|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
13 كانت مريم تدرك أن أسبوعها سيكون طويلاً لأنها لا تحب ولا تجيد الانتظار، لهذا ستحسب الدقائق والساعات فيوم الخميس يبدو لها بعيداً، إذ فيه وبعد قدوم شماء ستحسم الأمور وتشبع فضولها وتكشف السر. لكن ذلك الأسبوع كان يحمل في أحد أيامه حدثاً وإن كان لا يخصها أو يخص أسرتها فقد أنساها سر شماء فترة. كان ذلك يوم ثلاثاء، وكانت الرياح الشرقية قد كفت عن الهبوب منذ يومين وهدأت تاركة المجال لرياح غربية رطبة وباردة تعلن عن نفسها شيئاً فشيئاً، وتدفع إلى السماء منذ الصباح من أفق بعيد كتلاً من الغيوم، مما أثار بهجة الأم إذ شكّل ذلك بشير خير لها بعد أن قلقت وخافت أن يكون الشتاء جافاً. في الظهيرة عادت فاطمة ومريم من المدرسة وأحستا برائحة المطر قبل هطوله حين سكبت الأم حساء العدس في صينية ألمنيوم ووضعته على الأرض. تحلقن حول الصينية وبدأن الأكل في حين بقي الأب في الغرفة الأخرى نائماً بعد تناول الغداء. أظلمت الغرفة قليلاً وكأن أحدهم قد أسدل ستارة ضخمة في السماء. بسملت الأم وقالت: -خيرك يا الله. وفتحت باب الغرفة ونظرت إلى السماء. رأت فيها غيوماً رمادية تتقدم بهدوء ووقار. وسرعان ما دوى صوت الرعد، كأنما قرع طبول تحملها الغيوم معلنة بدء عرس في الطبيعة، ثم بدأ المطر ينساب غزيراً بخطوط مستقيمة مؤدياً دوره ببراعة في هذا العرس، وتراكض برحلة حياة قصيرة بين السماء والأرض. وكأنه لحظة زمن قد سالت من السماء لترقد في الأرض وتنتهي. وعادت الغيوم تقرع طبولها. واستمر المطر، مطر لا يزعج أحداً، تلتمع حباته حين يخترق الأفق الرمادي بارقاً كالسيف. ومضت ساعات النهار مبللة بالمطر. ولم يدرك الناس حين أظلمت السماء أهو المساء قد حل مبكراً أم أن الغيوم السوداء التي بدأت تكتسحها قد حجبت الرؤية. جلست الأم وفاطمة في الغرفة بجانب المدفأة، وفي الزاوية القريبة من الباب وضع سطل فارغ كان الماء الذي يدلف من السقف يتساقط فيه خطوطاً تُحدث قرقعة تتناغم مع صوت العاصفة في الخارج. جلست مريم في الزاوية الأخرى. فقد كانت تعتقد أن الزاوية هي المكان الأكثر أمناً في الغرفة، وأغلقت أذنيها حين صفرت الرياح عالياً وكأنها أنين وحش يجر حملاً ثقيلاً، وخيل إليها أن وجه السماء تحول إلى سواد كالح يكشف عن أنياب بين لحظة وأخرى، ويدوي في الأفق رعداً ملتهماً بقايا سكون فتتته العاصفة، حتى المطر بدا لها وكأنه يقذف من السماء شظايا انفجارات تحدث هناك. استمرت العاصفة، ولم يكن هناك أي شيء يوحي بقرب انتهائها، فكان عواؤها وضجيجها يعلوان ويقويان محطّمينِ ساعات الزمن. وفجأة دوى صراخ نساء، وكأن العاصفة استنفدت كل ما لديها من هدير فداعبت النساء حاثة إياهن على مشاركتها. أنصتت الأم كي تميز الأصوات. كان صراخ نساء يدوي من مكان قريب، قامت لتستوضح الأمر، فرجتها مريم: -أرجوك لا تفتحي الباب ولا تخرجي. وخيل إليها أن العاصفة قد تحولت إلى وحش يزمجر ويدوس العالم بقدميه محطماً كل شيء يصادفه. لم تستجب الأم لها وخرجت.وسمعت صراخ النساء بوضوح، فتوجهت إلى بيت قاسم ونادته: -ألا تسمع الصراخ؟ -بلى سمعت، ما الذي حدث؟ -لا أعرف، لهذا جئتك لتستطلع الأمر، اذهب يا بني واعرف مصدر الصراخ، فلابد أن مصيبة قد حلت بأحدهم. -حسناً سأرتدي المعطف وأذهب. فكرت الأم قليلاً وقالت: -سآتي معك، انتظرني. -لا داعي لذلك. ابقي في البيت فمن الأفضل والأسرع أن أذهب وحدي. وارتدى معطفاً قديماً دون أن يزرره فتطايرت أطرافه إلى الوراء حين ركض مسرعاً نحو باب الباحة. وقفت الأم تحت المطر وقد تبللت ثيابها وقالت بصوت عال كي يسمعها قبل أن يخرج: -يبدو أن الصراخ قادم من الجنوب. فرد عليها قاسم وهو خارج: -وأنا أيضاً أظن ذلك. دخلت الأم الغرفة وبدأت تخلع ملابسها المبللة وهي تقول: -لقد جن جنون العاصفة، منذ سنين لم تمطر بهذا الشكل. أمض الليلة بسلام يا الله. سألتها فاطمة. -هل عرفت ماحدث؟ -لا. بعثت بقاسم كي يستطلع الأمر، لابد أن مصيبة قد حدثت، شعرت بذلك، فقد حدثني قلبي بأن مصيبة ستحدث حين اسودت السماء، غفرانك يا الله. وامتزج الرعب والمصيبة وصوت العاصفة بقلب مريم، فأخذ ينبض بسرعة مثيراً رجفة في جسمها. أما فاطمة فقد بدأ التوتر يظهر عليها فلم تستطع الاستمرار بقراءة الكتاب ووضعته جانباً، وجلست صامتة. فيما أخذت الأم تروح وتجيء مستعجلة قدوم قاسم، ثم فتحت باب الغرفة لعلها تراه في الخارج. لم تر سوى مطر وريح قوية تطيّر كل ما يصادفها في الساحة. سمعت أصوات أناس مسرعين في الشارع، فأسرعت بتناول بطانية ووضعتها على رأسها وخرجت. فتحت باب الباحة الخارجي، ورأت الرجال قد تعدوا بيتها يسرعون الخطى ويحملون فؤوساً ومعاول، ولم تمسك عن مناداتهم، توقف أحدهم ونظر إلى الوراء ثم توقف أحدهم ونظر إلى الوراء ثم توقف الآخرون واتجهوا نحوها، فقالت: -اعذروني لاستيقافكم، أردت أن أعرف ما الذي حصل في القرية إذا كان لديكم علم بذلك؟ أجابها أحدهم: -انهارت إحدى غرف بيت صالح الأحمد، ولسوء حظه كان موجوداً فيها وقت انهيارها. شهقت الأم: -لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل مات؟ -لا أحد يعرف حتى الآن، فهو ما يزال موجوداً تحت الأنقاض. ويحاول الناس الآن إخراجه. قالوا ذلك وهم يديرون ظهورهم مسرعين باتجاه الجنوب. عادت الأم راكضة إلى الغرفة وهي تهز رأسها أسفاً. كان صالح الأحمد عجوزاً بخيلاً يناهز السبعين من عمره، أباً لأربع فتيات وستة شبان، ويملك دكاناً. بعد أن تزوجت ابنتاه الصغيرتان وأربعة من أبنائه الشباب وبنوا لأنفسهم غرفاً باطونية في البيت نفسه، بقي هو وزوجته وأبناؤه الآخرون وابنتان عانستان يعيشون في ثلاث غرف طينية. حين سمعت مريم بالحادث المروع تكورت على نفسها في الزاوية وأبقت نظرها في الأرض كي لا تصادف عيناها السقف إذا نظرت إلى مكان آخر. كان السقف مكوناً من عدة طبقات، امتدت في طوله جسور حديدية، تقاطعها في العرض جسور خشب تحمل قضبان القصب لتحمل طبقة من الطين تغطيها طبقة من الأسمنت. كل هذه الطبقات في الأيام العادية كانت تخيفها لاعتقادها الدائم بأنها تخفي في ثناياها أفاعي وحشرات وجناً وعفاريت تبدأ بالزحف والخروج معاً من جحورها ما أن تحل العتمة. أما الآن فهي تخاف شيئاً آخر. هل سيصمد هذا السقف أمام العاصفة؟ ضغطت على رأسها بكلتا يديها كي لا ترى ولا تسمع أي صوت سوى صوت رعبها الداخلي. قالت فاطمة معلنة عن قلق بداخلها: -يجب أن نفرش لأبي هنا. فلا يجوز بقاؤه في الغرفة الأخرى وحيداً. وافقتها الأم وشعرت مريم بأن ذلك قرار صائب، فإذا ما انهارت غرفته فسيكون معهن وينجو، وإذا انهارت هذه الغرفة فسيواجهون المصير معاً. ثم ساعدت فاطمة أباها في الحضور إلى الغرفة الأخرى بعد أن نقلت مريم بسرعة أغطيته ملفوفة بمشمع كي لا تبتل. ومن جديد جلس الجميع صامتين مرعوبين. أخذت الأم بيدها مسبحة وراحت تسبّح الله وهي تنقل بأصابعها حبات المسبحة بسرعة مضطربة. والعاصفة في الخارج لا تكف. قال الأب: -إنه غضب الله. فالناس لا يذكرونه إلا في المصائب. فقالت الأم: -وهل تذكره أنت! لا أعي أنني رأيتك تصلي. -وكيف لي أن أصلي. إن الله لا يعتب على أمثالي. -صل بقلبك. -ومن أين لك أن تعرفي أنني لا أصلي بقلبي!؟ تدخلت فاطمة قائلة: -أرجوكما كفا. فالمصائب تحل بالناس وأنتما تبحثان عن مبرر لتتشاجرا. صمت جميعهم إلا الأم راحت تقرأ آيات قرآنية بصوت مرتفع باعثة رهبة إضافية في جو الغرفة مذكرة الجميع بالموت. حضر قاسم. دفع بيديه باب الغرفة بسرعة ودخل. كانت ثيابه مبللة متسخة فساعدته الأم على خلعها وأجلسته بجانب المدفأة. وسألته: -ها، حدثنا عما جرى. -لقد انهارت إحدى الغرف في بيت صالح الأحمد، وكان هو في داخلها فتوفي. -رحمه الله. أية ميتة هذه! وكيف حصل ذلك، ألم يستطع الخروج منها قبل انهيارها؟ -كما سمعت فالقصة حدثت كالتالي: انهارت في البداية إحدى واجهات الغرفة، وكان هو وأسرته في غرفة أخرى، وحين سمع ذلك قام مسرعاً متجهاً إلى داخلها، وكما قيل فإنه على ما يبدو كان يخفي فيها شيئاً ما أراد استخراجه منها قبل انهيارها كلياً. والظاهر أن أسرته لم تكن على علم بما يخفي فاستغربوا سلوكه، وحاولت زوجته وبناته منعه إلا أنه أصر ودخل، ولم يسعفه الوقت فانهار السقف على رأسه. فسألت الأم باستغراب: -وماذا كان يخفي؟ أي شيء يستحق أن يضحي بحياته من أجله؟! -نقوداً، طبعاً. -لا حول ولا قوة إلا بالله. غفرانك يا الله. رحمة الله عليه. وبرغم أن الأم لم تصرح بأن الله قد عاقبه على بخله في حياته بهذا المصير. فإن ذلك كان إثباتاً جديداً لها بان الله لا ينسى أحداً. وهدأت كل الأصوات إلا صوت العاصفة فقد استمر في تلك الليلة هادراً غاضباً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |