ما قاله الغيم للشجر - صالح هوّاري

شعر - من منشوات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عطشنا إلى ماء صوتك

"إلى الشاعر الراحل فوّاز عيد"‏

سريعاً سريعاً‏

ولم تنتظرْ...لم تُبَلِّغْ أحدْ‏

سريعاً سريعاً‏

وألقيْتُ للدّودِ ضوءَ الجسدْ‏

عزيزٌ علينا‏

وعزَّ علينا‏

رحيلُكَ يابنَ البلدْ‏

صغيرين كنَّا ... وكان هواءُ "البحيرة"‏

يصطادُ قلبَ "سمخ"‏

بصنَّارةٍ من زبدْ‏

على مقعدٍ من بنفسج أحلامنا‏

كم جلسْنا...هربْنا معاً‏

من دروسِ الحسابِ‏

لنُصغي إلى نورسِ الشّعرِ‏

يُلقي تعاويذَهُ في مياهِ الخيالْ‏

وماذا تقولُ "سمخ" .‏

وقد هيَّأتْ سمكَ المشطِ والبرتقالْ‏

لتذهبَ في رحلة مَعَنا‏

صوبَ تلك الجبالْ‏

وماذا إذا بلَّغوها!!!!‏

ستمزعُ أحزانها البيضَ‏

بالدَّمعِ تشعلُ خدَّ الرِّمالْ‏

لماذا رحلتَ سريعاً إذنْ‏

أيُّها الطائرُ النبويُّ المكابرْ!!‏

إلى أينَ سافرْتَ‏

أيُّ فضاءٍ يليقُ لهذا المسافرْ؟!!!‏

لأوَّل مرَّهْ‏

حزيناً أغنّي لأغلى وأجمل شاعرْ‏

إذا حدَّثتنا يداهُ عن الشعرِ‏

عدَّت جواهرْ‏

لأوَّل مرَّة‏

تشقُّ عصايَ عباب الرِّثاءْ‏

لترحل في زورق قصَّ مجذافه‏

في دمانا وأقسمَ ألا يُغادرْ‏

نقيُّ كحزنِ الإلهْ‏

شهيٌّ كحبةِ جوعٍ‏

تلوبُ على قمحها قُبَّراتُ المياهْ‏

جميلٌ كريشةِ وهمْ‏

إليها انتبهْنا... بغير انتباهْ‏

كريمٌ كزيتونةِ البرقِ تزكو‏

إذا لامستْها يداهْ‏

وماذا تركْتَ لنا؟!!!!‏

آه لو يعرفُ الغيمُ سرَّ مفاتيحكَ الشَّاعرةْ.!!‏

لراحَ يقدّمُ بين يديكَ الفضاءَ‏

ويمشي إلى قبركَ المتزمّلِ‏

بالشعرِ... والوردِ والليلِ‏

والغصّةِ الغائرهْ‏

وحين تُقيم السماءُ غداً‏

عرضَها اللؤلؤيَّ أمام إمام القصيدة‏

كلَّ الجياد ستنزلُ للسَّاحة العَامرهْ‏

جيادُكَ في أوَّلِ الصفّ‏

تحرثُ صدرَ الفضاءِ"بأعناقِها النّافرة"‏

******‏

*********‏

"نهاراتُ دفلى" ودفلى نهارْ‏

و"شمسُ عذابٍ لواها الدُّوار"‏

وغابَ السحابُ العتيقُ وفاتَ القطارْ‏

وما فاتِ فاتْ‏

وفوّازُ ما ماتَ... ماتْ‏

وما في حقيبته‏

غيرُ حقلٍ يتيم من الأغنياتْ‏

واقفاً هزَّ فوّاز جَذعَ السكوتْ‏

وغابَِ...ولم يبْنِ فوق رصيفِ الخيال‏

سوى غرفةٍ في مهبِّ القصيدةِ‏

بيتٌ من القطنِ يغزلهُ العنكبوتْ‏

كثيرٌ.. كثيرٌ على منْ يموتْ‏

هو الشعرُ ..بيتٌ من الشّعرِ‏

يسكنهُ اللهُ بين الفراشاتِ‏

أجملُ من كلّ هذي البيوتْ‏

***‏

ولم نَدْرِ أينَ دفنَّاكَ‏

كيف دفنَّاكَ... والتبس الموتُ‏

سُقْتَ الجنازةَ عنَّا‏

كأنَّك أنتَ الذي‏

قد هربْتَ إلينا ومنّا‏

وقبل الوداعِ الأخيرِ بساعَةْ‏

على عَجَلٍ زرْتَ مبنى الإذاعة(1)‏

وكي لا يقولوا تغيَّبتَ من غير إذنٍ‏

كسرْتَ زجاجَ النِّظام‏

قطْعتَ عليهم طريقَ الكلامِ‏

وطالبتهم بنهارٍ إجازةْ‏

ووقَّعْتها أنت عنهم‏

فكانت جنازْ‏

***‏

مررْتَ على "الاتّحاد"‏

وكان "عليّ" بإبريقِهِ المسرحيّ‏

يصبُّ مياه الجُمانْ‏

رميْتَ عليه السلام‏

ولم تنسَ وقتئذٍ‏

أنْ تطالبَهُ بقليل من الزيتِ‏

يُشعلُ في زعترِ الشعراءِ الأمانْ‏

وكان الذي كان‏

صار الذي لم يكنْ (2)‏

واكتفينا بغصْنٍ من الماءِ‏

يستُرُ عورةَ صحرائنا‏

تحت بردِ الزَّمانْ‏

اكتفينا بضوءٍ من الحبّ‏

يا حبّ لا .. لا تمُتْ قاعداً‏

واقفاً ماتَ فوّازُ‏

حلّقَ فوق شموخ الشموخْ‏

وفي حضرةٍ من غياب الزَّمنْ‏

تسلَّلَ كالضَّوءِ غاصَ كعادتهِ‏

في مقاهي الشَّجن‏

وطناً عتَّقتهُ جرارٌ من اللاوطنْ‏

ومن سوء طالعه أنَّه‏

حين قرَّر ألاَّ يُجاورَ إلا العصافير‏

لم يلْقَ عشَّاً ليسْكنَهُ‏

لم يجدْ أيَّ كوخْ‏

لذا راحَ من شدَّة الحزنِ‏

يسْكرُ... كي لا يدوخْ‏

عطشنا إلى ماء صوتكَ‏

فوّاز غرّدْ على‏

غصنِ قبرِكَ كي نسمعَكْ‏

سريعاً...سريعاً...ولم تتمهَّلْ‏

لنرمي عليكَ السلامَ ونستودعَكْ‏

سلامٌ على الشّعرِ‏

يومَ وُلْدتَ على راحتيْهِ‏

ويومَ رحلْتَ إليهِ‏

ويوم يعود إلينا معَكْ‏

5/3/1999‏

**‏

n هامش:‏

1. سمخ: بلدة الشاعر على شاطئ بحيرة طبرية‏

2. نهارات الدفلى: كتاب نثري للشاعر‏

3. في شمسي دوار: أحد دواوين الشاعر الراحل‏

4. علي: هو الدكتور علي عقله عرسان/رئيس اتحاد الكتاب العرب‏

أعناق الجياد النافرة: ديوان شعر للشاعر الراحل‏

(1) الإذاعة : كان فواز يعمل في الإذاعة (قسم النصوص)‏

(2) غصن من الماء: إشارة إلى الراتب التقاعديّ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244