صلاة لراحة الطين - محمود نقشو

شعر من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:08 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

(من ذاكرة المغنّي)

بضع نعناع وغيمة‏

أفردتني يا حبّ في تلك القفار تهيم بي ريح وتنثرني خيامْ‏

أمضي ولا تصل المسافةُ،‏

والطريق إلى خواءٍ،‏

والشرود إلى يمامْ‏

ماذا لو انهدم الجدار وأرْخَت الأشجار ظلّ الوقت فوق جداولي،‏

وأرحْتُ خيلي من تكسّرها على عرش السقامْ؟!‏

أنا مفردٌ..‏

والفجُّ منقطعٌ فهبْني ساعةً أخرى من التجذيف في حرِّ البقاءِ‏

وفي هجير الرملِ يا ربّ النوى،‏

وأرِحْ لهاثي من تنهّد فكرتين انداحتا فيما تملّح من كلامْ‏

وأبِحْ شفاهي للرذاذ وحرقتي للآسر المحروق من ذاك الهباءِ،‏

ولا تمجّدْ شقوتي فأنا الشقيُّ الغافل الوجل المدمّى،‏

والرجيم المستهامْ‏

زِدْني ذهولاً وانكساراً إنْ رضيتَ،‏

وخُذْ دمائي من لظاها..‏

أيها الحبّ المسافر في اليدينِ،‏

وفي العيونِ،‏

وفي العظامْ‏

رفقاً بما في الروح من قصبٍ،‏

وما في المائسات من الخزامْ‏

رفقاً بخابية تشهّتْ ما تنوء به الكروم من الشرابِ،‏

وما توسّل في الأصابع من أحاديث الولوعِ،‏

وما تفتّحَ..‏

ما تماوجَ..‏

ما تغاوى من شهيّ اللون في قلبي وغامْ‏

يا حبّ مهلاً فالطريق إلى اشتعالٍ،‏

والفلاة إلى أمامْ‏

أفردتني في قَفْرِ هاجعتي فَزِدْ فيَّ التهالك إنْ أردتَ،‏

وخُذْ بقيّتَي الأخيرة للّظى،‏

واجمعْ حطامي في البراري والوهاد الزرقِ..‏

إنْ شئتَ التفرّدَ بالحطامْ‏

أنا نقطةٌ بيضاءُ في هذا الأفولِ،‏

ودون روحي لا يقرُّ الموجُ..‏

لا تندى الرؤى،‏

والجسر نامَ،‏

ونامت الأنهارُ..‏

نام الكرم والوادي،‏

ووحدي والبقيّة من ثمالات الدوالي لا ننامْ.‏

مدائح الرمّان‏

مرّي على حجر الصباحِ وزقزقي ما شاء أخضرنا،‏

وما شاءت خطايْ‏

لم ينتبهْ للهاثنا الدوريُّ..‏

مدّي أيّ جسر كي أرفرف فوق قرميد الشرودِ،‏

وحاوريني يا ورودُ، ويا طيوفُ، ويا زمرّدُ،‏

وانتبهْ يا عوسجَ المنفى إذا غامت دمائي بين عندلةٍ ونايْ‏

هذا قرنفلُ يا زنابقُ..‏

تلك ساقيةٌ،‏

وذاك رخامها يا سنديانُ..‏

فأطلق الآتي إلى أشيائه كي أمسك الضوء المبعثر عند شرفتها،‏

وأسرق المنثور من حقل اشتهاءات اللّمى،‏

فأنا الوحيد الآن في بَهْوِ الفتونِ،‏

وليس من أحدٍ سوايْ.‏

حنين ما‏

وحدي وغيمكِ والرؤى القفْراء في هذا الصقيعِ،‏

ونحلة تعلو إلى ملكوتها،‏

ورفوف صمت ترتقي الشبّاك والقمر البعيدَ،‏

وما تبقّى في الدنان من الظلالِ،‏

وما تطاير دهشةً ورمى الجناحْ‏

وحدي ولوزكِ واللّظى في هذه الساعاتِ..‏

ماذا لو غفونا ساعةً في ظلّ قنطرة تطلّ على بقايا جدول هَرِمٍ،‏

ومجرى مستباحْ؟‏

ظمئتْ وهاد الروح من زمن لساقية الأقاحْ‏

وحدي ووردكِ،‏

والمساءاتُ المرايا،‏

والسكونُ،‏

وبضع أضواء على طرف الرياحْ‏

لمّا نَزَلْ بين الضفاف نعومُ،‏

ونرسم الأشياء دون مسارها..‏

حتّى تطير وساوس التفّاحِ..‏

في وضح البنفسجِ يا صباحْ‏

ليلة الحنّاء‏

عبقت حريقاً،‏

والجياد تحدّرتْ في بطن وادٍ تقتفي أثر المكانِ،‏

ولا مكانَ سوى ظلال الملح في ماء الصباحْ‏

عبقتْ أنيناً عند ذاك البئرِ،‏

والفلوات هالكةٌ،‏

ومالي غير دالية أساررها الحنين إلى الجراحْ‏

أفردَتَني في هذه الساعات من قَفْرِ الفيافي..‏

أيها الحبّ الذي ما زال في قيظ العراء يسوطني،‏

وأنا من اقتربت خطاه من النهارِ،‏

ولامس الشفق المدمّى،‏

وانثنى والريح غاربة الحمامْ.‏

تحت جنح السنديان‏

قالت ليَ الأشجار هذا الصبح: مهلاً فالطريق وساوسٌ..‏

قلتُ: اقتربتُ من الجدار فلا تعطّلْ شهوتي للمدِّ يا كانونُ..‏

أطلقْني إلى غيم الخفايا‏

جاء الشتاء بكلّ نزف الذكريات فأين أهرب والذبول يحيطني يا غيمُ،‏

والقطرات تسأل عن مساءات المرايا؟‏

ولأنّ جرح الوقت أبعدُ من قصيدتنا نرفُّ،‏

ولا تعود بنا المسافة يا حنايا.‏

حوار الأخيلة‏

ولأيّ منعرج ستهوي..؟‏

قالت الأنهارُ..‏

- لن أُعِدَ الهواء بأيّ ذبحٍ قلتُ،‏

إنّ الوقت جمر الفكرة الأخرى فصمتاً يا حنايا‏

سأسير عكس الريح بين خرائب تعبت من الحمّى،‏

وأرصفة تعيث بها الخطوبُ،‏

وأرتقي قمر المدينةِ،‏

والمكان إلى ابتهالٍ،‏

والظلال إلى صبايا‏

يا سيّد الكينونة الأولى اقتربنا من جداركَ..‏

لا تدعنا في العراء بلا سماءٍ..‏

نحن في الحالين جئنا،‏

والطريق إلى افتراقٍ،‏

والأنين إلى خفايا‏

آه على ما اسودّ في عود النخيلِ،‏

وما ازدهى في مقلة سمراء أغواها البنفسج فانثنت بوحاً،‏

وأغوتْها الثنايا‏

آهٍ إذا هجعتْ،‏

وآهٍ إنْ تولاّها النعاس هنيهة الإشراقِ،‏

وارتدّتْ إلى لوح الوصايا‏

فأعِرْ دمي بعض التفاتكَ..‏

اقترب متدثّراً بالوجد والأحباب يا حزن الدوالي..‏

ليس من أحد على خطّ الأفول يمرّ مرتجفاً سوايا‏

والوقت أعمى والبصيرة لا تنامْ‏

وأنا وأنتَ،‏

وشاطئ طيفٌ،‏

ودالية غمامْ.‏

فسحة الصبّار‏

غيم على غيمٍ،‏

وبعض السقف يوشك أن يميلَ،‏

وأنتِ قربي أنتِ قربي والبقيّة لا تحدُّ‏

يا سيّد الأقمارِ زِدْني فتنةً ولظىً،‏

ودعْني للذهول وللذبول إذا أردتَ..‏

فوجهتي قيظٌ وبردُ‏

سيموت كلّ الميّتين على الطريق،‏

وتذبل الأنهار فاشهدْ يا حزينَ الروح وعدكَ...‏

إن بكى في السرّ وعدُ‏

لا بدّ من جسر على نهر البعيد ليضحك الصبّارُ..‏

إنْ عاد الأحبّة واستبدّوا‏

لا بدّ ممّا ليس منه اليوم بدُّ.‏

كلام ضوء خافت‏

لم يستطع غيم الشرود تلمّس الأضواء في دمنا،‏

وما انتبهتْ شبابيك البداية للكؤوس المترعاتِ‏

لم نستطع أن لا نحبَّ..‏

فنحن جرح الصمتِ..‏

نحن أنينهُ،‏

ونوى التكسّرِ،‏

وافتراق الذكرياتِ‏

وردٌ لما أبقته فينا الريح من ألق الظلالِ،‏

وغصنُ آسٍ للأحبّةِ،‏

والبقايا الدافئاتِ‏

أفردْتَني يا حزن في الوادي..‏

فأطلقْني إلى ملكوت هذي الليلةَ البيضاءَ..‏

كي أنأى إلى أقصى شتاء الذكرياتِ‏

أنا ذلك الطين الذي ضاعت خطاه على خطوط التيهِ،‏

وانكسرت رؤاهُ،‏

وما تنهّد غصن تفّاح لشاطئه القريبِ..‏

فهام دهراً في تشردّه الطويل على حدود السوسناتِ‏

أنا ذلك المنذور للأطيار تنقر من شفاهي الدفءَ..‏

من لغتي الهديلَ،‏

وتستريح على ضلوعي ساعةً في آخر الصيف الشهيِّ،‏

وغفلة الزيتون..‏

حين ترفرف النجوى على سقف الشغاف الذابلاتِ‏

لا تغلقي الشبّاك يا عصفورتي البيضاء إنّ الضوء يهطلُ،‏

والندى يعلو إلى شفق النعاسِ،‏

ويومض في القفار الغافلاتِ‏

فتوضّئي بالفلِّ،‏

واغتسلي بأطياف المدى..‏

ثمّ اسحبي مطري العنيد إلى ذراك الدافئاتِ‏

يا ظلّ روحي في عراء المستحيل دعي النبيذ يلفّني،‏

ودعي دمي فوق الكؤوس المترعاتِ‏

يا أوّل التكوينِ..‏

يا ظلّ البياض من الشرود المرتمي في المائلات الهامساتِ‏

غبنا وعدنا والبداية كالختامْ‏

وجع يرفّ على مسار القلبِ..‏

دالية تهاجر في هباء لهاثها،‏

والرأس منغلق على بابين في قفر المدامْ.‏

دعاء الشهوات‏

ها قد بدأنا نسحب الأذيال في هذا السكونِ،‏

ونرتمي في وجهة أخرى على طرف الدوالي‏

وتشابه النارنج والصفصاف فوق خريطة الأعشابِ،‏

والخصب المقدّسِ،‏

والغلالِ‏

أطلقْ يدي يا سيّدي،‏

وتعال نمسك بالهواءِ..‏

ببعض هذا الصحوِ..‏

بالآس النديّ..‏

بما تفتّح في مخيّلة الظلالِ‏

والكرم أوغل في الصقيعِ..‏

فدعْ ذهول الياسمين على الجدارِ..‏

يسوّر الوقت الذي غربت بنا أشياؤه،‏

والنار مطفأةٌ،‏

وهذا الليل منقطع الشمالِ‏

الرحلة اقتربت من البئر العتيقِ،‏

وبضع أكواب ويزهو الرمل في الوادي..‏

يطير اللون نحو بهائهِ..‏

يشتدّ عود الورد ثانيةً،‏

ونبدأ مرةً أخرى مكاشفة الرمالِ‏

ها قد بدأنا نسحب الأذيالَ..‏

أمطرْ وجهتي بالضوءِ..‏

أمطرْني بوعدك من طيورِ الوصلِ،‏

واغسلني بماء الماس إنْ جفّتْ ظلالي‏

ونأى دمي بسؤالهِ،‏

وتنهّد الطين الشقيّ على حدود الابتهالِ‏

يا سيّدي إنّي سألتك ساعة بعض الطلوعِ..‏

فهبْ دمي بعض اليمامْ‏

أنا وجد هذا الكون لا تتركْ ورودي للهشيمِ،‏

ولا شرودي للزحامْ‏

ما نفع نهري إنْ تهدّج طائر في صبح فلٍّ..‏

أو تنهد نرجس في صيف لوزٍ لا يهدهدهُ الغرامْ؟‏

ما نفع أشرعتي إذا انتبهت إليّ الريحُ،‏

واستعر المدى في المغربينِ،‏

وحار في الصمت الكلامْ؟‏

إنّي سألتك بالضفاف استَبْقِ لي بعض الجداولِ..‏

لا تقرّبْ رحلتي من برزخ الأحزانِ..‏

أمهلني قليلاً من رفوفٍ قبل أن يعلو الغمامْ‏

ويطير جرحي نحو بارئه وحيداً في شبابيك الختامْ‏

أطلقْ دمي،‏

أو زِدْ شرودي وردةً إمّا تشاطأ سوسن وفراشة آنَ التفتّحِ،‏

وانطوى عرس الظلامْ.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244