حكايات شعرية للفتيان - الدكتور خالد محيي الدين البرادعي

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حكايَةُ الطَّرْخونِ

قالَتْ الجدَّةُ: الدَّهْرُ مُعَلِّمْ‏

وشِقيُّ الْعُمْرِ مَنْ لَمْ يَتَعلَّمْ‏

كُلَّ يَوْمٍ يَكْتُبُ الدَّهْرُ لَنا‏

قِصَّةً نِصْفَيْنِ مِنْ عِطْرٍ وَدَمْ‏

وَحَياةُ الْمَرْءِ في مُجْمَلِها‏

دَمْعَةٌ تَجرْي وَثَغْرٌ يَتَبَسَّمْ‏

مِثلَما يَسْتَلْزِمُ العَيْشُ الرِّضى‏

لا يَكونُ العَيْشُ مِنْ غَيْرِ أَلَمْ‏

سَمِعَتْ سفَّانَةٌ جَدَّتَها‏

وَهيَ تَسْعى بَيْنَ بلقيسَ وَمَرْيَمْ‏

جَدَّتي الحُلْوةَ احْكي قِصَّةً‏

مِِنْ حكاياكِ. فإِنَّا نتَعَلَّمْ‏

خالِدٌ أَلْقى بَقايا لُعْبَةٍ‏

وَأَتى يَرْكُضُ بِالْفَرْحَةِ مُفْعَمْ‏

جَلَسوا بَيْنَ يَدَيْ جَدَّتِهِمْ‏

زَهراتٍ عَبَقت مِنْ حَوْلِ بُرْعُمْ‏

* * *‏

قالَتِ الجّدَّةُ:‏

في ماضي الزَّمانْ‏

عاشَ في بيتٍ صَغيرٍ أَخوانْ‏

لأَبٍ ماتَ وَأُمٍّ بذَلَتْ‏

كُلَّ ما تمْلِكُ أُمٌّ مِنْ حَنانْ‏

لِتَرى ما تَبْتَغيهِ وهما‏

يمْلآنِ الدّارَ رِزْقاً وَأَمانْ‏

وتَمَنَّتْ أنْ تَرى أَحفادَها‏

نَجْمَةً يَهْطُلُ مِنْها نَجْمتَانْ‏

وَلتحْقيقِ الْمُنى نادَتهُما‏

: يا حبيبيَّ ابْرَحا هذا الْمَكَانْ‏

سافِرا فالرِّزْقُ.. ما أَبعَدَهُ‏

وَهُوَ يَدْنو كُلَّما امْتدَّتْ يَدانْ‏

أَنْتُما الآنَ طَليقانِ عَلى‏

فُسْحَة العُمرِ وَنِعْمَ السّاعِيانْ‏

* * *‏

سافَرا في الْبَحْرِ حَتّى الْتَقَيا‏

بَلَداً أَعْطاهُما ما يَطْلُبانْ‏

عَملا فيهِ إلى أَنْ عَبَرتْ‏

تَحْمِلُ الرّزقَ الْمُزَكىَّ سَنَتانْ‏

سَوْفَ تَرضى أُمُّنا الآنَ إِذا‏

عَرَفتْ أَنّا تجاوَزْنا الرِّهانْ‏

وَ إذا عُدْنا سَتَلْقانا غَداً‏

مَعَها مِنْ أَجْلِنا آنِسَتانْ‏

لِتَرى أَوْلادَنا مِنْ حَوْلِها‏

زينةَ الدُّنيا كما قالَ الْبَيانْ‏

حَملا رزْقَهُما في زَوْرَقٍ‏

مِنْ طعامٍ وحرير وزيانْ‏

وإلى الشاطئِ جاءَتْ ناقَةٌ‏

تَحْملُ الخَيْرَ إِلى ما يَرْغَبانْ‏

وَهُما مِنْ حَوْلها في فرْحةٍ‏

تارَةً مَشْياً وأُخرى يرْكبانْ‏

يَنْهَبانِ الدَّرْبَ حَتّى يصلا‏

وَعلى حُلْمٍ جَميلٍ يَسْبَحانْ‏

أَبْصَرا بَعْدَ نَهارٍ غابَةً‏

فأَناخا عِنْدَها يَسْتَمْتِعانْ‏

وَبها يَسْري غَديرٌ هادِئٌ‏

حَوْلَهُ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ جَنَّتانْ‏

عَنْ يَمينٍ يَعْبِقُ الْوَردُ كَما‏

عَنْ شمالٍ يتَهادى الأُقحُوانْ‏

وَإِذا ما أَوْغَلا في نَظْرَةٍ‏

تَظْهَرُ الْغابةُ مِثْلَ الْمِهْرَجانْ‏

زَحف الليلُ و في خُطوَتِهِ‏

يَزْحَفُ النَّوْمُ لِتَغْفو مُقلتَانْ‏

فَطنَ الأكبرُ إذْ نادى: أخي‏

إنّنا نَحْو الْكَرى مُسْتَدْرَجانْ‏

وإذا نِمْنا مَعاً لا نَتَّقي‏

هَجْمةَ الشَّرِّ لإِنسٍ أَوْلِجانْ‏

نَمْ فإنيَ مانِعٌ عَنْكَ الأذى‏

وبِكفَّيَّ صَديقي الْهُنْدُوانْ‏

وَإذا اسْتَيْقَظْتَ أسْتَلقي أنا‏

رُبَّما تَكْفي كِلانا ساعَتانْ‏

وإذا ما رَسَمَ الصُّبْحُ لَنا‏

أَوَّلَ الدَّرْبِ فإنَّا راحِلانْ‏

* * *‏

بَيْنَما الأصغرُ في غَفوتِهِ‏

هانيءٌ يَحْلُمُ في آتي الزّمانْ‏

والأخُ الأكبرُ في يقظَتِهِ‏

بَيْنَ أَطْباقِ الدُّجى ثَبتَ الجَنانْ‏

رابطُ الجأْشِ شَديدٌ بأْسُهُ‏

ثاقِبُ النظْرَةِ صلْبٌ كالسِّنانْ‏

شَفَّ وجْهُ اللَّيْلَ عَنْ جِنِّيِّةٍ‏

نَسَجَ الحُسْنُ لَها ثَوْبَ افْتِتانْ‏

عَبَقَ الطِّيبُ على طَلَّتِها‏

فَغدا حَقْلاً مِنَ الطيِّبِ المَكانْ‏

أَيُّ أُنْثى يا تُرى أُبصِرُها‏

أَلها شِبْهٌ بآلافِ الحِسانْ‏

ضَحِكَتْ قائِلَةً: يا سيدي‏

أنا مُلْكٌ لكَ. قلْباً وَلِسانْ‏

فاتَّخِذْني زَوْجَةً‏

قالَ لها:‏

وَمعي مَهْرُكِ مُبْيَضُّ البَنانْ‏

لَيْسَ مَهْري ذهَباً. قالتْ لهُ‏

إنَّما مَهْري دَمٌ كَألأُرْجُوانْ‏

إنَّهُ رأْسُ أخيكَ اقْطَعْهُ إِنْ‏

شِئْتَ أَنْ تأخذَني زَوْجاً حَصانْ‏

جَرَّدَ السَّيْفَ وناداها: خُذي‏

أَأَخي أَقْتُلْهُ يا أُفْعُوانْ؟‏

بَيْدَ أَنَّ السَّيْفَ مالامَسَها‏

وَاخْتَفَتْ كالبَرْقِ صَوْتاً وَكيانْ‏

وَالْفَتى ارْتاحَ لِما أَنْجَزَهُ‏

ناظِراً وَجْهَ أخيهِ بَحَنانْ‏

* * *‏

واستَفاقَ الأَخُ مِنْ غَفْوَتِهِ‏

قالَ: نَمْ إنّي لَكَ الآنَ مُدانْ‏

ولأَنَّ الجُهْدَ أَضْناهُ ارْتَمى‏

مُتْعَباً عاجَلَهُ النَّوْمُ فَلانْ‏

غارِقاً في حُلُمٍ مُضْطَربٍ‏

بَعْضَهُ عِزُّ وبَعْضٌ مِنْ هَوانْ‏

والأخُ الأصْغَرُ يَقْظانُ وَمِنْ‏

خَوْفِهِ عانَقَ وَجْهاً للسِّنانْ‏

ظَهرتَ جَنِّيَّةُ الحسنِ لهُ‏

كاشتعالِ البرقِ آناً بعدَ آنْ‏

ظلَّ مبهوتاً فقالتْ: إنَّني‏

للذي يَدفعُ مَهري لا يُدانْ‏

قالَ: أرضى أيَّ مهرٍ شئْتهِ‏

عَهْدُ حُرٍّ لَيسَ لغواً لِجَبانْ‏

فاطلُبي ما شِئْتِ يا سَيدتي‏

إنَّ هذا الحُسنَ عارٌ أنْ يُهانْ‏

ضَحكتْ ثمَّ دَنتْ مِنْ وَجْههِ‏

ثم قالت: إنَّ هذا العُنْفُوانْ‏

هُوَ ما أَسْعى إلى إِرْضائِهِ‏

عِنْدَ ما ينْجَحُ في أيِّ امْتِحانْ‏

اَعْطِني رأسَ أخيكَ الآنَ كَيْ‏

نبدْأَ الرّحلةَ والبدءُ: اقْتِرانْ‏

جَرّدَ السيفَ بكفٍّ راعشٍ‏

وَلَهُ قلْبٌ شديدُ الخَفَقانْ‏

ثمَّ أَهْوى قاطعاً رأسَ أخٍ‏

نائمٍ. ما زلّ أو للعهدِ خانْ‏

هربتْ جنيَّةُ الحُسْنِ كَما‏

حضرتْ كالبرقِ مِنْ ذاكَ الْمَكانْ‏

وَالأخُ القاتِلُ يَبْكي صارخاً‏

-: ارْجعي‏

مهرُكِ في كَفيِّ مُصانْ‏

وَالصَّدى مازالَ في تَردْيدِهِ‏

يَمْلأُ الْوادي أَنيناً بَعدَ.. آنْ.‏

* * *‏

مثلُ قابيلَ وهابيلَ هُما‏

توْأَمٌ عانقهُ في الموتِ توْأَمْ‏

ثمَّ لاحَتْ نَبْتَةٌ عَطريَّةٌ‏

في مكانِ القتلِ سُقْياها بِدَمْ‏

إنَّها الطَّرْخونُ في خُضْرَتِهِ‏

هكذا قيلَ لنا واللّهُ أعْلَمْ‏

قالَت الْجَدَّةُ:‏

والأمُّ الَّتي‏

فُجِعَتْ عَنْ أيِّ حُزنٍ تتكلَّمْ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244