سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

16

تخرجت فاطمة في المدرسة أواسط الصيف ولم تخيب أمل أحد حين تفوقت ونالت معدلاً عالياً يؤهلها بجدارة للحصول على منحة حكومية للدراسة في الجامعة. وكان قاسم وقتذاك يشارف على إنهاء البيت الذي شرع ببنائه بعد أن حصل على قرض مصرفي كفله به أحد الأقارب.‏

أما الأب فلم يستطع الصيف بحره ولا حساء الدجاج، الذي كانت تجلبه عائشة كلما استطاعت، أن يحسنا من حالته الصحية، فاستمرت تميل إلى السوء. لم يكن أحد يعلم بعلته، كان مريضاً ومرضه يتزايد، يده وقدمه ترتجفان بشدة وجسمه أصبح هزيلاً وضعيفاً، وبات لا يقوى على النهوض من الفراش إلا بمساعدة أحد. لم تفهم مريم بعد سنوات طويلة لماذا لم يعرض آنذاك على طبيب، هل كان اتفاقاً ضمنياً بين أفراد الأسرة كي يعجلّوا في موته، فينقص عددهم؟ لكأن حياتهم طريق في غابة مظلمة والمضي فيها للأقوى، فإذا مرضت فأسرع للموت لأن ذلك سيسهل على البقية السير قدماً. أي لؤم ذلك! كيف يمكن للحياة التي ارتقت ليكون الإنسان ذروة مراحل تطورها أن تجرد ذلك الإنسان من إنسانيته!؟‏

بقيت مريم سنين طويلة تتذكر أباها وهو يئن، حتى أنها لم تعد تذكره إلا في حالته تلك. أي وجع كان يؤرقه في تلك اللحظات؟ لا تدري. هو نفسه لم يكن يشكو من شيء محدد، كان يئن ويضعف ويتهاوى في آن واحد. وشكت مرة بأنه اتفق مع الآخرين ومع نفسه على الموت. فلم يطالب بشيء ولم يتذمر. اكتفى بأنين كان يخرج من جسمه على الرغم منه. واستمر عدة أشهر.‏

في مطلع الخريف التحقت فاطمة بجامعة افتتحت حديثاً في المدينة المجاورة، فوفرت عليها مصاريف السكن، ولم يبق لها إلا دفع قسط الدراسة الذي اقترضته من عائشة متداركة بذلك حصول مشكلة كالتي حصلت مع شماء.‏

اكتمل البيت الجديد في ذلك الوقت. كان مكوناً من أربع غرف يفتح ثلاث منها على صالون عريض ذي باب واسع يفضي إلى غرفة مستطيلة تشكل واجهة البيت، أما الغرفة الرابعة فقد فتح بابها الوحيد على الشرفة وعزلت بهذه الطريقة عن بقية الغرف. وقد تنازل عنها قاسم لأهله وشغل هو وأسرته بقية الغرف.‏

انتقلت الأم وفاطمة ومريم إلى الغرفة الجديدة ونقلن معهن ما تملك العائلة من أثاث قديم مكون من فرشات قديمة وأغطية، وحصيرة بلاستيكية وخزانة قديمة. لم تتحقق آمالهم بشراء أخرى جديدة، ومع ذلك فقد سرت مريم كثيراً حين خصص لها ركن في تلك الخزانة، أحد الأدراج كان لها وحدها، تضع فيه الأشياء التي تملكها، حتى أنها فكرت مرة بوضع قفل له، تحمل مفتاحه لتؤكد بأنها الوحيدة التي تملكه، برغم أن مافيه من أشياء قد لا يبدو للآخرين ذا قيمة تذكر، لكنه كان بالنسبة إليها شيئاً رائعاً.‏

والشيء الوحيد الذي اشتروه كان مكتبة حديدية، بدا منظرها مقبولاً حين غلفت فاطمة قضبانها ورفوفها بورق لاصق بلون الخشب، ورتبت على رفوفها العليا ما يملكون من كتب وعلى الرف السفلي وضعت التلفاز الذي قدمه لهم العم إبراهيم بعد أن اشترى لنفسه آخر جديداً.‏

وهكذا أصبحت مريم تنام تحت سقف أملس لا طبقات فيه ولا جحور. فبدأت تشعر بشيء من الأمان، سيما وأن خطر انهيار هذا السقف غير قائم. فباتت تنام كاشفة رأسها، تحدق في السقف طويلاً، على عكس ما كانت تفعل في الغرف الطينية.‏

أما الإضاءة فكانت عبارة عن نيون علق على الحائط فوق الباب يضيء الغرفة بضوء فضي أعجبها، وعلقت فوقه لمبة سرعان ما أصبحوا يميلون إلى استعمالها بدل النيون نتيجة الرنين الذي يصدر منه وقت اشتعاله.‏

انتقلت الأسرة إلى الغرفة الجديدة وبقيت إحدى الغرفتين فارغة فبدت لمريم كعجوز هرم فغر فاه دهشة وحزناً حين هجر. أما الغرفة الأخرى فظلت مطبخاً وبقي الأب فيها.‏

لم يع أحد حينئذ أن الأب قد سكن لوحدته، فرفض بشدة الانتقال معهم إلى الغرفة الجديدة.‏

أثار رفضه دهشة جميعهم فلم ينس أحد طموحه الدائم إلى النوم في الغرفة التي تنام فيها زوجته. وها هي زوجته تبتعد عنه لتسكن منزلاً آخر وتناديه بنفسها ليسكن معها فيرفض ذلك.‏

جاءت عائشة خصيصاً كي تقنعه، قالت:‏

-أنت مريض يا أبي وبقاؤك في هذه الغرفة بعيداً عن الأسرة أمر مقلق. فإذا ما احتجت إلى شيء وناديت قد لا يسمعك أحد. أما في الغرفة الجديدة فستكون قريباً من جميعهم وكلهم سيكون بخدمتك.‏

فرد الأب بصوت ضعيف:‏

-لا يهم. أفضل البقاء هنا!‏

-إذا كان ذلك لا يهمك، فهو يهمنا. ثم إن الشتاء على الأبواب، والبرد سيزيد من حالك سوءاً، أما هناك فستنام بجانب المدفأة، أرجوك لا تعاندني ولا تخذلني!‏

-لا تتعبي نفسك يا عائشة، فلن يختلف الشتاء القادم عما سبقه. فقد عشت عمري في هذه الغرفة ولا أريد أن أتركها في آخره.‏

فتدخلت الأم:‏

-فكر على الأقل يا أبا قاسم بما سيقال عنا، رجل مريض يرقد على فراش المرض وحيداً في غرفة طينية، في حين تعيش زوجتك وبناتك في غرفة باطون جديدة. أي عار سيلحق بنا إذا انهارت هذه الغرفة وأنت فيها!‏

حدق الأب في نقطة غير محددة وقال دون أن يرفع نظره إليها:‏

-ما سيقال هو كل ما يهمك. أما أنا فلا يهمني شيء.‏

فقالت الأم:‏

-وأنت أيضاً تهمنا.‏

-أنا لا أهم أحداً. سأبقى هنا.‏

كان من الواضح لعائشة وللأم أن أي شيء لن يرده عن قراره. فانصاعتا وخرجتا. وعادت عائشة تعتريها مشاعر القلق برغم أنها أوصت الأم والأخوات كثيراً بأن يبدين اهتماماً أكبر به.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244