فـي مهـب الريح - تيسير دبابنه

رواية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Sunday, October 05, 2003 02:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قليلا ما كان يتابع محاضراته الجامعية، فشرب القهوة والشاي في كافتيريا الكلية، والأحاديث والنقاشات السياسية تأخذ فترة طويلة من وقت كثير من الطلبة.. والمشكلة أن طاولته تكاد لا تخلو ممن يحسبون على تيارات سياسية مختلفة، يذهب أحدهم ليأت غيره.. وفنجان القهوة تحول الى عادة صباحية، كثيرا ما كانت تمتد حتى فترة الغذاء فيحمل كل كتبه، مازال بعضها على حالتها،.. متوجها الى حيث مطعم الجامعة في القبو الواسع، حيث وجبة الغداء الغنية و الرخيصة الثمن ..‏

لا يعرف لماذا كان يشكل موضع استقطاب للآخرين.. هل هي دماثة خلقه، أم سعة اطلاعه، أم قراءاته الكثيرة التي تزوده بحصيلة معلوماتية واسعة، أم أسلوبه في الحديث وقدرته على ضبط أعصابه في المواجهات الساخنة، التي تشعر الآخرين بغضب مكبوت تفقدهم أعصابهم أو تدفعهم إلى الانسحاب.. لا يساوم في قناعاته، و لكن ليس من أولئك الذين يصادرون حق غيرهم في إبداء رأيهم، وربما هذه الميزة وحدها جعلته مختلفا عن غيره.. كثيرا ما كان يواجه بتلميحات قاسية من رفاقه السابقين، الذين يلازمون بعضهم بعضا في ساحات الجامعة، أو الكفتيريا أو المطعم ولكن هدوءه العجيب وابتسامته الودية، التي ترتسم على محياه كلما واجه موقفا مثيرا واستفزازيا تعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي، وتحرم الطرف الآخر من افتعال مشكلة، قد تتطور إلى التشابك بالأيدي وتصبح حديث الوسط الجامعي.. لقد سمع أمجد وهو أكثرهم تعصبا و شراسة يقول لرفيقه يوسف وهم على الطاولة المقابلة:‏

- أليس به دم يا أخي.. كل هذا الاستفزاز لم يثره..‏

وأجابه :‏

- انه أذكى من أن يمنحك هذه الفرصة.. رغم مخالفتي له، فإني احترمه..‏

- لكنه انتهازي سار مع أعداء الشرعية الحزبية.. لقد غرر بكثير من رفاقنا الذين التحقوا به.. يجب أن نوقف نشاطه‏

- أنت واهم يا صديقي، لم يعد قي مقدورنا أن نفعل شيئا ..‏

- علينا أن نمنع ذلك ..‏

- ما هذا الذي تقوله ؟ أن الانتماء مسألة شخصية.. لا يحق لنا قمع أحد.. لا نستطيع ..‏

- إننا نتراجع، لقد فقدنا حظوتنا لدى القاعدة الطلابية علينا أن نفّعل دورنا ..‏

-اليوم ليس كالأمس، والحماسة وحدها لا تكفى أخطاء قيادتنا هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه ..‏

نظر إليه و سأله ..‏

_ إن حديثك مختلف اليوم ما الذي تقوله يا رجل ..؟‏

_ هذه الحقيقة كما أراها.. لقد أغلقنا أبواب الحزب على أنفسنا، لم نمارس الديمقراطية فعلاً كما نفهمها داخل الحزب ألا ترى الأعداد الكبيرة التي تنضوي قي صفوف المنشقين.. وقيادتهم تتعاطى بعقل منفتح مع الجميع، وهي تتمسك بالشعارات والأهداف نفسها، إن ممارساتهم تلقى صدى إيجابياً واسعاً..‏

_ هيه..أراك تمهد الطريق للالتحاق بهم و العودة إلى صفوفهم..؟‏

_ لا.. ليس الأمر كذلك، ولن أتخلى عن رفاقي سواء كانوا صائبين أو مخطئين، ربما للعلاقة الشخصية جاذبية أقوى.. لقد حسمت الوضع.. وانتهى..‏

لم يلحظ أي منهما أنه استرق حديثهما و هما يتابعان الأكل بينما هو يقلب الملعقة بين أصابعه، و قد برد حساء العدس الساخن الذي يحبه قبل تناول الوجبة الرئيسية.. قليل من الرز، وبعض من الفاصوليا باللحم ورغيف من الخبز ازدردها بسرعة ولذة، وقد أنساه الحديث الذي لم يفوت منه كلمة واحدة مجاملة زميلته التي لم تكد تنهي بعض وجبتها، وقال لها معتذراً عندما أدرك خطأه..‏

_ نسيت نفسي، أرجو المعذرة.. يبدو أن جوعي هو السبب..‏

_ لا ليس كذلك، أنا أعرف السبب ألم تلاحظ أنك لم تتفوه بكلمة وأنت تصغي لما يقال على الطاولة المجاورة ..‏

_ هذا صحيح آسف ..‏

_ لا بأس لقد سمعت بعضه.. أعتقد أن الحديث السياسي يهمك أكثر من أي شيء آخر ..‏

_ ربما هو كذلك ولكن ليس كل الأوقات ..‏

_ أنت تغيب كثيرا عن المحاضرات.. وإذا افتقدك أحد يجدك في الكفتيريا.. ألا تمل من هذا الروتين ..‏

_ لا، كثيراً ما أنسى الوقت في هذه الجلسات مع الأصدقاء .‏

_ أنا لا أحب الحديث في السياسة، لا أعرف ما الذي يشدني إلى مرافقتك، معي تبدو شخصاً مختلفاً، تتحدث في كل شيء ما عدا الأمور السياسية ..‏

_ وهل يعقل أن أشغل جميلة مثلك بأمور لا تحبينها ..‏

_ أنت إنسان غير عادي.. أو هكذا أراك ..‏

_ هذا إطراء لا أستحقه ..‏

_ لا، بالعكس، زميلاتي يغتنمن الفرصة للقاء بك والاستمتاع بأحاديثك آه.. لا تنسى موعد رحلتنا غداً إلى بلودان الثلج على ارتفاع نصف متر، ستكون رحلة ممتعة ..‏

_ أنا خططت للرحلة، كيف أفوتها علي ..‏

كانت السماء تمطر بغزارة، وحبات البرد تتطاير على الجدار الزجاجي كاللؤلؤ البحراني، وتعصف بأوراق الورد في الحديقة المنحدرة حتى الملعب البلدي، تذكر زميلته الخليجية التي نادراً ما ترتاد هذا المطعم الذي لا يناسب ذوقها، أو على الأصح مكانتها كإحدى بنات شيوخ الخليج، رغم محاولاتها التمرد على تقاليد العائلة، والانطلاق بحرية غير مقيدة بأعراف القبيلة ..‏

انطلق القطار من محطة الحجاز متثاقلاً وعرباته القديمة تعج بالركاب والعائلات الذاهبة لقضاء يوم شتائي على ثلوج بلودان والزبداني، والبرد القارس في تلك المنطقة يتطلّب الاحتياطات الضرورية، والمعروف عن أهل دمشق محبتهم الخروج يوم الجمعة وقضاء الوقت بين أشجار الغوطة الوارفة الظلال أو على ضفاف بردى، ومرتفعات الضواحي القريبة.. لاتهمهم كثيراً وسيلة النقل، من لا يمتلك سيارة خاصة، يستخدم شاحنة كبيرة كانت أم صغيرة، أو عربة يجرها حصان، ولكن القطار يظل مفضلا على غيره. يغادر المحطة صباحا ويعود مع المساء عابرا أهم المناطق التي يرتادها المستجمون.. وتذاكر الركوب تكلف صاحبها مبلغا زهيدا يكاد لا يذكر ..‏

والحقيقة كما فهمها من سائقه، أن ليس هناك أي مردود ربحي، بل أحيانا تتحمل الشركة خسائر تشغيله، كان يجب أن ينسق من سنوات طويلة، إلا أن الحرص على العاملين إضافة إلى الهدف السياحي وتقديم الخدمات الرخيصة للمحتاجين، أبقاه أسير سكة الحديد تلك .‏

توقفت الأمطار ليلة أمس ويبدو الجو صحوا، إلا أن الريح الباردة التي كانت تنفذ من النافذة الزجاجية التي لم يتم إصلاحها ربما منذ فصل الصيف، تكاد تجمد الأيدي العارية، وكان بعض الصغار في المقصورة التي تقلهم يلتصقون إلى جانب أمهاتهم يفركون أيديهم طلبا لبعض الدفء.. أما أفراد الشلة فلا يبدو عليهم الاكتراث، فمنذ أن جلسوا على المقاعد العتيقة التي توحى باثاريتها اخذوا يتمازحون ويضحكون، يصفقون ويغنون فالإثارة التي تحدثها المجموعة لا تترك أحداً للهدوء وخاصة الفتيات الجميلات اللواتي أضفين جوا لاهيا ومرحا. وينتقلون من مقطع لأهزوجة ريفية أو أغنية لفيروز ومن لحن عراقي الى مغربي ..‏

والمسافة التي تقطعها السيارة بنصف ساعة أو اكثر بقليل، تحتاج من هذا القطار الأثري إلى ساعتين، ولكن الإحساس بالوقت غير وارد عند شباب منطلقين وعابثين.. عبر القطار وادي بردى فحجبت ظلال الأشجار الباسقة، والجبال الرابضة على جانبيه، نور شمس سرقت ريح شمالية قطبية أشعتها فأضفت العتمة جواً غرائبيا دفع بانفعالاتهم إلى أقصى حدودها وارتفعت معها وتيرة الغناء لتطغى على ضجيج الحديد وصفارة القطار، التي تكاد لا تهدأ ما بين منعطف وآخر، وبلغ الصياح مداه بعد تجاوز النبع الأخضر و الدخول إلى سهل الزبداني الفسيح الذي غمرته ثلوج ناصعة البياض، انعكست عنها أشعة شمس شتائية فتراءت أشجار الكرز والتفاح و الأجاص و السفرجل العارية و المنتصبة على امتداده، كلوحة أسطورية تخلب الألباب. ساد الصمت وانحشروا جميعا على النوافذ الزجاجية عيونهم منبهرة بهذا المنظر الساحر الذي يراه بعضهم لأول مرة في حياته، ولم يعد يسمع سوى صرير العجلات وكلمة ياه المعبرة عن اندهاش كبير ..‏

سارع الجميع إلى القفز من العربة، بعد أن توقف القطار في محطته الأخيرة. وأخذ الشباب يلقون كرات الثلج على رفيقاتهم اللواتي رددن عليهم بسرعة، تراكضوا، لحق بعضهم بعضا، انزلقوا على الثلج الذي غطى نصف سيقانهم، كان لهوا رائعا ولكن عليهم أن ينطلقوا مشيا إلى قمة الجبل، قبل أن يذهب النهار فالطريق الصاعدة الى هناك ليست قصيرة ..‏

ولأن صاحبنا عاصم ملم بأمور الكشافة فقد قاد المسيرة نحو الجبل ..‏

لم يكن الصعود سهلا فقد ازدادت كثافة الثلج في خاصرة الجبل، وغاصت أرجلهم حتى الركب، والوصول إلى القمة بات أمرا مستحيلا، فاسترخى كل مع صديقته على البساط الأبيض، مسندين ظهورهم على الصخور البارزة المبعثرة بلا انتظام، حيث الصمت و السكون يلف المكان وليس غير الأنفاس اللاهثة التي سرعان ما تتكثف متحولة إلى رذاذ ثلجي، إحساس غامض بالغبطة تدل عليه ضحكات جذلى يتردد صداها حتى المدى البعيد.. لا يدري كيف طوق ظهر صديقته بيده عابثا بخصلات شعرها الحريرية، وهي مستكينة إلى جانبه كحمامة أموية، وبدا له أنها تنتظر المزيد و قد تخيل حرارة جسمها اللافحة في هذا الجو الجليدي مختزلا حرارة صحراء الخليج و الربع الخالي معا .‏

إلا أن ثمة هاجسا داخليا، كثيرا ما يمنعه من التعبير عن عواطفه الجياشة مع صديقاته اللواتي كثيرا ما ضقن ذرعا به..‏

حاول أن يجد تفسيرا، هل هي برودة ذاتية ..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍أم توصيات أمه التي لا تمل من تكرارها كلما تحدثت إليه ..إن أحببت واحدة لا بأس ، أما أن تعبث بقلوب بنات الناس فلا.. كثير من أصدقائه لا يلقون بالا لذلك ..‏

نسيم ينتقل من واحدة إلى أخرى، يغيرها كما يغير قميصه، وكذلك عصام، نزيه الوحيد الذي يماثله في سلوكه .. هل هو كبرياؤه النبيل الذي لا يسمح باللعب في قلوب الأخريات.. ربما ..‏

قالت مريم التي غمرها إحساس بالسعادة و النشوة وهي تجول بعينيها على بيوت البلدة المعمدة بالثلج والمستلقية بخشوع على سفح الجبل ..‏

- أتعرف لماذا أحب مرافقتك دون الآخرين ..؟‏

- لماذا..‏

- أشعر باطمئنان كبير كلما كنت معك ..‏

- هذا يسعدني كثيرا ..‏

- هناك شيء فيك يجذبني إليك لا أعرف تفسيرا له ..‏

- هذا يشبع غروري يا مريم ..‏

- لا لست مغرورا.. الكل يعرف ذلك.. ولكن هناك شئ غامض محبب في شخصيتك ..‏

- كنت أعتقد أني واضح كهذا الثلج الناصع البياض ..‏

- المرأة أقدر بكثير على فهم الرجل، حتى فهم الرجل لنفسه ..‏

- من يمتلك عينيك الصحراويتين قادر على اختراق قلب أي رجل ، لا بل على اغتياله ..‏

- أنت تسلبني بتعابيرك دائما، لا أنكر أنني ابتهج من أعماقي ..‏

مسح بيده على شعرها المسترسل كخيوط حرير صينية، يراهن على أن جسدها المعمد بشمس الخليج، وحكايات حوريات البحر، وأغاني غواصي اللؤلؤ، تآلفت معا لتبعث هذه الأميرة تحديا لجميلات المتوسط ، اللواتي يبحثن عبثا عن هذا السحر البرونزي القاهر ..‏

لماذا لا يملك الجرأة ويعتصرها في أحضانه.. لا.. يكفي الاستغراق في هذا الحلم الجميل، لن يخل بوفائه لحبيبته..‏

قالت بعد أن ضغطت على يده ..‏

- إني أحسدها كثيرا على رجل مثلك.. لقد ملكت قلبك، وروحك، يبدو انك لست معي أنت معها ..‏

وتعثر بالتعبير بعد أن فاجأته بسؤالها.‏

- من تقصدين ،.. لماذا تذكرينها ونحن معا ؟‏

- لا تكابر إنها معك في كل مكان، أنا أفهم شرودك ربما تتخيلها مكاني ..‏

- أنت بالنسبة لي أفضل الصديقات والأصدقاء.. وتعرفين لماذا لا أتجاوز حدودي، هناك من يعد الأيام لعودتك ..‏

- أخشى أن لا أجد الرجل الذي أحلم به ..‏

- ماذا ..؟أي رجل سيكون أسيرا بين يديك.. تشكلينه كما تريدين ..‏

- أنا أحتاج العكس، ليتني أحظى بذلك.. لم يبق إلا بضعة شهور على تخرجي.. وارحل بعدها إلى بلدي .أحس بكآبة كلما تذكرت ذلك ..‏

- أنت تتصورين ذلك ولكن حياتك الجديدة تنسيك الحياة الجامعية، ستكون لك اهتمامات مختلفة .‏

- لماذا لا تأت إلى الخليج ، سأوفر لك، أفضل عمل وظيفي ..‏

- لم أفكر بعد بهذا الأمر يا مريم، لننتظر حتى نهاية العام الدراسي.. ولكن مثلي غير مرغوب به عند حكومتكم ..‏

- لا عليك أنا سأتدبر الأمر ..‏

- مازال الوقت مبكرا.. أمامنا وقت طويل ..‏

لا يعرف كيف اقتربت شفتاه من ثغرها الملتهب، واعتصر حرارة مخزونة منذ سنوات طويلة حولت صقيع الجبل لأتون محترق لسويعات قليلة، ساد بعدها صمت وسكون لم ينبس أي منهما بكلمة.. هل نكث وعده، أم نسي نفسه في لحظة منفلته لم يملك القدرة على التحكم بها..؟‏

سارعت الريح القطبية من حركتها ، حاملة معها نتفات الثلج الناعمة، أنهضها بيدها وصاح على زملائه للعودة، وانحدر الجميع باتجاه البلدة بخطى أسرع، وهمة أكبر، بعد استراحة ليست قصيرة أودع فيها المحبون حكاياتهم بين صخور الجبل الصامتة ..‏

***‏

 

يتبع...

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244