رِحْلَةُ الوَلَدِ السَّوْمَريّ - أَجْوَد مِجْبل الخَفاجي

شِعْرْ - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من أوراقِ حُنَيْن البغدادي

[مقطع عرضي لمدينة]‏

كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

كمْ ابتعدْنا عن أناقةِ المياهْ‏

وبابلٌ تحتَ الأبابيلِ‏

قصيدةٌ لها ملامحُ الأجدادْ‏

كم ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وكمْ تفتَّحتْ وراءَ لَعثماتِنا مَسافهْ‏

ودجلةٌ يرزُمُ في حقيبةٍ ضِفافَهْ‏

يرحلُ ، كي يسألَ عنَّا،‏

حاملاً تكسُّراتِ الكرْخِ والرصافهْ‏

على السهولِ دمعةٌ‏

تبحثُ في خِزانةِ الغروبِ عن بكاءْ‏

وفي البعيدِ كانتِ الشمسُ تَضيعُ،‏

تَمَّحي الأسماءْ‏

حُنَيْنُ ماعادَ إلى البيتِ،‏

وخُفَّاهُ مُعلّقانِ في المَزادْ‏

سأَنطلي على الدروبِ كي أراهْ‏

موعدُنا بينَ رصاصتَينْ‏

سأقْتفي دمي لكي أراهُ‏

قالَ غلامٌ: قد رأيتُهُ ضحىً‏

مُخَضَباً باسمِهِ بينَ سَحابتَينْ‏

قالَ فَتىً: رأيتُهُ يخطُبُ بالمَوتى‏

قُبَيلَ الفجرِ في مقبرةٍ، ويقرأُ المياهْ‏

لابدَّ أنْ أراهْ‏

وأنْ أرى احتكامَةَ الحُكّامِ في عينيهِ،‏

وانسكابةَ السَّوادْ‏

كم ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وهي أنينُ ابنِ زُرَيْقٍ،‏

إذْ سَباهُ القمرْ الكرْخيُّ أشواقاً،‏

فماتَ فوقَ صخرةٍ،‏

لكنّهُ مازالَ يأتي يطرُقُ الأبوابْ‏

يُبعَثُ كُلَّ لَيلةٍ،‏

إذا التقى العشّاقُ في بغدادْ‏

كمْ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وهي حَنِينُ ابنِ جُرَيْجٍ(1)،‏

إذْ يَصيحُ والِهاً:‏

( لي وطنٌ آليْتُ ألاَّ) (2)‏

أخلَعَ الوحشةَ إلاّ فيهِ‏

مهما التبسَ الإيابْ‏

وهي فُكاهاتُ أبي دُلامةٍ،‏

وَوَعْظُ بُهْلُولٍ،‏

وإمتاعُ أبي حيّانْ‏

وهي أبو نُواس الظريفُ،‏

إذْ يَسألُ في الحاراتِ عن جِنانْ‏

وأغنياتُ المَوْصِليِّ،‏

والأصابعُ التي زَها بها زرْيابْ‏

وهي الشناشيلُ التي‏

كمْ زَلِقتْ شموسُنا منها،‏

وكمْ مرَّ بها سُهادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وهي عُيونٌ للمَها وأدمُعٌ،‏

ونجمةٌ تطْلُعُ مِنْ حَفاوةِ الشطآنْ‏

وهي الندى الصَّيفيُّ،‏

والجُسورُ فوقَ دجلةٍ،‏

والسَّمَكُ السهرانْ‏

وهي انخطافُ الهمسِ بين قُبْلٍة وقُبْلَهْ‏

وهي بقايا عِطْرِ ألفِ لَيْلَهْ‏

وهي هُطولُ الوَلَهِ الكَوْنِيِّ،‏

والنخلُ،‏

وحرْفُ الضادْ‏

وهيَ جَنازةٌ،‏

رماها الجُنْدُ فوقَ الجسْرِ يوماً،‏

ثم نادَوا حولَها:‏

هذا إمامُ الرافضينَ جاءكُمْ،‏

وآخِرُ العُبّادْ‏

فهرولتْ إليهِ آلافُ الحقولِ، والفصولِ،‏

والمواسمِ التي أتْعَبَها الغيابْ‏

وابنُ سُوَيْدٍ واقفٌ للآنَ فوقَ الجسرِ،‏

مشدودٌ إلى الميعادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وهي تَكايا الأولياءِ،‏

والمساجدُ التي ما رَطَنَتْ يوماً،‏

ولا خافَ بها أذانْ‏

وهي خُطى بِشْرٍ يَدُورُ حافياً،‏

وقِبْلةُ الزهّادْ‏

وهي تَواريخُ الحفيفِ،‏

وانكشافاتُ الجُنَيدِ،‏

والكُوى، والعِشقُ، والأفياءْ‏

يومَ خرجْنا،‏

كانَ في وداعِنا الرضِيُّ،‏

بالعِمامةِ السوداءْ‏

وكانَ قُرْبَ السورِ،‏

حاسراً طعيناً، يُومِئُ الحلاّجْ‏

يصرُخُ بالسيّافِ:‏

هيَّا افتحِ الرِّتاجْ‏

إنَّ نَديمي سوفَ يأتي،‏

عَبْرَ تلكَ الريحِ والأمواجْ‏

كان به مس من اليقينِ،‏

فانحنى،‏

ودَسَّ خاتَمَ الثورةِ تحتَ السورِ،‏

غيرَ عابِئٍ بقامةِ الجلاَّدْ‏

ثمّ اختفى،‏

مُغرَورِقاً بالوجْدِ والإيماءْ‏

كَفّاهُ في السماءِ نَجْمَانِ،‏

وعَيناهُ على بغدادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وكمْ تَناءَتِ الغُصونُ،‏

تحتَ غيمةٍ من التوعُّكِ المَديدِ،‏

كنّا نسألُ الشهورَ عن حُنَيْنٍ الفقيدِ،‏

إنْ كانَ إلى بُستانِهِ قدْ عادْ‏

قالَ الخَفيرُ:‏

قد تركْتُهُ بلا رأسٍ ولا خُفَّيْنِ،‏

في السوقِ يُغنِّي باكياً،‏

ويشتُمُ السلطانْ‏

لم يُمهلوه لحظةً،‏

ليكتُبَ العُنوانْ‏

لكنَّنا بَعْدَ سنينٍ،‏

عَثَرَتْ دماؤنا بِهِ،‏

وكانَ حزنُهُ ضَفائرَ الشمسِ،‏

تُغطِّي عَتَباتِ السجْنِ والسجّانْ‏

ينزِلُ في القُرى،‏

مع البُروقِ كلَّ مَرَّةٍ،‏

ويُشعِلُ الأسوارْ‏

يجلِسُ تحتَ نخلةٍ،‏

ويَجْمَعُ الصغارْ‏

وذاتَ يومٍ ناحلٍ قالَ لهمْ:‏

تَذكَّروا،‏

أنَّ الترابَ دفترُ اللهِ الذي‏

تَخجَلُ منهُ النارْ‏

وحِبْرُهُ السرِّيُّ هذهِ الدماءْ‏

ثمَّ أَشارَ،‏

نحو جَهْشةِ الغيابِ في عيونِهْم،‏

وقالْ:‏

الوطنُ الجنَّةُ،‏

مهما ابتعدَتْ أقدامُكمْ عنْهُ،‏

وماتَ خلفَكم نهارْ‏

تذكَّروا موعدَنا هناكَ يا أطفالْ‏

ثمَّ مضى مُبتعداً،‏

يلْتَفُّ بالأسماءْ‏

ويَسألُ الريحَ عنِ البلادْ‏

وصوتُهُ يخضرُّ،‏

كلّما تلاقَتْ فوقَهُ الأَمطارْ‏

قدْ حفِظَ الأطفالُ ماقالَ لهمْ،‏

ولم يَزَلْ يحفظُهُ النخيلُ،‏

والأنهارْ‏

وفي الربيعِ،‏

تُقبلُ الطيورُ كي تزورَ ظِلَّهُ،‏

وتُعلِنَ الحِدادْ‏

ومالِكُ الحزينُ مازالَ حزيناً،‏

في خرائطِ الرمادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

وكمْ تشبَّثَتْ بنا أصابعُ‏

وراودَتْنا أدمُعٌ عن نفسِها‏

وانكسَرتْ شوارعُ‏

أَصْفارُنا تراكمَتْ‏

على يَسارِ الوقتِ أكْداساً،‏

ولم يكُنْ لنا حصادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

هناكَ لم تزَلْ لنا نوافذٌ،‏

ولم يزَلْ في ساحةِ التحريرِ‏

واقفاً جوادْ(3)‏

يُشير للآتينَ مُثْخَناً بدمعتَيْنْ‏

وقُرْبَهُ كانَ ابنُ مَرْدانٍ على مِصطَبةٍ،‏

يحترفُ النسيانْ‏

حُروفُهُ عاريةٌ(4)،‏

ووجهُهُ يُشاكِسُ الزمانْ‏

(في الطَابَقِ الرابعِ مِنْ عِمارةٍ)،‏

كانَ ابنُ يوسُفٍ حزيناً،‏

راحلَ العينيْنْ‏

نَخْلُ السماوةِ (5) استدارَ حولَهُ،‏

وغِرْيَنُ النَهْرَينْ‏

وكلَّما بكى بكَتْ بغدادْ‏

مُظَفَّرٌ والأَبجديَّاتُ تُغَطِّيهِ،‏

تَدُقُّ ساعةَ القِشْلَةِ(6) في جبينِهِ،‏

فيبدأُ الأسفارْ‏

يحمِلُ دفتراً،‏

وأسمالَ أبي ذَرٍّ،‏

ويمضي في (قطارِ الليلِ)،‏

مفتوناً بكلِّ نَسْمةٍ مرَّتْ على بغدادْ‏

بغدادُ يا بَرْحـيَّةَ (7) النخيلِ،‏

ياسبائِكَ الهديلِ،‏

ياقارورةَ البكاءْ‏

يا رعشَةَ اللّقيا،‏

وطَعْمَ الماءْ‏

بغدادُ هذا سيّدُ النخيلِ،‏

يلتقيكِ تحتَ خيمةٍ،‏

أَغْفى بها يقظانْ.‏

يقطِفُ قيلولةَ نورسٍ، ويعدو هاتفاً:‏

( ما اشتبكَتْ عليكَ أَعْصُرٌ)،‏

ولا خَبا بليلِكِ الغزيرِ شَمْعَدانْ‏

إلاَّ وكُنتِ للشموسِ مَرْفأً،‏

وللضحى مِيناءْ‏

بغدادْ‏

على الخليجِ مُتْعباً،‏

قد وقف السيّابْ‏

وفيقة(8) تفتَحُ شُبّاكاً لِلُقيْاهُ،‏

وإقبالُ(9) تناديهِ فلم يسمعْ،‏

سِوى أغنيةٍ تَسيلُ مِنْ مقهىً،‏

وراءَ الدمعِ،‏

فيها نفحاتٌ من شَذى بغدادْ‏

كمِ ابتعدْنا عن هوى بغدادْ‏

عبْدُ الوهابِ والأباريقُ التي‏

مامُلِئَتْ يوماً،‏

ولا كانَ لها مكانْ‏

عائشةٌ(10) لم تأتِ بَعْدُ،‏

كي تُريقَ شعرَها بين يديهِ،‏

كانَ بابُ الشيخِ(11)‏

بابَ اللهِ في عينيهِ،‏

والنهايةَ المِيلادْ‏

ماتَ وحيداً كالنسورِ،‏

عالياً في حَضْرَةِ الرياحْ‏

مُلتبساً بنيزكٍ،‏

يأتي مع الصباحْ‏

جَبْهَتُه العريضةُ‏

ارْتَمَتْ بها الراياتُ والبحارْ‏

وفي شُحوبِهِ غَفَتْ بغدادْ‏

بغدادْ‏

خُطى الجواهريِّ في الساحاتِ غَضَّةٌ،‏

وصَوْتُهُ الهديجُ،‏

والطاقيةُ(12) التي تلاقتْ‏

تحتَها الأَضدادْ‏

إذْ يُشعِلُ الدنيا بإصبَعَيْنْ‏

ويَنزوي‏

مُودِّعاً بدمعِهِ النُّدمانْ‏

أوراقُ مقصورتِهِ التي‏

مضى الموجُ بها،‏

لابدَّ أنْ تَظهرَ يوماً،‏

كشموعِ الخِضْرِ فوقَ الماءْ‏

وجعفرٌ(13) يعلمُ أنَّ جُرْحَهُ فَمٌ،‏

وأنَّ قبرَهُ يدانْ‏

بغدادْ‏

كمْ أنتِ تغرَقينَ بالأسرارِ يا بغدادْ‏

ظَلَّ الرُّصافيُّ على وِقْفَتِهِ(14)‏

رَغْمَ الصواريخِ التي مرَّتْ به‏

والجوعِ والأحزانْ‏

ينظُرُ نحْوَ دجلةٍ كعاشقٍ،‏

وطائرٌ الفينيقِ حطَّ فوقَ كِتْفِهِ‏

ولم تزَلْ رَغْمَ الليالي‏

يدُهُ في جَيبِهِ‏

وشارعُ الرشيدِ مازالَ‏

لكلِّ ضائعٍ عنوانْ‏

مرَّ الحُصَيْريُّ(15)‏

وكانتْ كأسُهُ تَختصِرُ الأشياءْ‏

يَطوي خُطاهُ مُسرعاً‏

لحانةٍ في ساحةِ المَيْدانْ(16)‏

يهتِفُ بالنادِلِ: إملأها،‏

فإنّ الكَوْنَ مِثْلي ثمِلْ نشوانْ‏

يخرُج في الفجرِ وقدْ بعثَرهُ السكْرُ،‏

يغنّى طرَباً:‏

كمِ اقتربْنا مِنْ هوى بغدادْ!‏

كمِ اقتربْنا مِنْ هوى بغدادْ!‏

ما عرَفَ الدنيا، ولا ذاقَ الهوى،‏

مَنْ لمْ يَزُرْ بغدادْ‏

(1) هو الشاعر، ابن الرومي، أبو الحسن علي بن العباس بن جُريـج.‏

(2) العبارات المقوسة في القصيدة هي تضمين.‏

(3) جواد: جواد سليم، الفنان العراقي مصمم نُصب التحرير.‏

(4) قصائد عارية: أول ديوان شعري للشاعر حسين مردان، أثار ضجة كبيرة وحوكم بسببه.‏

(5) نخل السماوة: أغنية عراقية شائعة.‏

(6) ساعة القشلة: من أقدم الساعات في بغداد، شيدت في عام 1868م، وما تزال قائمة على نهر دجلة.‏

(7) البرحي: من أجود أصناف النخيل في العراق.‏

(8) اسم امرأة، أحد رموز السياب الشعرية.‏

(9) إقبال: زوجة السياب ورفيقة طريقه.‏

(10) عائشة: أشهر الرموز الشعرية عند البياتي.‏

(11) باب الشيخ: محلة عريقة في بغداد قضى فيها البياتي طفولته وشبابه، وهي تحيط بمرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني.‏

(12) الطاقية: غطاء الرأس الشهير الذي كان يعتمره الشاعر.‏

(13) جعفر: شقيق الشاعر، استشهد في انتفاضة ضد الإنجليز، عام 1948م.‏

(14) في أشهر شارع في بغداد، وهو شارع الرشيد، يوجد تمثال للرصافي، وهو واقف باتجاه النهر وقد وضع يده في جيبه.‏

(15) الشاعر عبد الأمير الحصيري.‏

((16)) إحدى ساحات بغداد الشهيرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244