سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

18

مر الشتاء ببرده وما انهارت الغرف الطينية. ولم يقم قاسم بردمها كما وعد. وبقيت تلك الغرفتان قائمتين سنين عديدة تنظران بعيون كابية إلى حياة رتيبة تشيخ أيامها كل صباح.‏

في الصيف تخرجت شماء من الجامعة محدثة بذلك بهجة كبيرة في البيت الذي بات كئيباً خاصة بعد وفاة الأب.‏

وبعد فترة قصيرة من التخرج لاحظت مريم تهامسات مكثفة بين شماء وعائشة، فدارت الشكوك بخلدها: هل ستقوم شماء بتنظيم عائشة أخيراً؟! استطرفت هذه الفكرة، وحاولت ألا تعير الأمر اهتماماً.‏

لكنها أخطأت التقدير في هذه المرة أيضاً، فبعد ذلك بقليل تقدم أحد الشباب لخطبة شماء. وكان من الواضح جداً لمريم أن شماء ليست موافقة على الزواج منه وحسب، بل تكن له مشاعر معينة جعلتها تضطرب كثيراً حين حضر إلى بيتهم.‏

كان شاباً من أبناء القرية، لكنه كان يعيش ويعمل طبيباً في المدينة المجاورة.‏

حضر واستقبله قاسم والأم بوجود عائشة.‏

وبقيت شماء في المطبخ تُعنى بتحضير القهوة واختيار الفناجين المتشابهة، ولشدة ارتباكها لم تنتبه إلى أن القهوة بدأت تفور وتندلق وهي واقفة بجانبها لا تلاحظها، أما عائشة فقد جلست قليلاً مع قاسم والأم وشاركت في الحديث مع الشاب الخاطب، ثم خرجت إلى المطبخ تستعجل القهوة.‏

بعد مضي ساعة خرج الشاب الخاطب دون أن يلتقي شماء التي اعتكفت في المطبخ وبقيت جالسة في إحدى زواياه وغابت في أفكار كثيرة إلى أن دخلت عائشة والأم فقامت بسرعة وسألت:‏

-كيف سارت الأمور؟‏

ردت عائشة: -أنت تعلمين أن الأمر بالنسبة إلى قاسم عادي، إذا لم يكن له أية مصالح خاصة به. فتعامل ببرود ولم يبد عليه أنه سيبت في الأمر سريعاً، لذلك اقترحت أن نستشير العم إبراهيم.‏

فأكدت الأم:‏

-هذا واجب، فقاسم وحيد وما من أب يقف معه في أمور كهذه. والعم إبراهيم وقف دائماً معنا في السراء والضراء، ومن العيب عدم استشارته. توترت شماء وتصاعد القلق في عينيها حين سمعت ذلك، فقالت عائشة:‏

-على كل حال هو شاب جيد وذكي، ثم إنه طبيب وأحواله المالية ليست سيئة، لذلك لا أعتقد بأن العم إبراهيم سيرفض. فلا تقلقي.‏

كلام عائشة طمأن شماء وأعاد إليها الحياة سريعاً.‏

في اليوم التالي توجهت الأم وعائشة وقاسم إلى بيت العم إبراهيم، وبعد أن شرحوا له الأمر. أخذ نفساً من نارجيلته مما جعل الماء في القارورة يضطرب وكأنه يغلي مُحدثاً قرقعة عالية طغت على الصمت الذي ساد. ثم نفث الدخان من فمه فشكل غيمة صغيرة أخفت معالم الوجوه الصامتة هنيهة. ووجه سؤاله إلى قاسم:‏

-من أي عشيرة قلت؟‏

فذكر قاسم للمرة الثانية اسم عشيرة الشاب.‏

قال العم وقد أضفى على نبرته وقاراً:‏

-لا يخفى على أحد أنها عشيرة صغيرة ليست ذات أصل يذكر، جاء أجدادنا إلى القرية من دول عربية أخرى بعد أن شردوا من بلادهم. وإنه لمن العار علينا نحن أبناء العشيرة الكبرى في القرية أن نزوج ابنتنا لأحد من أبنائهم. وبالذات حين تكون هذه الفتاة شماء الحاصلة على الشهادة الجامعية. صحيح أنها من عائلة فقيرة، لكنها ابنة عشيرة ذات أصل.‏

وصمت قليلاً ثم أردف: -فلننتظر بعض الوقت، لابد أن يتقدم شاب من أقاربها يكون أهلاً لها.‏

كان كلام العم واضحاً ومحدداً فاكتفى به وأخذ نفساً آخر من نارجيلته وهو يشعر بأنه قد بت في الأمر برأي حكيم مؤكداً من جديد وفاءه لأصله ولموقعه كأحد وجهاء العشيرة.‏

لم يناقشه قاسم، فالأمر لا يعنيه كثيراً، وسارعت الأم لتأييده. أما عائشة فقد أربكها موقفه، وصمتت كونها لم تتعود أن تخالفه بشيء.‏

استقبلتهم شماء في الباب. واستعجلت عائشة لسرد ما جرى. وما إن علمت بموقف العم حتى ثارت بعصبية:‏

-أي كلام سخيف هذا. يقرأ في اليوم كتابين وبرغم ذلك لم يحدث أي تطور على فكره فتبقى العشيرة والأصل وكل هذه المفاهيم البالية هي التي تحركه! فليعلم أنني لن أتزوج أحداً من أبناء عشيرته تلك، وليذهب معها إلى الجحيم. ثم إنني اتفقت مع ذلك الشاب ولن أتزوج غيره، فهو شاب مثقف ومهذب ويحترمني وهذا كل ما يهمني.‏

لم تفهم الأم الكثير من كلام شماء، لكنها وبحركة سريعة قامت من مكانها ووضعت يدها على فم شماء قائلة:‏

-اخرسي ولا تجرئي على إعادة هذا الكلام.‏

وكررت جملة شماء باستنكار -"اتفقت معه"! هل تريدين الفضيحة لنا، وأنت التي نعلق عليك كل آمالنا؟ سيلحقنا العار بسببك، بعد أن عشنا الحياة مستورين.‏

لكن شماء أزاحت يدها بحدة وقالت:‏

-العار بالنسبة إليّ هو أن أتزوج شخصاً لمجرد أنه ابن عشيرتي.‏

هذا لن يحدث أبداً. قولي أنت، -ووجهت كلامها إلى الأم:‏

-ماذا قدمت لك العشيرة حين كنت تجوعين، وحين سافر قاسم، وحين وحين؟!‏

فردت الأم بعصبية:‏

-أنت جننت. كنت أظن أن الجامعة ستزيدك عقلاً وفهماً لكنها وكما ظهر أنستك القيم والأخلاق.‏

-هذه قيم متخلفة ويشرفني أن أنساها.‏

لم تكن للكلمات التي تستعملها شماء في حديثها وجود في قاموس الأم، لكنها فهمت من مجمل الحديث أن ابنتها ونتيجة التعليم قد أصبحت على قدر من الجرأة قد يلحق بها العار. فلطمت وجهها بيدها وهي تقول:‏

-لو كنت أعلم بأن هذا سيحدث لزوجناك بعد المدرسة مباشرة.‏

نظرت إليها شماء والدموع تترقرق في عينيها ثم أخفت وجهها وراحت تبكي.‏

تدخلت عائشة:‏

-اهدئي يا شماء، فلن يجبرك أحد على الزواج من شخص لا تريدينه.‏

واكتفت بذلك، فلم يكن لديها شيء آخر تقوله وقتذاك.‏

بعد عدة أيام تقدم لخطبة شماء أحد أبناء عمها.‏

جاء بصحبة أبيه والعم إبراهيم. وحين دخل قاسم ليستشيرها رفضت شماء بإصرار. فخرج. ثم أتى العم إبراهيم بنفسه كي يقنعها وقال:‏

-تعلمين يا شماء أنني أعتبرك بنتاً لي، ومستقبلك يهمني مثلما يهم الأب مستقبل ابنته. وابن عمك شاب جيد ومتعلم ويريدك. وأنا واثق بأنك ستعيشين معه حياة هادئة وطيبة، وستكونين على مقربة من أمك وإخواتك فلا تتسرعي بالرفض.‏

فردت شماء محاولة أن تخفي حنقها:‏

-وأنا أيضاً أكن لك الاحترام والمودة يا عمي. لكنني -وترددت- عدلت عن فكرة الزواج كلها.‏

فضحك العم وقال:‏

-هذا ليس صحيحاً. على كل حال فكري بالأمر واعتبريه طلباً خاصاً لي عندك.‏

وخرج.‏

وبقيت شماء متوترة تتحاشى الحديث مع الأم التي بدا واضحاً ميلها إلى موقف العم.‏

سارعت عائشة إلى بيت أهلها حين علمت بالأمر. وما أن دخلت حتى راحت الأم تحدثها مستغلة الفرصة كي تسمع شماء رأيها:‏

-حضر العم إبراهيم بنفسه خاطباً، وهو رجل حكيم ذو هيبة، يشهد له بذلك كل من في القرية. ورأيه يجب أن يكون فوق كل رأي. خاصة وأن ما قاله عين العقل، فابن عمها شاب متعلم وطيب وإذا تزوجته فستبقى قريبة منا، ثم إنه من ثوبها -وقصدت من مستواها- فهو يعرفنا ويعرف أي ظروف نعيش. ولن يجرؤ في يوم من الأيام أن يذلها بكلمة أو يسيء إليها كالغريب فأهلها في النهاية أهله. اشرحي لها يا عائشة فهي تأخذ برأيك.‏

فأسرعت عائشة بإجابة جاهزة:‏

-أتظنين أنه يبغي الزواج منها حباً بها أو تشرفاً بنا؟ تكونين مخطئة إذا ظننت ذلك، فمنذ متى وبيوت الأعمام يعتبروننا بمستواهم كي يخطبوا لأحد أبنائهم شماء. لقد كانوا ينظرون إلينا دائماً نظرة قرف وتعال. حتى إنهم لم يفكروا ولو مرة خلال السنوات الماضية بإقامة علاقة معنا. والآن وبعد أن تخرجت شماء وأصبح من الواضح أنها ستحصل قريباً على وظيفة، رأوا فيها كنزاً هم أحق من الغريب فيه. وأستطيع أن أقسم بأنها لو لم تتعلم لما تحرك أحد منهم لخطبتها لأن الزواج منها حينذاك لن يشرفه، فأهلها فقراء وأبوها عاش عاجزاً وأخوها ليس بالعاقل والمسؤول.‏

ثم تنهدت بأسى وكأنها نكأت وجعاً بداخلها، واستطردت.‏

-ولو اعتبرت أن كل ذلك أكيد، وأن ابن عمها سيتخلى عن مرتبها، فببساطة وضعه المالي لن يسمح له بذلك، فهو معلم مدرسة وأجره الشهري لن يكفي لإعالة أسرة. أما ذلك الشاب فهو طبيب ويجني من النقود ما يغنيه عن مرتب شماء، وستعيش معه معززة مكرمة.‏

تألقت عينا شماء وشع البريق فيهما بعد أن أطفأه طيف من الحزن. فكل ما قالته عائشة صحيح وقوي لن تستطيع الأم دحضه. وصمتوا جميعاً.‏

ثم سألت الأم بقلق:‏

-وكيف سنقنع العم إبراهيم؟‏

ردت عائشة بيأس:‏

-إذا اقتنع سيكون ذلك جيداً. وإذا لم يقتنع فلا حول ولا قوة.‏

قالت ذلك بأسى وهي تدرك بأنه ما من خيار آخر أمامهم.‏

في الصباح الذي تلاه لم تسأل الأم ولم تبد أي احتجاج حين جهزت شماء نفسها وانطلقت للمدينة القريبة. غابت حتى الظهيرة وعادت. ولاحظت مريم السعادة الكبيرة على وجه أختها. وفرحت لذلك، فقد كانت متضامنة معها قلباً وقالباً، لكنها لا تملك القدرة على فعل شيء واكتفت بمراقبة الأمور وتطوراتها وبداخلها أمنية صادقة أن تنتصر شماء وينتصر حبها.‏

وسرعان ما صرحت شماء لمريم وفاطمة أن الأمور في هذه الليلة قد تأخذ مجرى آخر. فانتظرت مريم المساء ولم يطرق بابهم ولم يأت أحد لزيارتهم. ما الذي سيحدث؟ لم تفهم ولم تدرك الأمر إلا عندما حضر قاسم في وقت متأخر من المساء وتبين آنئذ أن شماء كانت تنتظره بقلق. جلس فترة قصيرة صامتاً ثم قال:‏

-كنت الليلة بصحبته، إنه في الحقيقة شاب لطيف وأعجبني.‏

ازداد البريق في عيني شماء التي كانت تتفرسه لكنها تخجل من إبداء الأسئلة، فراحت تنصت إلى كلامه بتشوق ظاهر. واستمر قاسم:‏

جاءني بعد الظهر، وقال إنه يود الحديث معي في مكان هادئ، فاتفقنا أن نلتقي مساء.. والتقينا..‏

ثم استمر بعد أن أخذ صوته نبرة فوقية:‏

-صحيح أنه من عشيرة ليست ذات أصل كعشيرتنا، لكنه جيد، إنه على الأقل أفضل من ابن عمك، فذاك ثقيل الظل متعال لا أحبه، أما هذا فعلى ما يبدو متواضع، ثم إنه -وابتسم- يقدر الكيف ورفقته ليست بالمملة.‏

كانت الأم التي قامت من نومها تستمع إليه باهتمام، لكنها راحت تهز رأسها تعليقاً على كلامه الأخير، ولم يعرها قاسم بالاً فاستمر يصف السهرة ويروي الطرائف التي حدثت خلالها. وفي نهاية حديثه قال:‏

-على كل حال نحن اتفقنا منذ البداية وسيحضر بعد يومين هو ورجال من أهله إلى هنا للبت في الموضوع بشكل نهائي. وسأدعو أنا بعض الرجال من الأقارب كي يقوموا باستقبالهم.‏

وهمّ بالخروج لكنه توقف قليلاً وقال:‏

-أما عمي إبراهيم فلن أدعوه. وظلت شماء تحدق فيه بفرح طفولي إلى أن خرج.‏

ثم استلقت في الفراش وحلمت طويلاً وكانت جملة قاسم الأخيرة كافية لتجعلها تغمض عينيها براحة وسعادة.‏

حسم الأمر بعد يومين، فقد حضر الرجال من طرف الشاب الخاطب وكان معهم المأذون، ووافقوا على كل الشروط بما فيها أن يكون مرتب شماء حين توظفها لأهلها. وعقد قرانها في تلك الليلة.‏

أما العم إبراهيم فقد ثارت ثائرته حين علم بالأمر. اعتبر موقفهم إهانة صارخة وعدم احترام له، فهم يلجؤون إليه ويأخذون برأيه حين يمس الأمر مشكلة تافهة مع قاسم تضطره لأن يتحمل الإهانة منه بسببهم. أما في موقف جدي كهذا، فلم يقيموا له أي اعتبار، وتجاوزوه ضاربين عرض الحائط برأيه وموقعه الاجتماعي. وأعلن مقاطعته الأبدية لهم.‏

بدأ القلق يعتري مريم حين اقترب المساء ولم تعد فاطمة من جامعتها. فخرجت نحو باب الباحة، فتحته ونظرت في الشارع لعلها تراها قادمة، ثم أغلقته حين خاب أملها. وعادت لتجلس في الغرفة وتفكر.‏

وفي اللحظة التي غفلت فيها عن الانتظار دخلت فاطمة ففوجئت مريم وسألت:‏

-كيف دخلت ولم أرك، فأنا منذ ساعة أترقب عودتك!‏

ردت فاطمة مازحة:‏

-دخلت مشياً على الأقدام، ولم تريني لأنك كنت غائبة في عالم آخر.‏

-قلقت كثيراً، وظننت أن شيئاً ما قد حدث، هيا خبريني، كيف مضى اليوم؟‏

-سأحدثك وأنت تسخنين لي الأكل، فأنا أتضور جوعاً.‏

اتجهتا إلى المطبخ وراحت مريم تسخن لأختها الأكل وقد فهمت من مزاجها الرائق أن لديها أخباراً جيدة، وبدأت فاطمة الحديث بانفعال شديد:‏

-هل تتخيلين أن إدارة الجامعة رضخت أخيراً، ووافقت على إعادة جميع الطلاب المفصولين إلى مقاعدهم الدراسية؟‏

-حقاً! كيف حدث ذلك؟‏

-هو في الحقيقة أمر متوقع، فلو استمر الاعتصام حتى يوم غد لزاد بذلك على الأسبوع ولهدد الجامعة وعرض شهادتها لعدم الاعتراف من قبل الدول والجامعات الأخرى، لذلك اضطرت الإدارة اليوم، وبعد أن شارك جميع طلاب الجامعة في الاعتصام، اضطرت للموافقة على لقاء وفد طلابي وبحث مطالبه. وقد تشكل الوفد سريعاً وكان أسعد على رأسه، وقابلوا الإدارة وفرضوا عليها كل الشروط. نعم فقد كنا بموقع فرض الشروط، فبحركة من يد أسعد كانت جموع الطلاب تقف، وبحركة أخرى كانت تجلس، فوافقوا على إعادة المفصولين ووافقوا أيضاً على تشكيل اتحاد طلبة علني. هل تتصورين ذلك! إنه النصر بعينه.‏

داعبت كلمة النصر جسد مريم مدغدغة إياه فاقشعر. ووقفت. ولم تدرك في اللحظة الأولى لماذا وقفت، لكنها سرعان ما توجهت إلى قدر الطعام التي باتت تغلي، فسكبت طبق ملوخية وجلست تأكل مع فاطمة وتستمع إلى حديثها غير المنظم، فكانت فاطمة تروي أحياناً وقائع لقاء الوفد الطلابي بالإدارة، ثم تتذكر فجأة شعاراً حماسياً أطلقه أحدهم وتكرره بحماسة شديدة ويؤدي بها ذلك لتذكر مقاطع من خطبة أسعد في الصباح، ثم تروي طرفة حدثت في أثناء ذلك مع صديقتها وتضحك من أعماقها. وتضحك معها مريم.‏

كانت فاطمة لوزية العينين، هادئة نادراً ما تثور. ذات روح مرحة.‏

شاركت مريم فاطمة انفعالاتها بمتعة شديدة وبشيء من الحسد:‏

تمنت لو شاركتها الأحداث نفسها، لكنها استمرت بالإنصات إليها وبترقب كل حركة وكل بداية جملة قد تنم على خبر جديد، ولاحظت في أثناء ذلك بل وخلال الإسبوع المنصرم كله أن فاطمة لا تتحدث بانفعال عن الاعتصام وحسب، وإنما عن أسعد نفسه، ذلك الطالب الثوري الذي قاد الاعتصام بشجاعة شديدة، كانت عيناها تتوقدان وهي تصف حركاته وكلامه ومواقفه، لكن مريم لم تسألها عن شيء فقد خافت أن يبدو ذلك سخيفاً في ظل ما يجري من أحداث عظيمة.‏

وفي غمرة انفعالها بالحديث دخلت الأم المطبخ وقالت وهي تصطنع الغضب موجهة كلامها في البداية إلى مريم:‏

-بعد المدرسة تذهبين لزيارة شماء، وحين تعودين تضيعين باقي الوقت في الثرثرة الأحرى بك يا مريم أن تمضي هذا الوقت في دراستك. ثم أنت يا فاطمة، ألا تدركين أن أختك في سنتها الأخيرة وامتحاناتها على الأبواب وبدل أن تساعديها على الدراسة تقومين بإعاقتها عن ذلك. أي أمر مهم تثرثران به لا أدري.‏

ردت فاطمة: معك حق يا أمي. سنقوم الآن ونباشر بالدراسة فلا تقلقي.‏

بعد أن خرجت الأم سارعت فاطمة بالسؤال:‏

-هل قمت اليوم بزيارة شماء؟‏

أجابت مريم بلهجة تنم على عدم رضا:‏

-نعم‏

وصمتت فاستغربت فاطمة:‏

-وماذا بعد. هل حدثتها عن موضوع سفرك؟‏

-حدثتها؟‏

-ما لك تجيبين هكذا؟ ألم توافق؟‏

-لم توافق ولم ترفض قالت إنها لا تحبذ مسألة سفري إلى الخارج من أجل الدراسة، وتفضل أن أكمل تحصيلي الجامعي هنا، لأن سفري وحيدة إلى بلد أجنبي ليس بالأمر السهل، خاصة وأنني سأضطر للبقاء هناك طوال مدة الدراسة.‏

-وماذا ستفعلين إذا؟‏

-ألححت عليها كثيراً وقلت أنني أود دراسة الهندسة وسيكون من الصعب أن أحصل على منحة هنا لدراستها، فوعدتني وبعد حديث طويل أن تستشير عائشة.‏

صمتت مدة قصيرة لم تعلق فاطمة خلالها بشيء فاستمرت:‏

-على الأغلب أن عائشة سترفض، وإذا وافقت فسيكون الوقت قد ضاع في المشاورات، وأغلق باب تقديم الطلبات للدراسة.‏

فطمأنتها فاطمة:‏

-لا تدعي هذا الموضوع يقلقك، فزوج شماء قادر في أي وقت أن يتدارك الأمر.‏

صمتت مريم وبداخلها انتظار قلق ليوم الجمعة حيث ستلتقي عائشة بشماء في بيتهم.‏

وراحت فاطمة تحدثها من جديد عن الاعتصام وعن تفاصيل أخرى نسيتها من قبل فشدت مريم إليها. وصمتت فوراً عندما سمعت صوت الأم يؤنبها في الخارج‏

كان للقاء الأطفال في يوم الجمعة ضجيجه العالي. فأخذوا باللعب والضحك والشجار والصراخ في آن واحد. حتى طفلا شماء اللذان تميزا من أطفال قاسم وعائشة بسلوكهما ولبسهما، كانا في بيت الجد يتحرران من كل القوانين والقيود التي تحاول شماء وزوجها أن يفرضاها عليهما في البيت، وراحا يمارسان اللعب مع باقي الأطفال بطريقة فوضوية متجاوزين تهديد ورجاء شماء.‏

وبقيت مريم قلقة خلال ذلك تنتظر أن تتحدث شماء مع عائشة بأمرها. وتأكّد لها حين بدأت بمناقشة الموضوع أن قلقها كان في مكانه. فقد استثقلت عائشة مسألة سفر مريم للأسباب التي ذكرتها شماء نفسها ولكنها وبعد أن فكرت قليلاً -وعلى غير عادتها- تراجعت عن موقفها، وقالت وهي تحدق إلى نقطة أمامها وكأنها تحدث نفسها:‏

- إن فاطمة ستنهي جامعتها في العام القادم، ولا بد أن تتزوج وعندئذ ستبقى أمي ومريم وحيدتين في بيت قاسم.‏

توقفت فترة ثم أكملت:‏

- فلتسافر، بسفرها ستحل العقدة، ستبقى أمي وحيدة وسيكون من السهل علينا الاعتناء بها. وقد تعيش عند إحدانا أو عند كل واحدة منا فترة من الزمن.‏

وكأن عائشة فجأة وجدت حلاً سريعاً يقطع صلتها بهذا البيت، كانت تريد أن يكون سفر مريم هو نقطة النهاية أو على الأقل الوقوف على النهاية للحياة البائسة التي عاشتها هي وأخواتها في هذا البيت‏

استمعت إليها شماء بدهشة: إن ما تقوله منطقي، لكنه ذو منطق قاس، فقرارهن محكوم بواقع مر لئيم يدفعهن إلى الهروب والتخلص منه بأي شكل، حتى لو كان سفر مريم وحيدة إلى دولة غريبة. شد ما آلمتها الواقعية المجردة التي تتحدث بها عائشة. وأطرقت تفكر. عادت عائشة تؤكد:‏

- إن بقاءها هنا يعني عيشها على الأقل أربع سنين قادمة في بيت قاسم وأنت تدركين معنى ذلك. ثم إنها فتاة جريئة ولا خوف عليها.‏

فقالت شماء:‏

- على كل حال رأينا لا يعني شيئاً، فيجب أن نقدم الطلب أولاً ومن ثم تكون قالت ذلك وبداخلها أمنية عميقة أن يتم رفض الطلب.‏

قدمت مريم بعد عدة أيام طلباً للدراسة في الاتحاد السوفييتي.‏

عادت في ذلك اليوم من المدينة المجاورة دون أن تلاحظ مسافة الطريق فقد طار فكرها مع الطلب ووصل البلاد البعيدة حين وصلت هي إلى بيتها. وبعد وصولها بقليل حضر شخص اكفهرت حين رأته، فقد كانت تعرفه جيداً لكثرة تردده عليهم من قبل. فزيارته عادة كانت تجر وراءها مشاكل عديدة. كان قريبهم الذي كفل قاسماً في البنك حين حصل على القرض لبناء البيت.‏

لم يكن قاسم موجوداً ذلك اليوم في البيت، ورفضت زوجته الخروج لاستقبال الرجل مدعية أنها مشغولة بأحد أطفالها الصغار، فاضطرت الأم من جديد لاستقباله.‏

ما أن جلس حتى راح يفرغ حنقه وغضبه:‏

- تعبت يا أم قاسم من سلوك ابنك هذا. فها قد مرت ثلاث سنين على استلامه القرض وهو ينتظم مرة ويتخلف عشراً عن تسديد الأقساط. إني لعنت اللحظة التي وافقت فيها على كفالته مئات المرات ليتني لم أفعل، ليتني أخذت بنصيحة من حولي. كل الناس حذروني من أن قاسماً سيزجني في مآزق كثيرة، لكني تجاهلت النصائح وأردت لكرم أخلاقي أن أقوم بعمل طيب -وعلا صوته- والنتيجة أو المكافأة على هذا العمل الطيب هو تخلفه الدائم عن تسديد الأقساط. ماذا ينتظر؟! هل يريد أن أسدد القرض عنه؟‏

طأطأت الأم رأسها وقالت بأسى:‏

- لا ليس هذا ما يريده. لا بد أن لديه أسباباً قوية للتخلف.‏

كانت الأم تدرك أن قاسماً لا يقصد بسلوكه الإساءة لهذا الشخص، وإنما يقصد مرتب شماء، فراح يتخلف عن تسديد الأقساط منذ أن بدأت شماء باستلام مرتب.‏

رد الرجل بغضب:‏

- ما كان يجب عليه أن يقدم للحصول على قرض إذا كان لديه أسباب قوية للتخلف عن دفع الأقساط. وإذا كان يعتبرني ممن يمكن النصب والتحايل عليهم فليعلم أن هذه المرة ستكون الأخيرة. إذ توجهت أمس إلى محام واستشرته، فقال لي إنه من الممكن في هذه الحالات أن يقوم البنك بمصادرة البيت الذي بني.‏

ارتعبت الأم:‏

- لا يجوز ذلك يا أبا أحمد. صحيح أن قاسماً قد تخلف مراراً عن تسديد الأقساط مما عرضك لمشاكل، لكن حقك كان يصلك دائماً، وقد حضرت بنفسي مرات كثيرة ودفعت لك ما خصم من مرتبك.‏

فتنحنح الرجل وقال:‏

- نعم. لقد حصل ذلك. لكنني لا أريد أن أمضي السنوات القادمة في حالة توتر دائمة. فالبنك لا يميز الدائن من الكفيل. ويبعثون لي الشرطة حين يتخلف قاسم قبل أن يبعثوها إليه. وذاك يحرجني كثيراً. لا. لا أريد الاستمرار على هذه الحال. يجب أن يكون هناك حل نهائي.‏

- هدئ من روعك يا أبا أحمد ولا تطور الأمور بهذا الشكل، فنحن في النهاية أهل وأقارب. وأعدك بأن نجد حلاً نهائياً للمشكلة.‏

- وعدت بذلك مرات عديدة ولم تحل.‏

-في هذه المرة ستحل‏

- على كل حال، القسط اليوم قد خصم من مرتبي. سأنتظر يومين كي يرده لي.‏

انقلي لـه ذلك، وانقلي له أيضاً أنه إذا لم يكف عن تعامله هذا فستسير الأمور على غير ما يتوقع.‏

وهم بالخروج فاستوقفته الأم لشرب القهوة كي ترطب الجو قليلاً بعد أن أرعبتها تهديداته لكنه رفض وخرج تاركاً وراءه رياحاً تهب من كل الجهات في رأس الأم فلا تستطيع الهدوء والجلوس.‏

فسألتها مريم:‏

- هل تخلف قاسم من جديد عن تسديد القسط؟‏

ردت الأم بغضب:‏

- وماذا يمكن أن ننتظر من قاسم غير ذلك؟‏

- لن يهدأ باله إلا إذا قامت شماء بتسديد الأقساط شهرياً بنفسها. وسيكون أكثر سعادة لو تعطيه باقي المرتب كي يبذّره على نفسه. ولنمت نحن جوعاً.‏

نظرت إليها الأم وصمتت. فلم تستطع أن تدافع عن ابنها أو تبرر سلوكه. فما قالته مريم هو الحقيقة بعينها أثبتها قاسم بجدارة في الفترة الماضية.‏

باتت الأم تروح وتجيء في انتظار قاسم الذي يختفي عادة من البيت في أيام كهذه، وتعتكف زوجته في بيتها كي لا تواجه الأم. لكن قاسماً في هذا اليوم لم يتأخر وعاد بعد الظهر.‏

واجهته الأم في البداية بوجه غاضب وراحت فوراً تشاجره بكلام فوضوي لا تستطيع السيطرة عليه، فتكيل الشتائم مرة ومرة أخرى تعاتبه وهي تبكي وتتذمر من سوء حالها، فلولا مرتب شماء لتضورت جوعاً. فهم قاسم أن رده يجب أن يكون ذكياً وهادئاً لأن ثورته ستصعد الموقف فقال:‏

- أنت محقة في كل ما تقولين يا أمي. لكنني صدقاً لا أعرف ماذا أفعل، فالعمل يسير بشكل سيء ولا أستطيع أن أحصل على ما يكفي من النقود لتسديد جميع التزاماتي، فإذا تأخرت قليلاً عن دفع أجور العمال هددوني بالذهاب للشرطة وسجني، وقد فعل أحدهم ذلك قبل يومين، وكنت على وشك دخول السجن، لكنني أخفيت الأمر عنك كي لا تقلقي، وقمت بحل المشكلة سريعاً- واسترق نظرة لأمه كي يتيقن من ردة فعلها، وكانت قد شهقت وخبطت بيدها على صدرها.‏

ثم استمر بعد أن تنهد:‏

- ومن جانب آخر أسرتي كبيرة وما أجني من نقود لا يكفي لإشباعها إنني أجد نفسي في ورطة. التزامات من كل جانب. وأحس أنني سأتقطع في العمل ومع ذلك لا أستطيع أن أفي بكل شيء.‏

ثم تنهد مرة أخرى وأردف:‏

- لا أدري ما العمل. لا أدري. سأحاول اقتراض المبلغ من أحدهم لأعيده بدل القسط.‏

وصمت قليلاً ثم أضاف: - خلال هذين اليومين يجب أن أحل المشكلة. فلا تقلقي.‏

اعترت الأم مشاعر مختلفة: أتتركه يبحث عن أحد يستدين منه المبلغ ليحل مشاكله بنفسه أم تساعده وتعطيه المبلغ، فإذا لم تقف هي إلى جانب ابنها في محنته فمن سيقوم بذلك. لكن هذا يعني تقشفهم من جديد خلال الشهر.‏

لم تفكر الأم طويلاً وقالت بحزن:‏

- لا تبحث عن أحد يا قاسم، سأعطيك المبلغ أنا، فقد سلمتني شماء مرتبها منذ أيام.‏

أخفى قاسم ابتسامته بأن وضع السيجارة في فمه مغطياً إياه بيده وقال:‏

- لكنني لا أريد أن تسوء حالكم بسببي.‏

فانطبعت على وجه الأم ابتسامة ساخرة:‏

- لا يهم. سنقتصد في هذا الشهر أيضاً. ثم إن كفيلك يهدد ويتوعد. وقامت لتجلب المبلغ قائلة وهي تعده له:‏

- أسرع وسلمه إياه ولا تتأخر لأن كل ما يحدث عيب وليس بالسلوك المحمود.‏

فأخذ قاسم النقود وقال بأنه سيعيدها في الصباح.‏

فقالت الأم:‏

- لتكن هذه هي المرة الأخيرة يا قاسم. لقد هددتني شماء بأن تتوقف عن التنازل عن مرتبها إذا بقيت على هذه الحال. فهي تعمل ولا تبقي شيئاً لنفسها مما تجني كي لا نموت جوعاً.‏

رد دون أن يلتفت نحوها وهو واقف في الباب:‏

-حسناً سأحاول أن تكون المرة الأخيرة.‏

وتوجه نحو بيته.‏

بقيت الأم جالسة في مكانها واضعة يدها على خدها تكرر كلمته بين الحين والآخر بأسى: "سأحاول".‏

قبيل المغرب عادت فاطمة من الجامعة. ولم تعر انتباهاً لاضطراب الأم ولم تستمع بتركيز إلى مريم وهي تروي لها فعلة قاسم الجديدة. كانت بدورها قلقة حزينة.‏

فسألتها مريم:‏

- ما بك يا فاطمة؟‏

ردت بحزن شديد وهي توشك على البكاء:‏

- اعتقلوا أسعد.‏

فشهقت مريم: -كيف ذلك؟ ألم تقولي إنه اختفى واختبأ في بيت أحدهم بعد الاعتصام؟‏

- بلى، لكنهم وجدوه. واعتقلوا آخرين معه. لقد كانت موافقة الإدارة عبارة عن مسرحية امتصت بها غضب الطلاب، حتى المفصولين أعادتهم مؤقتاً ليقوموا بعد أن تهدأ الأمور بطردهم ثانية.‏

تنهدت مريم وسألت:‏

- وأسعد. متى وكيف وجدوه؟‏

- لا أعرف. لقد انزعجت كثيراً حين علمت بالخبر ولم أسأل عن التفاصيل وأوشكت على البكاء لكنها تماسكت وقامت باتجاه المطبخ.‏

- صممت مريم وقد دار بذهنها الكثير من الأسئلة حول علاقة فاطمة بأسعد لكنها لم تسأل عن شيء. فقد خافت في هذه المرة أن تثير أسئلتها شجى في نفس أختها. ثم عادت فاطمة وجلست كئيبة حزينة كأمها وعبثاً راحت تحاول القراءة في كتاب.‏

بقيت مريم تذكر ذلك المشهد سنين طويلة قادمة.‏

كان المساء قد التهم بقايا رؤية في الأفق غير آبه للضوء الأصفر الذي بات ينبعث من نافذتهم. جلست مريم في البداية صامتة. ثم أشعلت جهاز التلفاز لعلها تؤثر بذلك في مزاج أختها وأمها. تعالت في ذلك الوقت أغنية شجية تحكي عن الفراق ما أن سمعتها فاطمة حتى رمت الكتاب جانباً ودست بنفسها تحت الغطاء مخفية وجهها وراحت تبكي بأسى شديد.‏

قالت مريم لنفسها: فلتبكِ عساها تغسل شيئاً من حزنها. ولم تحاول إيقافها.‏

ظلت تبكي إلى أن سمع طرق على باب الباحة الخارجي.‏

خرجت مريم لترى من الطارق، ورأت من وراء السياج المنخفض عدداً من رجال الشرطة، فعادت سريعاً وأعلمت أمها. قالت الأم بقلق:‏

- لا بد أنهم قدموا في طلب قاسم. اذهبي وأخبريه‏

- توجهت مريم إلى بيت قاسم، لكنه أبى الخروج وطلب من زوجته أن تعلمهم بأنه غير موجود في البيت. وحين فعلت زوجته ذلك دون فتح الباب قالوا لها إنهم لم يأتوا في طلب قاسم وطالبوا بفتح الباب.‏

اضطربت فاطمة كثيراً وقفزت من فراشها وهي تمسح دموعها.‏

- من أجل من إذن؟ قالت الأم.‏

- وطرق الباب من جديد.‏

- خرجت فاطمة وسألت عما يريدون فقالوا:‏

- افتحي الباب أولاً وسنعلمكم بما نريد.‏

فهمت فاطمة عندئذ أنهم جاؤوا من أجلها فذعرت وارتبكت وأصرت على عدم فتح الباب مصرحة أنها لا تستطيع ذلك لأنه ما من رجل في البيت. دار حوار قصير بينها وبين الشرطة، ثم ذهبوا بعد أن يئسوا من إقناعها. تنفست فاطمة الصعداء وعادت مع أمها ومريم إلى الغرفة، وبقيت مضطربة، لكنهم عادوا بعد حوالي ساعة وطرقوا الباب بشدة. انتفضت فاطمة في مكانها ولم تقم ومنعت أمها ومريم من القيام. فأعادوا طرق الباب، سمع حينها صوت أحد الرجال ينادي أم قاسم، فتوجهن نحو الباب وسألت فاطمة عما يريدون فقال الرجل:‏

-افتحي الباب يا أم قاسم. فأنا المختار ولن يحدث لكم شيء بوجودي، ففتحت الأم الباب. دخل أربعة رجال من الشرطة ورجلان بملابس مدنية ومختار العشيرة توجه أحد المدنيين بالسؤال إلى فاطمة:‏

- هل أنت فاطمة؟‏

ردت بالإيجاب بتوتر‏

فقال: - هلا سلمت جواز سفرك؟‏

ارتبكت فاطمة وقالت: -ضاع.‏

وتأكد لها أنهم رجال مخابرات‏

قال الرجل الآخر: -اسمعي يا فاطمة. من الأفضل أن تسلميه وإلا فستضطريننا لاتخاذ إجراءات ليست في صالحك.‏

فردت فاطمة:‏

- قلت إنه ضاع‏

- حسناً سنفتش البيت إذن.‏

فتدخل المختار موجهاً كلامه إلى الأم:‏

- دعي ابنتك تسلم الجواز يا أم قاسم، فهذا من الأفضل لكم.‏

أصرت فاطمة:‏

- جوازي ضاع من زمان.‏

كانت أنفاسها تتصاعد باضطراب، فقالت: -إذا كان من شيمتكم دخول بيت لا يوجد فيه إلا نساء وتقوموا بتفتيشه فافعلوا. وسأصرخ وألم كل من في الحي ليروكم.‏

قالت ذلك بصوت مرتبك، وكانت قد جهزت هذا الرد بعد أن صاغته وفكرت به طويلاً من قبل.‏

خرج قاسم في تلك اللحظة بعد أن تأكد له أنهم لم يأتوا في طلبه. وحين رآه رجل المخابرات قال ساخراً:‏

- إذن البيت ليس خالياً من الرجال كما ادعيت!‏

فاحمر وجه فاطمة ولعنت قاسماً في داخلها. ثم قالت بعد أن أسعفتها فكرة تذكرتها:‏

- وهل لديكم أمر تفتيش؟‏

رد رجل المخابرات:‏

- لست بسيطة على كل حال! وبان الحزم في لهجته: - فلتعلمي أن أمر التفتيش ليس بالأمر الصعب.‏

ردت فاطمة:‏

- احصلوا عليه أولاً إذن!‏

قال الرجل بلهجة مستفزة:‏

- إنك لا تدركين مع من تتعاملين. سلمي جوازك وإلا..‏

ثم نظر إلى قاسم وسأل:‏

- ومن أنت؟‏

فأجاب قاسم:‏

-أنا أخوها.‏

اتجه الرجل نحو فاطمة وقال:‏

- إذن سنعتقل أخاك بدلاً منك.‏

فتدخلت الأم متوترة:‏

- ولماذا تعتقلونه؟ هل فعل شيئاً مخالفاً للقانون؟‏

- لا شيء، لكن ابنتك فعلت!‏

فلطمت الأم وجهها:‏

- وماذا فعلت ابنتي. انكم تتجنون عليها. اخرجوا من بيتنا. إنكم قليلوا حياء فقاطعها الرجل:‏

- احفظي لسانك أيتها العجوز!‏

وأشار إلى رجال الشرطة، فتوجهوا نحو قاسم الذي احتج:‏

- هذا ليس عدلاً. أنا لم أفعل شيئاً ولن أذهب معكم.‏

فقال الرجل بلهجة صارمة وهو ينظر إلى فاطمة.‏

- ونحن لا نستشيرك في الذهاب. ستأتي معنا وسنطلق سراحك حين تأتي أختك وتسلم جواز سفرها.‏

اقترب منه رجال الشرطة فتراجع إلى الوراء نظرت الأم إلى المختار متوقعة أن يفعل شيئاً، لكنه كان صامتاً مطأطئاًً رأسه، فاتجهت بسرعة نحو قاسم وأمسكت به تحاول حمايته، فدفعها أحد رجال الشرطة بقوة لتقع على الأرض صارخة، وصرخت معها في تلك اللحظة مريم وهي تراها ملقاة على الأرض عارية الرأس فركضت نحوها والأم ما تزال متشبثة بقدم قاسم الذي كانت زوجته قد راقبت المشهد في البداية بصمت لكنها لم تتوقع نهاية كهذه، فتقدمت محاولة تخليصه من بين أيديهم وتراجعت إلى الوراء، حين دفعها أحدهم بقوة. أما الآخر فاتجه فوراً بعد أن دفع الأم وراح يشدها من ثوبها إلى الخلف كي تفلت قدم ابنها.‏

ولم تستطيع مريم أن ترى أمها التي تقارب الستين من عمرها ملقاة على الأرض عارية الرأس والشرطي يشدها، فتقدمت بسرعة لتدفعه بعيداً عنها بعنف وأنهضتها.‏

ورأت مريم وحشاً جديداً كشر عن أنيابه.‏

وحشاً سمعت عنه الكثير لكن عينيها لم تتحسساه من قبل‏

كان يختلف عن كل الوحوش التي صادفتها‏

كان أكثرهم بطشاً وقسوة‏

كان أوقحهم وأعنفهم‏

كان أضخمهم وأشرهم‏

جروا قاسماً وأجلسوه في سيارة الجيب التي قدموا فيها‏

انطلقوا وبقيت زوجته تلطم وجهها وتبكي. أما الأم فقد أرادت أن تفرغ كل ما أصابها من إهانة وحزن وحنق في لعنات ودعوات كثيرة أطلقتها وراءهم.‏

لم يدم اعتقال قاسم طويلاً، فقد أطلقوا سراحه بعد يومين حين تدخل زوج شماء وعين محامياً. وتسلمت فاطمة دعوة رسمية لمراجعة دائرة المخابرات. فتوجهت إلى هناك في الموعد المحدد تاركة جواز سفرها في البيت. وحين عادت عند الظهيرة سردت تفاصيل تحقيقهم معها، وقالت إنهم أصروا على أن تسلم جواز سفرها، وحين يئسوا هددوها بأنه وإن بقي في حوزتها فإن ذلك لن يعني إمكانية حصولها على وظيفة بعد التخرج.‏

بقيت فاطمة بعد تلك الأحداث كئيبة مهمومة وباتت تميل إلى الوحدة حتى إن إنهاء مريم للمدرسة ونجاحها بتفوق لم يبعثا في نفسها فرحاً كبيراً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244