ما قاله الغيم للشجر - صالح هوّاري

شعر - من منشوات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هي ذي القيامة يا خليل

غَضبَ "الفراهيديّ" حين تركتُهُ‏

ولَكَمْ يعزُّ على دمي غضبُ الخليلْ‏

صاحتْ لآلئُهُ: أضاعوني‏

وأيَّ لآلئ:‏

قد خبّأَ الشعراءُ للزمنِ البخيلْ‏

حاولْتُ ألاّ أستفزّ بُحورَهُ‏

فأنخْتُ أشعاري على أبوابهِ‏

ودخلْتُ في محرابهِ‏

أشعلْتُ عوداً من دمي‏

فاشتمَّ فيه بخورَهُ‏

ناديْتُ: يا جار الرّضا!!‏

خرجَ الخليلُ.. أضاءَ شمعتَهُ‏

على طبقِ المساءِ‏

تلا عليّ بيانَهُ:‏

باسم البنفسجِ ساجداً‏

لغمائمِ الحزنِ النبيلْ‏

الحمدُ للشّعرِ الذي اشتعلَتْ براعمُه‏

على شجر القصائدِ:‏

يا بُنيّ أنا الذي‏

أطلقْتُ فيكَ أصالتي‏

لا تُطْلقِ الفوضى عليَّ‏

وكنْ لمصباحي الدّليلْ‏

غابَ الخليلُ هُنيهةً‏

أغمضْتُ قلبي كي أراهُ‏

فحطّ كوكبهُ على قلبي‏

قطفْتُ له بنفسجةً وقلْتُ له اقترحْ‏

لي خيمةً أُخرى‏

أُخيّمُ تحت سروتِها‏

وأختصر الرحيلْ‏

ضحكَ الخليلُ وشدّني من لهفتي‏

قبلَ الصُّعودِ إلى صنوبرهِ القديمِ‏

تلوْتُ أبياتاً‏

على تفعيلهِ الوردِ الحديثِ‏

أقول فيها:‏

يا حبيبي!! أيُّها المزروعُ في قلبي‏

وفي جسدي النَّحيلْ!!‏

أنا عائدٌ لكَ فانتظرْني‏

تحت شبّاك الأصيلْ‏

أنا إنْ وهبْتُكَ روحَ روحي‏

يامنى روحي قليلْ‏

من جمرةِ العطشِ البعيدةِ نادِني‏

أنا تحت إمْرةِ رمِلكَ العطشانِ‏

بحرٌ من نخيلْ‏

اللّهُ توجَّنا بأكرمَ ما لديه من الهوى‏

فتعال نَنْصُبْ غيمْنَا‏

للعابرينَ بنا سبيلْ‏

إنْ شئْتَ أنْ يرويك حبّي‏

عُدْ إلى نبعي الأصيلْ‏

أشهى من الأشهى‏

رمادُ القبلةِ الأُولى‏

تعتَّقُ في جرارٍ من غليلْ‏

ضربَ الخليل بكفّه كفي وقالْ:‏

هذا هو السّحرُ الجميلْ‏

ولكَ الإجازةُ أَنْ تُغنّي‏

مثلما يهوى الهواءُ‏

وترتوي من أيّ نبعٍ سلسبيلْ‏

يا أيُّها الشيخُ الجليلْ!!‏

أنا ما نسيتُكَ‏

كلُّ ما في الأمرِ‏

أنّ العصَر داهمني صفيرُ قطارِهِ‏

فركبْتُ.. لا أدري‏

ولكنّي ركبْتُ‏

فلا تعاتبْني إذا يوماً نسيتُكَ‏

إنّ هذا الوقتَ مرتبكٌ‏

وتلكَ هي القيامةُ‏

مَنْ يقشِّرُ عن دمي صدأَ الحياةِ‏

لمن سأُعلنُ أبجديةَ صرختي!!‏

حَبَستْ يديَّ‏

أساورُ العصرِ الثقيلْ‏

هي ذي القيامةُ يا خليلْ‏

لم تنكسفْ في الأفق شمسٌ‏

إنّ قلبي الآنَ‏

يبزُغُ من رمادِ المستحيلْ‏

***‏

قالوا اكتهلْتَ.. ولم تَعُدْ تقوى‏

على قطْفِ الشُّعاعِ‏

فأبعدوُكَ عن الحقولْ‏

صاحَتْ عصافيرُ النّدى محتَّجةً:‏

مَنْ لا قديمَ له‏

فليسَ له جديدٌ‏

كيف تنضجُ حكمةٌ‏

إنْ لم نقلِّبْها‏

على نارِ الكهولةِ والكهولْ!!‏

ما زلْتُ في خيرٍ.. وكلُّ مزاودٍ‏

خلَعَ العباءَةَ عنكَ‏

نكَّارُ الجميلْ‏

أنا لستُ بالمتعصّبِ الأعمى انظروا:‏

"أدُونيسُ" ينثرُ حلمَهُ النبويَّ‏

فوقَ وسادتي‏

والبحتريُّ خيامُ دهشتهِ تُظلِّلنُي‏

"بُثيْنَةُ" في قبابِ الرُّوحِ يغزلُها‏

يُغازلُها "جميلْ"‏

والجاهليَّةُ رصَّعتْ في أضلعي‏

بنجومها ليلَ امرِئ القيسِ الطويلْ‏

و"سميح"(1) يُمسكهُ أبو تمَّام‏

من حجرِ الطفولةِ‏

يركضانَ ليعصرا عنبَ "الخليلْ"‏

هي ذي القيامةُ يا خليلْ‏

ضربَ الخليلُ بكفّه كفّي وقالْ:‏

أنا لستُ بالمتعصّبِ الأعمى‏

لماضٍ زالَ‏

أو آتٍ يزولْ‏

أهوى الرَّمادَ يئنُّ في لحم المدى‏

وأحبُّ عصْفَ الرّيحِ‏

في أُذنِ السُّهولْ‏

خُذْني إليكَ الآنَ نسهرْ‏

في مقاهي العصرِ‏

نتْلُ على النجومِ‏

قصائدَ "الدَّرويشِ"‏

تقفزُ كالحمائمِ فوق‏

أشجار الجليلْ‏

أدري بأنَّ أخاً(2) جديداً جاءَني‏

أحببْتُه، ورفعتُه شجراً‏

تعمَّدَ بالسَّحابِ‏

لروحه طعمُ الهواءِ‏

لصوتهِ شكلُ الهديلْ‏

أَسْرى إلينا فوق هودجِ بوْحهِ‏

بيديه مفتاحُ الدُّخولِ‏

إلى الدُّخولْ‏

رنَّتْ خلاخيلُ النَّدى في صوته‏

لمَّا استوى ملكاً‏

على عرش الهواءْ‏

بوضوحه الأعمى تكشَّفتِ الرُّؤى‏

برموزهِ قادَ الوصولَ إلى الوصولْ‏

ما دام يشربُ من ينابيعي أبُايُعهُ‏

وأخلعُهُ إذا نَسيَتْ‏

براعمُه الأصولْ‏

هي ذي القيامةُ يا خليلْ‏

فاضحكْ على المتطّفلين تقمَّصوا‏

ورم الطبولْ‏

أَحَدُ الذين بَنَوْا‏

ممالكَهُم على الإبهامِ‏

في إحدى قصائده يقولْ:‏

نمْلٌ يصيحُ‏

قَطَاً كسيحُ‏

ونورسٌ تكويهِ ريحُ‏

وزورقٌ أعمى ضليلْ‏

والبومةُ العرجاءُ‏

تكسرُ حلمَها‏

بعصا يديها‏

كي تنوحَ على الطُّلولْ‏

هذا الخرابُ، وكيف تقْبُلهُ العقولْ!!‏

فهل الحداثةُ أنْ نقلّدَ لعبةَ الألغازِ‏

قُبّعةَ المجازِ‏

أَم الحداثةُ وردةُ الإيجازِ‏

في كأسِ الذُّهولْ!‏

إنّ الحداثةَ أن نرى مالا يُرى‏

ونبوحَ قبل الغيمِ بالمطرِ الهَطولْ‏

إنّ الحداثةَ جمرةُ الإبداعِ‏

تنبُتُ نارُها الخضراءُ‏

في كلِّ الفصولْ‏

عاد الخليلُ مرّدداً متضاحكاً:‏

نملٌ يصيحُ‏

قطا كسيحُ‏

ونورسٌ تكويهِ ريحُ‏

وزورقٌ أعمى ضليلْ‏

والبومةُ العرجاءُ‏

تكسرُ حلمَها‏

بعصا يديها‏

كي تنوحَ على الطّلولْ‏

يا سادتي!!‏

هذيانكم أَدمى دمي‏

إنْ كانَ هذا سيفكم‏

ظلُّوا عليه إذنْ‏

وضدّي حرِّضوا كلّ السيوفِ‏

فإنني لنْ أستقيلْ‏

لن أستقيلْ‏

(1) هو سميح القاسم: شاعر المقاومة المشهور‏

(2) المقصود بالأخ الجديد: الشعر الحديث‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244