سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

17

لم تكن مريم فيما بعد تؤمن بالغيبيات. إذ باتت تميل إلى تفسير الظواهر بشكل علمي ومنطقي، ومع ذلك لم يقو علمها ولا منطقها على تفسير ذلك الإحساس الذي انتابها قبل سنين طويلة:‏

حدث ذلك بعد حوالي الشهرين من انتقالهم إلى المنزل الجديد في أحد الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني.‏

استيقظت في ذلك اليوم مبكراً جداً، حتى قبل الأم التي تستيقظ عادة قبل جميعهم. أيقظتها فكرة طرقت رأسها كالمطرقة، ففتحت عينيها ولم تفكر في محاولة النوم من جديد ثم نهضت من الفراش بسرعة واتجهت نحو الباب. وفي الخارج أوقفها الضباب الكثير المنتشر.‏

كانت الأشياء والأحجام وكأنها ساحت في الضباب، ففقدت نهاياتها الحادة وأصبحت كظلال لأشكال هلامية يصنعها ضوء رمادي. نظرت إلى الشرق ورأت أطراف الشمس مازالت محبوسة في مكان اتصال الأفق بالهضاب، وبدت كتلة مشعثة تبعث بأشعة باهتة مطفأة. أبطأت من سرعتها لأن الرؤية لم تكن واضحة، وسارت باتجاه المطبخ. دخلت وأشعلت النور فرأت أباها مايزال نائماً في فراشه، اقتربت منه وبداخلها ذعر لا تدرك سببه. نادته، فلم يجب، رفعت الغطاء عنه فظهر وجهه ساكناً دون أية مشاعر. لم يكن حزيناً ولا سعيداً، كان مغمض العينين نائماً. فهزت كتفه:‏

-أبي، استيقظ.‏

ولم يجبها.‏

كانت إحدى يديه تحت رأسه والأخرى دسها تحت المخدة، فسحبتها وشعرت ببرودتها حين لمستها. وإذا بها قابضة على السكين... فعلا صوتها قليلاً وهي تهز يده راجية:‏

-استيقظ يا أبي.‏

بينما استمر أبوها غارقاً في صمته.‏

تركت يده فسقطت فوراً إلى جانبه ممسكة بالسكين. أحست مريم أن كل ما بداخلها يسوح وينهار متكاثفاً في قدميها، فتثقلان ولا تقوى على تحريكهما. ويبقى الجزء العلوي من جسمها فارغاً كالكيس سيلتوي قريباً ويتساقط إلى جانب القدمين.‏

كان أبوها مغمض العينين مستكيناً يحمل سكيناً في يده وإلى جانب فراشه وضعت تنكة حديدية مملوءة بالتراب، انتابها شعور بالقرف من ذاتها ومن العالم والناس. واعتقدت هنيهة أنها فهمت لماذا كان أبوها يكثر من البصاق.‏

وبقي أمل ما بداخلها يتحدى حزناً يطير نحوها ليخترقها كالرصاص. جرت قدميها بتثاقل وخرجت من الغرفة، كانت حركتها مربكة، فتعثرت بكل ما في طريقها إلى غرفتهم. وهناك اتجهت إلى حيث تنام الأم وفاطمة، وشرعت توقظهما بتوتر:‏

-أمي. فاطمة. أمي.‏

تحركت فاطمة وهي تتذمر:‏

-ما بك؟‏

-أبي يأبى الاستيقاظ.‏

تنحنحت الأم وهمت بالنهوض. أما فاطمة فسألت وهي تدلك عينيها:‏

-ولماذا أيقظته في ساعة مبكرة كهذه؟‏

ثم فتحت عينيها، ونظرت بقلق فقالت مريم:‏

-حاولت إيقاظه مراراً إلا أنه لم يجبني.‏

قفزت فاطمة من فراشها وركضت، ولحقتها الأم، وبقيت مريم واقفة في الباب تراقب خيال أمها وفاطمة اللتين غابتا في غيمة الضباب. وراحت تنصت إلى أصوات ستسمعها، قد تطفئ النار فيها أو قد تشعلها. ولم تمض دقيقتان أو ثلاث حتى سمعت صراخ فاطمة والأم.‏

أخفت مريم وجهها بيديها وتساقطت على الأرض:‏

-لقد مات. مات أبي.‏

واخترق كل الرصاص قلبها فبكت بعنف.‏

ها إن الموت قد اقتحم وحدته أخيراً. لصاً قفز من النافذة ووجد ما يسرق. ولم تستطع سكين الأب المثلومة أن تردعه.‏

لقد مات الأب!‏

وعلا صوت البكاء والصراخ.‏

بكت مريم بأسى أباً لم تذق أبداً طعم انتظار عودته من العمل...‏

بكت مريم بأسى أباً لا تذكر أنه حاول مرة أن يضمها إلى صدره، فعاندته بدلع طفولي...‏

بكت بأسى أباً لا تذكر أنه في يوم من أيام طفولتها جلب لها حلوى...‏

بكت مريم بعنف عجوزاً بائساً كان أباها ومات وحيداً.‏

في أي لحظة قد مات؟ ومتى سمعت آخر أنين له؟ حاولت أن تتذكر لتجلد نفسها لأنها بقيت بعيدة عنه في تلك اللحظة.‏

تركته وحيداً ليسلم أنفاسه التي لم يملك غيرها للص كان يخافه دائماً. وخيل إليها أن الضباب هو روح أبيها وقد تحررت من قيودها وذابت في قطرات ماء صغيرة لا متناهية في الفضاء.‏

لقد مات الأب!‏

وتجمع الناس في بيتهم.‏

بكت مريم بمرارة. وتبخرت روح أبيها. انقشع الضباب.‏

صار بيتهم يعج بالناس عند حلول الظهيرة، حيث جهز الجثمان وحمل الأب في تابوت على الأكتاف.‏

وأجهشت مريم في بكاء عال حين سمعت من داخلها صوت أبيها الذليل وهو يرجوهم أن يطلقوا سراحه. ثم يهدأ رجاؤه وقتاً قصيراً إلا أن أنينه يبقى مستمراً.‏

بكت مريم وأغمضت عينيها حين رأت في الأفق قبراً ترتعش الحياة فيه بينما يفتت السكون دبيب جنازة يخفيها الضباب.‏

سيهيلون التراب عليه... فلن تسمع أنينه من بعد.‏

سيهيلون التراب عليه ويذهبون، وسينصاع لوحدة أبدية في حفرة داخل الأرض. ولن يحتاج لتنكة مملوءة بالتراب. لأن التراب سيملأ فمه.‏

بكت مريم بأسى وحرقة عجوزاً كان أباها وعاش معذباً وحيداً في قبر طيني. واستكان هادئاً لا فرحاً ولا حزيناً في حفرة في الأرض.‏

وحاولت بقوة أن تصدق ماقيل فيما بعد بأن تابوته حين تعدى عتبة باب الباحة الخارجي، أصبح خفيفاً جداً وراح يسابق حامليه إلى الأمام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244