|
||||||
| Updated: Sunday, October 05, 2003 02:41 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
14 هدأت العاصفة بعد يومين ولم تبق إلا أمطار تهطل في أوقات متفرقة من النهار. وحين تذكرت مريم أن يوم الخميس قد حل شعرت بامتنان من العاصفة. بقي قاسم جالساً بعد الفطور وبدا عليه أنه يريد بحث أمر ما. فقال وهو ينظر إلى السقف. -هذه الغرف ليست متينة. ستنهار في يوم ما. فردت الأم: -وما العمل يابني. فليس لنا من مأوى آخر. وعلى فكرة لا ضرر في أن تمد طبقة إضافية من الإسمنت على سطحها، خاصة وأن السقف فيه الكثير من الثقوب التي يدلف من خلالها. فقال: -هذا لا يفيد. يجب أن نبني بيتاً آخر. تفاجأت الأم برأيه: -رأي حكيم يا بني.. ولم لا، إذا كنت تملك نقوداً، خاصة وإن مهنتك البناء ولن تحتاج لمن يبني لك. فقال: -بالطبع لن أحتاج. لكنني لا أملك نقوداً. فنظرت إليه وكأنما لم تفقه شيئاً: -وكيف ستبني إذاً؟ -لقد فكرت في الأمر طويلاً واستفسرت عن إمكانية تحصيل قرض من البنك. تساءلت الأم بقلق: -قرض من البنك؟ وكيف ستحصل عليه. هل باستطاعتك تسديده فيما بعد؟ -من الممكن الحصول عليه إذا قمنا برهن ساحة البيت. ثم إن عملية تسديده ستكون على مدى عدة سنوات. سأقوم أنا في البداية بتسديد الأقساط. وبعد سنة ستتخرج شماء من الجامعة، وستساعدني على ذلك عندما تحصل علي وظيفة. صعقت الأم للمرة الألف من مكر ابنها. لكنها ردت عليه بهدوء: -لا يجوز لك أن تخطط للمستقبل هكذا. فشماء مازالت طالبة ولا نعرف ماذا سيحصل لها بعد التخرج. ولا تغضب مني يا بني على ما سأقول، فأنت إذا بنيت بيتاً إنما تبني لنفسك ولأسرتك، فالفتيات مصيرهن الزواج، ولا يعرف إلا الله كم بقي لي ولأبيك من العمر نقضيه في بيتك. فلا تحمل شماء مسؤولية قد لا تكون قادرة عليها، وكل ما أرجوه من الله هو أن يرزقها بابن الحلال الذي يوافق إذا توظفت أن تساعدنا أنا وأخواتك على العيش. اكفهر قاسم: -لكنني فكرت في البناء من أجلكن بالأساس. وسأهدم هاتين الغرفتين ونحسن بهذا منظر البيت. -هذا جميل يا بني، كنت أتمنى ذلك منذ زمن بعيد، وكان بإمكانك فعله. ولكن -ترددت قليلاً، ثم استطردت: -انظر إلى أختك عائشة، لقد بنت بيتاً وفّرت ثمنه بصبر مما كان يجني زوجها، برغم أن مرتبه الشهري ليس بالكبير، لكنها بحكمتها وتدبيرها استطاعت ذلك، وأنت، لا تغضب ولا تثر فأنا لا أبغي من كلامي إلا مصلحتك. كنت تجني الكثير في كل مرة تبني فيها بيتاً، لكنك وزوجتك لا يهمكما إلا يومكما، وحين تتوافر النقود لا تفكران إلا بما تأكلان. وأبقى أياماً ألملم في ساحة الدار فاكهة يقضم أطفالك جزءاً منها ويرمون الباقي. زوجتك يابني لا تقدر النعمة، وهذا حرام، والله لا يرزق من لا يقدر نعمته. اكتفت الأم بذلك فقد خافت أن تشير بطريقة أو بأخرى إلى سلوك قاسم في التعامل مع النقود. فرد بعصبية: -اعتقدت أنك ستسرين على الأقل في هذه المرة مني حين أخبرك بنيتي على بناء بيت من أجلكم. لكنك كالعادة تحولين الموضوع لتلقي علي محاضرة في التدبير والتوفير. هل تريدين لأطفالي أن يموتوا جوعاً كي أبني بيتاً لكم؟ -معاذ الله يا بني، فأطفالك أحفادي وأنا أحبهم كما أحبك لكن ما قصدت قوله،.. وقاطعها: -فهمت ما تريدين قوله. أنا لا أعلق أملاً على شماء في مساعدتي بينما بيعت الأرض من أجل دراستها، لأنها كما كنتم تزعمون ستكون لي خيراً من ألف أخ. جحظت عينا الأم فمن أين له هذه الجرأة والوقاحة ليصرح أمامها بأن الأرض بيعت من أجل شماء. فالأم تعاني وستعاني بقية عمرها من آلام الضغط وضيق النفس بسبب هربه. تنهدت بعمق وقالت: -على كل حال يابني الحديث عن وظيفة ومرتب شماء سابق لأوانه، ولا أحد يدرك ماذا سيحصل في الغد إلا الله، فدع كل شيء لوقته. خاب أمل قاسم فقد كان يأمل في الحصول على وعد ما من أمه. قالت له الأم قبل أن يهم بالخروج: -إذا لم ينجح موضوع القرض من البنك ولم تستطع البناء فسيعيننا الله على العيش في هذه الغرف ولن يصيبنا إلا ما قدر لنا. في وقت الظهيرة وصلت شماء. كانت أنيقة برغم البساطة الدائمة في لبسها، وكانت تحرص على أن تضع منديلاً على شعرها المجعد الذي تعلمت في العاصمة طرقاً لتصفيفه وتنعيمه تزيدها جمالاً. أما وجهها فكان على قدر كبير من البراءة والطيبة: عينان سوداوان، أنف دقيق، ذات بشرة حنطية. في هذه المرة كانت الأحاديث والأخبار لدى أهلها، فما أن ارتاحت وتناولت طعام الغداء حتى راحوا يحدثونها عن العاصفة وعن موت صالح الأحمد وكيف سقط السقف على رأسه في حين كان يبحث عن نقود أخفاها عن أسرته في هذه الغرفة. تنازلت مريم عن متعة قص هذه الحادثة لأمها وفاطمة وشغلت بمراقبة حقيبة شماء. لم يكن انتظارها عبثاً، فقد استغلت فاطمة انفعال الأم وهي تحكي عن بخل صالح الأحمد ومريم تستمع، فأخذت الحقيبة بحذر واختفت بها دقائق، ثم عادت. فقدت مريم كل هدوء وبات الفضول يسري بعروقها بدل الدم. وقررت أن تنتظر الوقت المناسب لتكشف السر بعد أن أصبح شكها يقيناً. لقد أخذت فاطمة من الحقيبة رسائل وأخفتها في مكان ما من الغرفة الأخرى. ولم تستطع الانتظار، فذهبت إلى هناك تفتش بسرعة، بحثت في خزانة المؤن ولم تجد شيئاً، وقفت وتلفتت حواليها. أين يمكن أن تخبئها؟ وقع نظرها على الصندوق، كان صندوقاً قديماً وضعت فيه الأم ملابس عتيقة ليسوا بحاجة إليها لكنها كانت ترفض دائماً التخلص منها مدعية أنها ستفيدهم ذات يوم. حين دخلت فاطمة الغرفة ورأتها واقفة تفكر أجلت مريم البحث إلى المساء كي لا تثير شكها. ولم تمض ساعات النهار بسرعة، كان الانتظار متعباً وقاسياً، فلم تفلح كل أحاديث شماء بجعلها تنسى ما يمكن أن يكون في الصندوق. وقررت أن تقوم بالبحث مساء حين تساعد أباها على النوم. استلقى الأب في فراشه واهتمت مريم بأن تغطي ظهره جيداً كي لا يلامس الحائط البارد. وبقيت عيناها وفكرها معلقة بالصندوق، فاتجهت نحوه، وفتحته بحذر شديد كي لا يثير ضجة ومدت يدها، ولم تلامس سوى ملابس قديمة فاحت رائحتها، خافت أن تمسك بفأر بدل الرسائل فسحبت يدها بسرعة، لكن فضولها وشوقها جعلاها تمد يدها من جديد غير آبهة لما يمكن أن يصادفها. وغاصت حتى قاع الصندوق. وفي تلك اللحظة خافت أن يسمع أهلها في الغرفة الأخرى صوت دقات قلبها لشدة ما تسارعت واضطربت فيهرعون إليها. لقد لامست يدها الكثير من الأوراق، شعرت برعشة تجتاح جسمها. هاقد وجدت أخيراً ما تبحث عنه. هذا يؤكد أن شماء بالفعل ترتكب جريمة كبيرة، ويعني أنها ستقرأ الآن كلاماً عذباً وجميلاً. هذا يعني أنها كشفت سراً لا تبغي شماء أن تطلعها عليه. أنبتها هذه الفكرة قليلاً لكنها سرعان ما تناستها. سحبت بيدها ما استطاعت أن تسحب فقد كان هناك الكثير من الأوراق. يا لفرحتها العظيمة. وفكرت لحظة أن تخفي الرسائل في عبها لتقرأها فيما بعد بهدوء، تتمتعنْ في كل كلمة، وتقف عند كل حرف لتنخل منه كل معنى مباشر أو غير مباشر. لكن الفضول كان يلح عليها. كان ضوء الغرفة خافتاً أصفر ينبعث من لمبة متسخة معلقة في نقطة عالية من الحائط بجانب الباب. استطاعت أن ترى في البداية مابين يديها شيئاً لا يشبه الرسائل، كانت أوراقاً تشبه أوراق الكتب بحروفها المطبوعة، والورقة الأخيرة لم تكن ورقة واحدة، بل كتيباً صغيراً. شعرت بالخيبة، لكنها واست نفسها بأن من الممكن أن يطبعوا الرسائل بهذا الشكل في العاصمة، وقررت أن تبدأ بقراءة الكتيب الصغير، كونه يوحي بفيض من الغرام. ويا لخيبتها الثانية. قرأت ولم تفهم ولم تستوعب ولم ولم ولم. شيء لم تقرأه من قبل لا في الكتب المدرسية ولا في غيرها: "أيها الزملاء الأعزاء!" أمن الممكن أن يخاطبها حبيبها بالزملاء. أهو مهذب لهذه الدرجة. ولماذا الزملاء وليست الزميلة؟ استمرت بالقراءة والخيبة تعصر قلبها. وأثار انتباهها ما ختم به الحديث: "المجد لرفاقنا الشهداء ولرفاقنا الذين يقبعون الآن في سجون النظام المعتمة". أي شهداء وأي سجناء وأي رفاق! لم تفهم. لكنها فهمت شيئاً وحيداً وهو أن ما كانت تقرؤه ليس برسائل غرام. واكتأبت. وحين رفعت نظرها استطاعت برغم ضعف الضوء أن ترى نظرة الغضب في عيني فاطمة التي وقفت أمامها. في اليوم التالي وبعد أن ودعت العائلة شماء، تناست مريم التأنيب الذي طالها منها وبقيت تفكر في الكلام الكثير الذي سمعته فيما بعد. كان صوت شماء وهي تتحدث منخفضاً جداً. وكانت مريم تصغي إليها بكل حواسها، حتى إن عينيها اللتين تحولتا إلى علامتي استفهام كبيرتين في وجهها راحتا تتفرسان شماء متعطشتين لكل كلمة من كلامها. ولم ترتجف أوصالها حين كانت شماء تؤكد خطورة الأمر وسريته. بل إنها فرحت وسرعان ما نسيت خيبتها. وشعرت بأوهامها السابقة تافهة وصغيرة أمام ذاك الشيء العظيم الذي سمعته وتشربته روحها الظمئة كما تتشرب قطعة إسفنج جافة قطرات ماء تتساقط عليها. لقد وجدت أخيراً الشيء العظيم الذي تبحث عنه دون وعي منذ زمن طويل. وأحست أن غشاوة كانت تعكر الصورة أمامها قد انقشعت. فأصبحت ترى العالم بوضوح: التغيير. هي تلك الكلمة التي كانت غائبة عنها. هي تلك الكلمة التي لم تفكر فيها وتحاشتها دائماً. برغم حلمها الخفي بها. فقد كانت دائماً تحلم بحياة أخرى، بعالم آخر، وكانت تذوب في الحلم ساعة أو ساعتين لتعود إلى تفاصيل ثقيلة في حياتها، وهي تدرك أنها غير قادرة على فعل شيء سوى الحلم. الحلم الذي لا تملك غيره والذي يشكل لها ملاذاً وحيداً تلجأ إليه حينما تتراكم هموم الحياة أمامها وتصهر كل شيء في نطاق أسود يلتف حول عينيها لا تعود ترى شيئاً من خلاله، فتغمض عينيها وتحلم، تحلم، تحلم، بكل ما تقوى روحها على الحلم، لتتحول عيناها إلى حلمين يائسين يصبوان إلى أفق بعيد ومستحيل! أما الآن فقد غدا هذا المستحيل ممكناً، وستشارك هي بصنعه. وهاهي مرحلة على غاية الأهمية والخطورة تبدأ في حياتها. أحست بحماسة شديدة تجتاحها، وأنها قادرة على أن تضحي بأي شيء تملكه حتى أحلامها في سبيل ذلك. لا بل والأهم من ذلك كله أنها هي، تلك الفتاة البائسة والفقيرة التي داست الحياة بحذاء كبير على رأسها فأبقته محنياً دائماً. ستستطيع رفعه أخيراً، على الأقل أمام ذاتها. ولدى أول مرة التمع بريق صاف في عينيها، وشعرت برغبة جامحة في الانطلاق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |