لتشارك بإعداد الفطور. كان أبوها ما يزال نائماً، أما فاطمة وشماء فلم تنشغلا بتحضير الطعام، بل جلستا على فراش اسفنجي وراحتا تتحدثان بصوت خافت سرعان ما قطعتاه حين لاحظت فاطمة قدوم مريم.‏

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي تلاحظ فيها مريم ذلك.‏

فقد تكرر انفرادهما وتمتماتهما بصوت منخفض مرات كثيرة.‏

وبالإضافة إلى ذلك فقد لاحظت في هذه المرة شيئاً على درجة من الغرابة أثار شكوكها. ففي الأمس، حين كانت هي وأمها مشغولتين بقياس الملابس التي جلبتها شماء، استغلت فاطمة الفرصة وتناولت حقيبة شماء وغابت بها بعض الوقت، ثم أعادتها إلى مكانها محاولة ألا يراها أحد، وراحت تقيس ملابسها، وبرغم استغراب مريم لهذا السلوك إلا أن زخم الأحداث والأحاديث أنساها التفكير في ذلك.‏

لابد أن سراً ما يوحدهما. أثار ذلك فضولها وغيرتها كثيراً:‏

فلماذا تثق شماء بفاطمة ولا تثق بها، لماذا يقطعن الحديث كلما ظهرت. وما هو ذلك السر. ولماذا اختفت فاطمة بالحقيبة. وماعساه يكون في داخلها. أسئلة كثيرة بدأت تعذبها، ونار غيرة تشتعل بداخلها وتحرقها.‏

كل هذا عكر مزاجها وقررت أن تقوم بمراقبتهما.‏

مضى نصف النهار. ثم قررت شماء أن يقمن بزيارة سريعة لعائشة في بيتها قبل العودة إلى العاصمة.‏

بقيت مريم خلال الزيارة بانتظار سماع شيء ما حول ذلك السر، إلا أن انتظارها كان عبثاً.‏

وفي اللحظة التي أوشكت فيها أن تعلن لذاتها بحسرة عن فشل مساعيها، شرعت عائشة، وبعد مقدمة دبلوماسية، بإلقاء وصايا لابد لها أن تعيدها على شماء في كل مرة، فقالت:‏

-أنا أعرف يا شماء أنك ناضجة وعاقلة. لكنني أخاف أحياناً أن تتشبهي هناك بالفتيات الجريئات، وتبدئي بإقامة علاقات مع الشباب.‏

فتذكري أن تلك الفتيات رضي أهلهن عن سلوكهن أم لم يرضوا فهم في النهاية يقفون وراءهن كالجدار السميك. أما نحن فما من أب وما من أخ تسندين ظهرك إليه. وبالتالي فوضعك يختلف عن وضع باقي الفتيات، وهذا ما يجب أن تذكريه دائماً قبل أن تقدمي على أي تصرف، فأي خطأ صغير أو كلمة عابرة قد تمسك بسوء كبير، لأن الناس في مجتمعنا كالوحوش يلتهمون الضعيف ويخافون القوي. فلا تفسحي المجال لأحد أن يمسك بكلمة، وانتبهي فقط لدراستك، فلم يبق لك سوى عام واحد وتحصلين على الشهادة. وشهادتك هي الشيء الوحيد الذي سيعوضك عما تفتقدين. فكوني في هذا العام كما كنت في السنوات السابقة.‏

كانت شماء تنصت بملل إلى عائشة التي تلقي محاضرتها في المرة الألف، ثم علقت ببرود:‏

-اطمئني، فعلاقاتي مقتصرة على الفتيات فقط، وأحاول دائماً تجنب الاحتكاك بالشباب لأنني أدرك ما تقولين جيداً.‏

كان الكلام موجهاً إلى شماء وحسب، ومع ذلك كانت عائشة تتحدث وهي ترمق فاطمة ومريم بنظراتها بين الحين والآخر، كأنما تقول بأنهما معنيتان أيضاً. فما قالت ليس مجرد وصايا ونصائح بل هو بمثابة وثيقة يجب على كل واحدة منهن أن تعتمد عليها في انطلاقتها وفهمها للحياة. وعلى رغم الرعب الذي بعثه هذا الكلام في نفس مريم جاعلاً إياها تنكص إلى الوراء قبل أن تخطو أية خطوة إلى الأمام، على رغم ذلك فقد شكل بالنسبة إليها حلاً لعقدة عذبتها طوال النهار.‏

الشباب. لابد أن السر بين فاطمة وشماء يخص عالم الرجال. وبدأت الأبواب تتفتح في ذهنها لتكشف عما وراءها، وفكرت: لابد أن لشماء علاقة بشاب ما. ولابد أنهما يتراسلان، ولابد أن تكون فاطمة قد أخذت من الحقيبة رسالة. ولابد أنهما في جلساتهما يتحدثان عنه.‏

لكن فاطمة لم تستطع قراءة الرسالة، فمنذ الصباح وهي تراقبها.‏

وفي الأمس لم تلاحظ غيابها فترة طويلة.‏

إذن لابد أن شماء تترك رسائلها هنا لفاطمة. لكن ذلك يشكل مغامرة كبيرة، فماذا لو وجد تلك الرسائل أحد. وتخيلت ماذا سيحصل في البيت:‏

الأم والأب لا يشكلان خطراً كبيراً. أما قاسم، وترددت قبل أن تحسم رأيها تجاهه إذ أنه لا يشكل عليهن أي ضغط من هذا الجانب، فحين سافرت شماء للدراسة خارج القرية لم يعترض. لقد حدثت حينها مشاكل ولكن لسبب آخر، وليس لأنها فتاة ستسافر وتعيش وحيدة وبعيدة عن أعين أهلها. ثم إنها لم تسمعه في مرة من المرات يسأل شماء عن علاقاتها هناك أو يحذرها أو يهددها بشيء. إن الأمر ببساطة لا يعنيه!‏

وبرغم أن تعامل قاسم في هذا المجال كان مريحاً فقد كان وضع الأخوات يختلف عن وضع باقي الفتيات في القرية حيث كن يتصرفن بحرية، فإن ذلك لم يكن مصدر فخر لمريم، بل كان يبعث في نفسها الأسى.‏

وهكذا قررت أن قاسماً أيضاً لا يشكل خطراً كبيراً. واستدركت أن عائشة هي الوحيدة التي سيثيرها الأمر، ولهذا راحت شماء وفاطمة يبالغن بكتمان الموضوع كي لا يصلها.‏

وسرعان ما سلمت مريم بتحليلاتها تلك لتنتقل إلى الموضوع الأكثر إثارة. ما الذي في الرسالة؟ لم تقرأ أبداً رسائل حب، وبالتالي لم تكتبها، حاولت أن تتخيل نص الرسالة:‏

"حبيبتي". وشعرت بالرعشة تجتاح جسمها، يا لسحر تلك الكلمة! وخيل إليها أنها لم تسمعها أبداً في حياتها، حتى من أمها.‏

لقد اشتقت إليك كثيراً وأود أن أقابلك.." وتراجعت فوراً عن هذه الجملة، فأختها شماء عاقلة وناضجة ولن تسمح بذلك، لكنها من المفروض أن تحبه أيضاً، تساءلت، وسرعان ما وجدت الإجابة: ولهذا فهي تراسله.‏

إنهما لا يلتقيان بل يتراسلان فقط، وارتاحت لهذا التفسير، وسيكتفيان بذلك. هكذا قررت. وبعد أن عجزت عن صياغة باقي الرسالة قررت أن تراقب شماء وفاطمة في المرة القادمة بمزيد من الدقة، فقد يكون كل ما تفكر فيه مجرد أوهام.‏

مرت ساعات أدت مريم خلالها أعمالاً كثيرة، لكنها كانت طوال الوقت في عالم آخر، وحان وقت النوم. دخلت فراشها وراحت تفكر من جديد، ولكن ليس في مضمون الرسالة ولا الجريمة الرائعة التي ترتكبها أختها. لقد أوصلها تسلسل أفكارها إلى شيء آخر.‏

لدى أول مرة في حياتها راحت مريم تحلم بخوف وخجل بحبيبها. كان رائعاً لا تعرف اسمه ولا تستطيع أن تتخيل شكله، كان يكفيها أن تتخيل حبه لها، لأنها لا تريد سوى هذا الحب، إنها متعطشة له، فيداه لا تقويان إلا على مداعبة وجهها، ولسانه لا يقوى إلا على ملاطفتها، وقلبه الكبير سيدق عازفاً لحن حب لها يعلو ليذيب كل الأصوات الأخرى بداخلها. ستنتشي بهذا اللحن، وتعانق أيامها لتطير بها مبتعدة عن زمن عجوز يحبو ببطء نحوها لينتزع ما يولد في روحها من الحياة.‏

وأغمضت عينيها حين غافلها النعاس، وروحها تحلق في فضاء لا متناه من السعادة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244