|
لم تجد اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام للاتحاد مكانا يمكن أن تجمع عليه الأطياف السياسية الطلابية كافة، أفضل من مخيم للمقاومة على مشارف صيدا في الجنوب اللبناني في الوقت الذي تعذر فيه عقده في أي عاصمة أخرى نظراً لحسابات هذه الجهة أو تلك.. والأحداث المؤسفة التي شهدها الأردن وأدت إلى خروج المقاومة، لم تلئم جروحها سنة ونيف. و كان للإحساس العميق بمرارة التجربة و بعض الممارسات الخاطئة لقيادات المقاومة التي صادرت دور القوى الوطنية و القومية وألحقتها بسياساتها سببا في دفعها لتقديم الدعم المطلوب للحركة الطلابية الأردنية كتعويض نفسي واعتراف بفشل الشعار البائس "كل السلطة للمقاومة " الذي كان له تأثير حاسم في إحداث الخلل لغير صالحها .
كانت الخيمة العملاقة تنتصب في ميدان واسع قريب من البحر، وتنتشر حولها عدة خيم تبدو إلى جانبها كالأقزام، وقد اكتظت بالمؤتمرين والمدعوين من مختلف التجمعات الطلابية العالمية التقدمية الذين اعتراهم شعور غامر بالسعادة فهي فرصة نادرة تتاح لهم في هذه المنطقة، التي تشغل العالم كله.والكرم العربي يتجلى حتى في أقسى الظروف وأعسرها ..
لم يكن مؤتمراً طلابياً عادياً، وإنما كان بمثابة مؤتمر وطني، التقت فيه جميع فصائل المعارضة، ماعدا الأخوة الشيوعيين الذين رفضوا إلا أن يكونوا رهائن خوفهم من ذوبانهم وتهميش دورهم، ولكنهم شاركوا كمراقبين ..
ولم يكن الائتلاف سهلا بين قوى متصارعة كل يدعي صواب نهجه، وكان الخلاف الأشد بين البعثيين أنفسهم، الذين كانوا إلى عهد قريب في مسيرة واحدة، ووجد عاصم نفسه في مواجهة مريرة مع صالح أشدهم ادعاء بالثورية وقدرة على التشكيك و الاتهام، الذي حاول جاهدا عزله مع رفاقه، ولكن ردوده الهادئة ودبلوماسيته المرنة وحرصه على الوحدة الوطنية أرهقت خصومه، فاستسلمت للمنطق الموضوعي بعد ساعات طويلة من النقاش، داخل خيمة لا تحفظ أسرارها كثيراً. وتم الاتفاق على القضايا الإجرائية التي كان من أهمها عضوية مكتب رئاسة الاتحاد الذي كان لصاحبنا مقعداً فيها .
افتتح المؤتمر بكلمات ممثلي الوفود عربية وأجنبية، حيَّت طلبة الأردن ومنظمتهم الطلابية، ودورهم الفاعل في مسيرة الحركة الوطنية، ولم يخلُ أي خطاب من الجمل الثورية، والتأكيد على اندحار القوى الإمبريالية و الصهيونية، واستشراف المستقبل المنير لحركة التحرر العالمية، وأبرز من تحدث منهم ممثل طلبة فرنسا الذي أوفده التيار الماوي المسيطر عل مقر اتحادهم، بعد أحداث الثورة الطلابية الفرنسية والذي تسلم الدعوة لحضور هذا المؤتمر.. كان صوته الراعد وعباراته العنيفة، تكاد تخترق قماش الخيمة، ويتجاوب صداها الذي يشتد في المقاطع التي تهاجم الإمبرياليين والصهاينة والرجعيين، وتمجيد ذكرى ثورتهم، التي تؤسس لثورة طلابية عالمية، ولكن الجو الحماسي الذي قوبل به، سرعان ما تخلله همسات وبسمات، عندما أخذ يشيد بما سماه "بسوفياتات اربد " التي واصل تردادها بين مقطع وآخر، معتقداً أن هناك عشرات الألوف من عمال هذه المدينة شاركوا في الدفاع عن وجود المقاومة، وهو لا يدري أنهم بضع مئات لا يدخلون في تصنيف مفاهيمه عن الطبقة العاملة، وكاد الضحك ينفجر في القاعة ويؤدي إلى إحراج كبير لولا ثمة ضوابط ذاتية ومعرفة جهله بالأمور التي تحدث عنها، والتي أدرك كثيرون أنها نتيجة تأثره بالحملة الإعلامية التي وجهتها قوى تبنت الماركسية وخاصة في الأوساط الطلابية الغربية.. كان التصفيق حاراً بعد إنهاء كلمته التي أضفت جواً من الحبور على المؤتمرين.. و نظر عاصم إلى زميله ميشيل القادم من إيطاليا.. وقال له ضاحكاً:
- نشاطكم الإعلامي لا يضاهى، وتأثيركم في المجموعات اليسارية في الجامعات الأوروبية واضح رغم قلة عددكم ..
- الإعلام له دور أساسي في تشكيل الرأي العام، ولكن توطيد العلاقات مع هذه القوى له الدور الأهم .
قال عاصم ضاحكاً :
- وهل أنت مقتنع بفهمه ..
- ليس المهم تعبيراته، هو يجهل واقعنا الإجتماعي المهم أنه منحاز إلى جانبنا ..
- صدقني أني استمتعت بخطابه، ذكرني بأسلافه الذين قاموا بثورتهم قبل مائتي عام ..
- كانوا عنيفين بلا شك ..
- صدى انتفاضتهم الطلابية ما زالت تتفاعل في الأوساط الغربية، ولكني أعتقد أن هناك جهات مشبوهة لعبت دوراً تخريبياً في أهدافها ..
- ما قادت إليه من نتائج يدل على ذلك ..
أعلن سامي رئيس المؤتمر الذي انتخب بالإجماع نهاية الجلسة.
كان المؤتمر مناسبة للقاء الأصدقاء القدامى والتعرف على أصدقاء جدد. عانق بحرارة صديقه حميد الذي قضى دراسة الثانوية جالساّ إلى جانبه على نفس المقعد الدراسي، تلك أيام لا تنسى تجول بالذاكرة ولا تبرحها وتبدو حلماً جميلاً لفتوة متدفقة نشطة تدفع حيويتها خيالاتهم إلى آفاق لا متناهية، إلى الحد الذي يعتقدون فيه أنهم قادرون على تغيير العالم يوماً ما دون اكتراث بواقع الحياة وشروطها التي لا تتماهى مع أحلام الصبية وتطلعاتهم ..
- كم أنا مشتاق إليك.. لم أعرف عن أخبارك منذ ذهابك إلى إسبانيا.. طمئني عنك ..
- أنا مشتاق إليك أكثر، ومنذ أن دعيت لحضور المؤتمر وأنا متأكد أنني سألتقي بك، إنها مناسبة رائعة ..
- كدت لا أعرفك وشعرك متهدل وشارباك الكثيفان غيرا كثيراً من صورتك في مخيلتي .
-كلنا نتغير يا عاصم.. مازلت أحمل صورنا معاً أيام الثانوية، كانت فترة جميلة في حياتنا من كان يتخيل أننا سنلتقي هنا في جنوب لبنان بعد كل هذه السنوات الطويلة ..
- أجمل ما في هذا المؤتمر مكان انعقاده، يذكرني بمعسكرات الحسين الصيفية والعريف غطاس الذي كان يبذل جهداً كبيراً لضبط المسير، ونحن نتقصد إثارته، و عندما ينتظم الطابور يخلع حطته ويضربها بالأرض صائحاً.. تحيا كاريوكا..
ضحكا من أعماقهما واتجها نحو الشاطئ القريب.
كانت أشعة الشمس قد شارفت على الزوال فانعكست على السطح اللازوردي متلألئة مع الموج الخفيف راسمة لوحة رائعة ما بين شفق الأفق والبحر..
قال حميد:
- فلنسيا مدينة رائعة، شاطؤها يضج بالحياة، أما هنا فالشاطئ ساكن موحش لا ترى فيه إلا بعض النوارس الهائمة، اعتبر نفسك مدعوا منذ اليوم لزيارتي، لا تتحمل سوى أجرة الطائرة ..
- كم بقي على تخرجك من الجامعة ..
- هذا سؤال لا أستطيع الإجابة عليه.. مازال هناك وقت طويل ..
- فهمت.. سأحاول ..
وأشار بيده إلى حسناء تقف مع بعض زملائهم وسأل حميد:
- من تكون هذه ..؟
- إنها.. زوجة حامد ألا تتذكره ..
- بلى.. تبدو سعيدة جداً ..
- هذه رحلة استثنائية بالنسبة لها.. لن تنسى ذكرها أبداً.. كنت أتمنى لو أحضرت زوجتي معي.
- هل أنت متزوج يا حميد ..
- نعم ..
- ومن هي سعيدة الحظ ..
- إسبانية، لكن أهلي لا يعرفون حتى الآن آمل أن لا تفشي السر ..
- لقد فاجأتني.. أتمنى لك التوفيق.. ولكن قل كيف توفق بين دراستك وزواجك.. هل هي طالبة معك ..؟
- لا، إنها موظفة، لا فرق، نحن نتعاون معاً، إننا متفاهمان على كل شيء..
- هل تعتقد أنها ستعيش معك في الأردن مستقبلاً ؟
- و لِمَ لا.. لقد أفهمتها طبيعة مجتمعنا عاداتنا وتقاليدنا كنت سأحضرها معي لولا ارتباطها بالعمل ..
- ما هي أخبار سهى، أذكر أنك أقسمت بأن لا تتزوج غيرها ..
- كانت أحلام مراهقة.. الدنيا تتغير يا صديقي حقيقة لا أعرف عن أخبارها شيئاً منذ ثلاث سنوات، لم يكلفني زواجي اكثر من خاتم الخطوبة و كعكة حلوى و قليلاً من زجاجات النبيذ ..معظم الدارسين في البلدان الأوربية يتزوجون، بعضهم يعودون مع زوجاتهم و شهاداتهم الجامعية و بعضهم بزوجاتهم فقط.
- و أين تضع نفسك أنت .
- أنت تعرف أن عودتي بلا شهادة انتحار.. سأحصل عليها و لو تأخرت بضعة سنوات ..
- ألا تعتقد أن اختلاف البيئة يؤدي إلى اختلاف التفكير..؟
- لا، الإنسان يتكيف حسب ظروفه ..
- ربما.. ولكن ألا تشعر بالغربة في بلد غريب ؟
- أحياناً ..
- هذا يدل على عدم اندماجك كليا في محيطك فموروثنا الثقافي مختلف.. مهما حاولت تبقى غريبا بالنسبة لهم ..
- أنت قومي متعصب، الإنسان إنسان في كل زمان
ومكان ..
- هذا حكم ظالم، أرجو أن لا تفهمني خطأ.. أنا لا أقصد التشكيك في اختياراتك.. لكل حياته التي يعيشها كما يريد ..
وإنما أتحدث بشكل عام ..
- حسنا .. وماذا عنك.. إني متلهف لأخبارك .
- سأتخرج هذا العام من قسم الفلسفة و الاجتماع والتحق بالدراسات العليا.. ما زلت أعزباً، و لكنني أفكر بالزواج ..
- هذه أخبار سارة أهنئك من كل قلبي لا تنس أن تدعوني يوم عرسك سأعطيك عنواني و لا تنسى مراسلتي ..
- بالتأكيد هذا أمر مفروغ منه.. ألن تزورني في دمشق بعد نهاية المؤتمر؟
- أتمنى ذلك، و لكن ظروفي لا تسمح سأعود مباشرة إلى فلنسيا ..
- و أهلك.. ألن تذهب إلى عمان ؟
- أنت تعرف الظروف السائدة هناك.. في ظل الأحكام العرفية
تكون مخاطرة كبيرة لا داعي لها.. تحدثت مع أهلي قبل مجيئي إلى
هنا. سألتقي بهم في بيروت
- أوافقك الرأي، العودة الآن مخاطرة.. سلم لي كثيرا على والديك ..
نظر عاصم إلى ساعته و قال منبهاً صديقه:
- لم يبق سوى دقائق على بداية الجلسة المسائية علينا بالعودة لم يبق لدينا وقت ..
و اتجها معا إلى قاعة المؤتمر داخل الخيمة الكبيرة .
مع غياب الشمس وانسدال العتمة.. بدأت أضواء خافتة لقوارب الصيادين تضيء مساحات صغيرة في البحر، جاذبة الأسماك التي لم يتبق منها الكثير حسب ما سمع من صياد عجوز بعد أن أهلكتها مفرقعات الطامعين بالصيد السهل من غير أصحاب المهنة مع غياب الرقابة والمحاسبة وفقدان الضمير. وازداد أسفه لحكاية الصياد مع صوت دوي انفجار بعيد في عمق البحر، تمنى أن يكون ضد قارب للعدو.. وقال في نفسه ربما هو كذلك.
و تلاشت آثار أقدامهم المرتسمة على الشاطئ مع امتداد الأمواج وهبوب ريح خريفية قوية كانت تصفق جنيات الخيمة محدثة فرقعة قوية أضاعت معها بعض كلمات المتحدثين رغم إصغائه للرد على الأفكار المطروحة أو المواقف الصادرة عن بعضهم معتقدين أنهم يملكون الحقيقة و حدهم ..
***
|