سقف من طين - كفى الزعبي

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

21

مرت أيام عشرة بعد ذلك اليوم سريعة، متراكضة تحمل إليهم موعد الرحيل. عشية السفر لم تشأ شماء أن تودع مريم، قالت وهي خارجة:‏

-إنني لا أطيق الوداع. لنفترق وكأننا سنلتقي غداً من جديد.‏

ولم تتمالك مريم نفسها فحاولت الاقتراب منها كي تحضنها، لكنها ابتعدت عنها راجية:‏

-أرجوك يا مريم، لا تستفزي دموعي!‏

وركضت نحو سيارة زوجها فجلست فيها لتنطلق السيارة كالسهم. أدركت مريم أن شماء كانت مثقلة بدموع حارقة، فهربت لتحترق بها وحيدة.‏

أما عائشة فقبلت مريم طويلاً، حضنتها وبكت، ولم تزودها بكثير من النصائح كما كانت تفعل مع شماء. وقالت وهي تمسح دموعها:‏

-حافظي على نفسك هناك وعودي سريعاً مهندسة نعتز بك.‏

وصار للحزن في تلك الليلة مخالب تجرح روح الأم.‏

فتمنت أن تمد يديها لتغلق بهما مخرج الشمس.‏

لكن الشمس أشرقت سريعاً وجاء الصباح.‏

جهزت مريم نفسها واستعدت. وراحت تودع كل شيء في البيت، حتى الغرفتان الطينيتان أحبتهما في تلك اللحظة. تظاهرت بنسيان شيء في المطبخ فتوجهت نحوه، وقفت في داخله، وحضنت بنظراتها آخر مرة كل شيء فيه ونظرت إلى المكان الذي كان ينام فيه أبوها وبكت. وبحثت عن سكينه وقبلتها وضمتها إلى صدرها.‏

ثم دخلت الغرفة الأخرى ونظرت إلى الزوايا التي طالما جلست فيها، إلى السقف وجحوره وقالت في نفسها: ما زال صامداً! وتمنت أن يبقى هكذا إلى حين عودتها.‏

أحست أن الجدران مشبعة بأنفاس طفولتها، وخيل إليها أن الغرفتين تبكيانها، وستدلف قريباً من السقف قطرات دمع. وظلت تحدق إلى الفراغ والشقوق والجحور وتبكي إلى أن سمعت صوت زوج شماء الذي أتى ليقلها إلى المطار، فخرجت. راح قاسم وزوج شماء يضعان الحقائب في صندوق السيارة.‏

ودعت مريم أطفال قاسم وزوجته، واستعدت فاطمة للانطلاق معها. جلس قاسم في المقعد الأمامي، وحين همت فاطمة بدخول السيارة، قالت الأم:‏

-دعوني أذهب معكم‏

فردت فاطمة:‏

-لا يا أمي. من الأفضل أن تبقي هنا. فالطريق طويلة ومرهقة وسريعاً ما ستأتي عائشة فلن تبقي وحيدة حتى عودتي.‏

ثم دخلت السيارة وجلست في المقعد الخلفي تنتظر مريم.‏

اقتربت مريم من أمها. ها إن اللحظة التي تخافها قد حلت، وستنهار لا محالة، وأحست بيدي أمها تلتفان حولها وكأنهما لن تفلتاها أبداً، لم تكن نفسها تود الإفلات في تلك اللحظة. امتزجت دموعهما ودقات قلبيهما، وحطم البكاء أي كلام يمكن أن يقال.‏

بكت الأم بصوت عال ولم تقوَ على قول شيء.‏

وبكت مريم حتى تمزقت كل أوتار حنجرتها فلم تقل لأمها "وداعاً".‏

استحثها قاسم على الركوب كي لا يتأخروا عن موعد السفر، فأفلتتها الأم. دخلت مريم السيارة وجلست وراحت تنظر إلى أمها التي وقفت مسندة ظهرها إلى السياج وهي تخفي يديها وراء ظهرها، فقد خذلتاها ولم تقويا على الإمساك بمريم فراحت تحدق إليها.‏

انطلقت السيارة، ورأت مريم عيني أمها تنطلقان وراءها.‏

ابتعدت السيارة واختفت الأم عن ناظريها، لكن عينيها بقيتا تركضان وراءها تتعلقان بها، ترجوانها أن تكف عن هذا المزاح الثقيل وتعود، ثم تروحان تعاتبانها.‏

ابتعدت السيارة كثيراً، وتعدت حدود القرية وعينا أمها لا تتراجعان، رأتهما وقد تعبتا من الركض وراءها.‏

رأتهما تلهثان، تبكيان، ترجوان.‏

لكن السيارة تسرع مبتعدة بها.‏

وعينا أمها لا تكفان عن الركض وراءها واستجدائها، حتى وصلت السيارة المطار.‏

مر الوقت هناك سريعاً، وكانت مريم تروح وتجيء باضطراب، وتشعر لحظاتٍ بأن كل ما يحدث غير واقعي، وأنها لا بد أن تستيقظ في اللحظة التالية لتجد نفسها في غرفتهم فتخرج إلى المطبخ تطالعها أمها هناك وهي تقوم بعمل ما، وتجد كل شيء في مكانه وكأن عاصفة لم تثر ولم تبعثر الأشياء والأفكار والعواطف.‏

أفاقت على ضجيج الطائرات، وتنبهت إلى أنها واقفة أمام فاطمة لتودعها.‏

-فلتبكي إني أحب عينيك حين تبكيان. إنهما تزدادان جمالاً! ألم يقل لك أحد ذلك من قبل؟!‏

ضمتها فاطمة بشدة وقبلتها فبللتها بالدموع وابتعدت. ثم اقتربت مريم من قاسم. وقفا تفصلهما مسافة قصيرة. ارتبكت ومدت يدها، لكنه شدها إليه وحضنها. وأحست بشيء ينفجر في داخلها: آه ما أجمل وأتعس هذه اللحظة! لماذا لم يحدث ذلك من قبل؟!! قبلها على خدها وأحست بشعر ذقنه يخز وجهها وقلبها، وتمنت بصدق في تلك اللحظة أن تبقى، ثم ضمها زوج شماء وتمنى لها التوفيق. وانطلقت.‏

جلست مريم بمحاذاة النافذة الصغيرة في الطائرة واستعدت لمراقبة بلدها من فوق. حلقت الطائرة. وقررت مريم في داخلها أنها سترى الآن قريتها الصغيرة، سترى أسطح البيوت، وستميز بيتهم، وسترى نقطة سوداء تتحرك في ساحته. وستفهم أن تلك النقطة هي أمها. ستراها وستعرف ماذا تفعل في تلك اللحظة، وقد تكتب عن ذلك في رسالة تخطها ما أن تصل.‏

ارتفعت الطائرة عالياً، وحدقت مريم من خلال النافذة فلم تر قريتها ولا بيتهم ولا نقطة سوداء. رأت مساحات كبيرة تكسرت الحدود بينها وذابت جميعها في أصفر لا متناه تنتصب الشمس فوقه وتناغيه بألسنتها المشتعلة فيزداد اصفراراً.‏

حلقت الطائرة مبتعدة ببطء عن الأصفر.‏

وتباعد عن مريم ذلك المكان،‏

تباعد عنها ذلك الزمان،‏

ولم تكن تدرك وقتئذ أنهما سيستمران بالتباعد وإلى زمن طويل قادم!‏

إلا عينا أمها.‏

النهاية‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244