سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

20

ظلت فاطمة تقف في باب الغرفة تنصت إلى ضجيج السيارة التي توقفت أمام البيت، ولم تذهب إلى المطبخ لتدارك ما اقترفته مريم حين دلقت سطل الماء على الأرض.‏

من عساه يكون زائر المساء هذا؟‏

انقبض قلب الأم حين طرق الباب فارتابت وشربت الماء القليل في الكأس وقالت لمريم:‏

-لعله شخص جاء لزيارة قاسم اذهبي ونادي أخاك.‏

وقامت بتثاقل وهي تفكر أن زوار قاسم ليسوا من أصحاب السيارات، وأن شماء كانت في زيارتهم نهاراً ولن تعود مساء. فمن سيكون زائر المساء هذا؟!‏

ذهبت مريم إلى بيت قاسم واتجهت فاطمة نحو باب الباحة. وبعد دقيقتين عادت مريم لتخبر أن قاسماً غير موجود في بيته، وإذا بفاطمة واقفة في الباب تدعو باحترام شديد أحدهم إلى الدخول كانت الأم واقفة في الشرفة بانتظار التوضيح من فاطمة التي قالت لها:‏

- هذا زوج صديقتي يا أمي.‏

رحبت الأم به بتحفظ وبدا لمريم أنها رأته من قبل لكنها لم تتذكره ورحبت به كذلك.‏

دخل الضيف غرفتهن ودخلت الأم وراءه، أما مريم فاستوقفت فاطمة في الباب لتستوضح هويته، فأجابتها فاطمة بسرعة:‏

- أحد الرفاق، ودخلت.‏

استغربت مريم الأمر فما الذي يجيء بأحد الرفاق لزيارتهن مساء جلسوا جميعاً متحفظين، فبادر الضيف كلامه موجهاً حديثه إلى مريم:‏

- وصلت الموافقة على طلبك للدراسة في الاتحاد السوفييتي وقد حصلت على مقعد في إحدى جامعات موسكو، أعلمنا بالموافقة قبل عدة أيام لكنني شغلت في الفترة الماضية ولم أستطع إعلامك قبل الآن.‏

كانت المفاجأة أقوى من أي تعليق يمكن أن يدور بخلد مريم فصمتت وشعرت بالدم يتدفق بقوة إلى خديها. أهو وقع المفاجأة، أم الفرح، أم الخجل من هذا الرجل الوقور الذي كلف نفسه عناء القدوم إلى بيتهم من المدينة المجاورة في ساعة كهذه ليزف إليها الخبر.‏

حاولت أن ترد بشيء لكن قاموسها فرغ فجأة من كل الكلمات، حتى أسعفتها فاطمة بالسؤال:‏

- أي جامعة في موسكو؟‏

- لا أعرف بالضبط، لكن على الأغلب جامعة موسكو.‏

- وأي تخصص؟‏

صمت الرجل قليلاً ثم قال:‏

- غير متيقن لكن هذه ليست بالمشكلة، فهناك ستلتقين الأصدقاء (وعنى الرفاق) وسيرتبون موضوع التخصص الذي تريد.‏

بقيت الأم صامتة. فاستطرد الرجل موجهاً كلامه من جديد إلى مريم:‏

-يجب عليك في اليومين القادمين أن تسافري إلى العاصمة من أجل تقديم الوثائق اللازمة إلى السفارة السوفييتية لتحديد موعد السفر.‏

وراح يشرح أي أوراق يجب أن تأخذها معها، ومواعيد عمل السفارة، ثم هم بالخروج فاستوقفته فاطمة لتناول القهوة، لكنه اعتذر وخرج، ثم جلس في سيارته وانطلق.‏

كانت الطريق أمام بيتهم ترابية فأثارت السيارة زوبعة غبار صغيرة.‏

عادت الأم وبناتها إلى الغرفة وما أن دخلن حتى سألت الأم باضطراب:‏

- ألا شرحت لي الأمر؟ فأنا لم أفهم شيئاً.‏

لم تعلم الأم بسفر مريم من قبل لأن الموافقة لم تكن مؤكدة فراحت فاطمة تشرح لها الموضوع، وبقيت مريم صامتة تستمع إليها وكأنها نفسها لا تعلم بالأمر.‏

الزوبعة التي أثارتها زيارة ذلك الرجل لم تعكر الجو وحسب. لم تستطع بعدها فاطمة العودة إلى كتابها، وجلست الأم على فراشها بعد أن تهيأت للنوم دون أن تدلي بالكثير من الأسئلة كعادتها بل كانت أسئلة متقطعة يتخللها صمت مشحون بهواجس وشك وقلق:‏

- أيعلم قاسم بالموضوع؟‏

ردت فاطمة على الأم؟‏

- سنخبره حين يأتي.‏

- وإذا سافرت، فمتى ستعود؟‏

ردت فاطمة بطريقة حازمة:‏

- إذا سافرت يجب عليها أن تكمل دراستها أولاً ومن ثم تعود، وإلا فلم السفر من أصله؟‏

وساد الصمت المشحون من جديد. كانت الأم تدرك أن الإجابة عن سؤالها القادم سترعبها فترددت في الإفصاح عنه وبعد فترة تجرأت وسألت:‏

- وكم من السنين يستدعي ذلك؟‏

فردت مريم:‏

- ست سنوات يا أمي.‏

أحنت الأم رأسها وراحت تعبث بكفيها، تفركهما وتمسدهما، كأنها تستحثهما على فعل شيء، لكنها كانت تشعر بضعف شديد دب فيهما فحافظت على الصمت. إنه ليس بالحدث العابر الذي تستوضحه بالأسئلة إرضاء لفضول ما. وليس بالخبر المثير الذي يصبح مدار حديث قاتل لساعات الملل. إنه أحد الأمور التي قل ما تحدث وتمس شيئاً في الصميم، تعكر رتابة حياة مستكينة، فلا تعود الأسئلة ولا الأجوبة قادرة على أن تعيد إلى الروح طمأنينتها وهدوءها، وراحت تفكر: لماذا السفر؟ لماذا لا تدرس هنا كباقي أخواتها؟ ولماذا الهندسة؟‏

في تلك اللحظة لم تعنِ لها كلمة مهندسة أي شيء، ولم تبعث أي فخر في نفسها، بل كانت تتساءل: أيبرر كل ذلك ألم الفراق ولديها من الألم ما يكفيها؟‏

انتبهت مريم لصمت أمها، وبدت لها حزينة وضعيفة، وشعرت بفكرة تنخر قلبها: ست سنين!! هل ستقوين على انتظاري. وقفزت كمن لدغ فجأة، فخرجت من الغرفة وانخرطت في بكاء صامت ولم يحد من بكائها دخول قاسم باب الباحة الخارجي.‏

سمعت الأم صوت أقدامه فنادته بصوت عال. جلس وراح يستمع إلى فاطمة وهي تخبره بأمر سفر مريم. وجلست الأم تنظر إليه لعله يحتج ويرفض فيطفئ ما في قلبها من نار فتطمئن وتعود لممارسة حياتها وكأن شيئاً لم يكن، وكأنها رأت في منامها القصير قبل قدوم ذلك الغريب كابوساً مزعجاً أفاقت منه وقالت لنفسها "لعله خير" ونسيته.‏

وكعادته خيب قاسم أملها فسأل مريم:‏

-ستسافرين إلى روسيا إذن؟‏

ردت مريم بصوت منخفض: -نعم.‏

-وستدرسين الهندسة؟‏

فقالت الأم محاولة حث قاسم على الاحتجاج:‏

-لا أعرف كيف تسافر فتاة في الثامنة عشرة من عمرها وحيدة إلى دولة غريبة. ففي أي زمن نعيش، لا أدريّ‏

وتوجهت إلى مريم:‏

-حين سافرت شماء إلى العاصمة القريبة ترددناً وقلقنا. أما أنت فلا تعجبك سوى البلاد البعيدة.‏

خافت مريم أن يتأثر قاسم فعلياً بكلام الأم، لكنه فاجأها بالقول دون أن يولي كلام أمها اهتماماً:‏

-حين ستعودين مهندسة سنعمل معاً في البناء!‏

ولم تفهم مريم أكان جاداً أم ساخراً؟‏

تساءلت الأم مضطربة وهي تشعر بأن الأمور باتت تتطور بشكل جدي دون أن تستطع إيقافها:‏

-ألا تمانع في سفرها؟‏

فرد قاسم باستغراب مفتعل:‏

-وهل تستشرنني الآن؟ لقد فهمت أن فاطمة تخبرني وحسب، فما قيمة رأيي حين أكون آخر من يعلم؟‏

زاد اضطراب الأم، فقالت:‏

-ولكن..‏

ولم تدر بماذا تكمل كلامها. فصمتت بحزن. حاولت فاطمة أن تطمئنها:‏

-لا تقلقي يا أمي، ستمر السنوات دون أن تشعري بها، وستعود مريم إليك مهندسة تفتخرين بها.‏

راح قاسم يسأل عن تفاصيل الموضوع وعن وقت السفر وعن أمور أخرى لا تهم الأم بشيء، فاستمرت صامتة تفكر بالسنوات الطويلة التي ستضنيها.‏

خرج قاسم. وسكن الليل، وأوى كل إلى فراشه.‏

وبينما كانت الأم تطلق تنهداتها كانت مريم تنصت إلى صوت السيارات الذي لا ينقطع في ذلك الشارع المحمل برائحة السفر. كان يهيج في داخلها حنيناً إلى عالم بعيد فتشعر بالفضول والذعر والشوق معاً،‏

يمتزج في ذهنها حزن أمها بصوت السفر،‏

يمتزج الذعر بالحنين،‏

وتغفو على آهات أمها وضجيج السفر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244