|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
اَلشَّيْطانُ الَّذي هَرَبَ كانَ فيما كانْ في سالِفِ الزَّمانْ تَعيشُ في مَدينَةٍ تُجاوِرُ الشَّاطِئَ أُسرَتانْ واحِدَةٌ في الْحارَةِ الشَّرْقِيَّهْ أَرزْاقُها وافِرَةٌ غَنيَّهْ عيشَتُها رَضِيَّهْ أَفْرادُها مُنَعَّمونَ دائِماً الأُمُّ وَالْوالِدُ والبنَاتُ وَالصِّبيْانْ وأُسْرَةٌ في الْحَارَةِ الغَرْبيَّهْ مِنْ شِدَّةِ الفَقْرِ تَعيشُ تَحْتَ الْقَيدِ تعولُها شَبكةٌ للصّيْدِ وَرِزْقُها مُعَلَّقٌ بكرمِ الأمواجِ والشُّطآنْ * * * وَمّرَّ فصل جُنّتِ الرياحُ فيهِ حتىَّ أغْرَقَتْ زَوارِقَ الصيدِ وكَثُرَتْ عَلى الشَّواطِئِ الغُرْبانُ وبَيْتُ ذلِكَ الصَّيَّادِ مُقْفِرٌ منْ كُلَّ ما يُقيتُ جائعاً أو يَسْتُر العُرْيانْ وَطالَ فصلُ الرّيحِ والعَواصِفِ الهادِمةِ البُنيانْ وكلُّ يومٍ كان ينقضي يزيد ذلكَ الصَّيادَ حسْرَةً وثَقُلَتْ عليْهِ وطأَةُ الْحِرْمانْ فانْسَلَّ تحْتَ جُنْحِ اللَّيلِ نَحْوَ الحارَةِ الشَّرْقيَّهْ وطَرَقَ الْبابَ على صاحِبِهِ الْغَنيِّ قائلاً يا وافِرَ النِّعْمَةِ إِنِّي قاصِدٌ مِنْ فضلكَ الدَّيْنَ وَلا الإحْسانْ لأُطْعِمَ الصغارَ والنِّساءْ فإنَّهُمْ في أَسْوأ امْتِحانْ وعِنْدَما تَنْكَشفُ الْغُمَّةُ عَنْ حارَتِنا الغَرْبيَّهْ بِرَحْمَةِ الرَّحْمنْ أُعيدُ هذا الْمالَ شاكِراً وَالعَقْدُ بَيْنَنا: فضيلةُ الإيمانْ * * * قالَ الْغَنيُّ بَعْدَ صَمْتٍ طالْ كأَنَّهُ يُهْيِّئُ الْمَقالْ والرَّجُلُ الْفَقيرُ مُنْصِتٌ مُرْتَجِفٌ ينْظُرُ أَكيْاسَ الْحُبوبِ كَالْجِبالْ تراكَمَتْ مِنْ حَوْلِهِ وَقُرَبٌ يَمْلَؤُها الزَّيْتُ وَأُخْرى لِلسَّمْنِ وَالزَّيْتونِ وَالأَجْبانْ -: يا صاحِبَ الْعُمْر رَضيتْ خُذْ ما تشاءُ مِنً حوائِجٍ لِلْقوتْ خُذِ الْمَؤونَةَ الَّتي تَشاءْ السَّمْنَ والدقيقْ وَالتَّمْرَ والْحُبوبَ وَالكْسِاءْ وَغَيْرَها مِنْ كُلِّ ما تَراهُ يُفْرِحُ الأَهْلَ وَيُشْبِعُ الْجائِعَ ثُمَّ يَسْتُرُ الْعُرْيانْ وَلَيْسَ ديْناً أَيُّها الصَّديقْ بَلْ هِبَةً مِنْ فَضْلِ ما أَسْبَغَهُ الرَّحْمنْ وَلمْ يًصدِّقْ ذلكَ الصياد ما سمعهُ مِنْ فرحٍ با غتَهُ وقالَ: ما أَجْمَلَ ما سَمِعْتُهُ مِنْ جيرةِ الرِّضْوانْ قالَ الغَنيُّ: لي شَرْطٌ واحدٌ فيه وفاءُ الدين حتى لا تُدان قال له الصيَّادْ: مِنْ بَعْدِ هذا الْفَضْلِ في إغاثَتي سأَقْبَلُ الشَرْطَ الَّذي تَفرضُهُ حَتى وَإنْ كانَ سِقايَةَ الْحُقولِ أَوْ حِراسَةَ الْمَنْزِلِ أو رعايةَ القِطْعانْ قالَ الْغَنِيُّ: لا لِكُلِّ أَرْزاقيَ مَنْ يَحْرُسُها عَنيِّ فَيَنْشُرَ الأمانْ لكِنَ شَرٍطي أَيُّها الصَّديقُ قادِمٌ وَوَقْتُهُ ما حانْ وِسَوْفَ تَقْضيهِ إذنْ مُسْتَقبَلاً وَلَيْسَ يُقَضى الآنْ إنْ حانَ يا صديقُ أَجَلي ومَلكُ الْمَوْتِ أَتاني مِنْ قَبْلِ أَنْ تموتَ أنْتْ عَليْكَ أَنْ تُحرسَ قَبري سبعَ ليالٍ وَبها تُصَلَّي وتَقرَأُ الْقُرْآنْ فأَقْسَمَ الصَّيَّادُ أَنْ يُنْفِّذَ الشَّرْطَ وَعانَقَ الْغَنِيَّ باكِياً وَافْتَرَقَ الإِثْنانْ وَعادَ ذلكَ الصَّيَّادُ نَحْوَ دارِهِ لَدَيْهِ حِمْلُ جَمَلٍ ما يُفْرحُ الأَهْلَ بهِ ويُطْعِمُ النِّسْوَةَ وَالْوِلْدانْ * * * تُوّفِّيَ الغَنِيُّ بَعْدَ فَتْرَهْ وَودَّعَ الْمُشَيّعونَ قَبْرَهْ وَظَلَّ عِنْدَ ذلكَ الْمَكانْ الرَّجُلُ الصَّيَّادُ يوفي دَيْنَهُ فَتَارةً يُصَليِّ وتارةً يَدْعو ويطلُبُ الرَّحْمَةَ لِلْغَنِيِّ وَالْغُفرانْ وَبَعْدَ فَتْرَةِ الْعِشاءْ يَرْكَعُ باتِّجاهِ الكْعَبَْةِ الزَّهْراءْ ويَقْرَأُ الْقُرْآنْ وَعِنْدَما اشْتَدَّ سَوادُ اللَّيْلِ. والرِّياحُ هَدَأتْ وأَقْفَرَ المكانْ لاحَ مِنْ الْبُعْدِ شبَحْ سَوادُهُ أَشَدُّ مِنْ كَثافَةِ الظلامْ لَيْسَتْ لَهُ مَلامِحٌ مَأْلوفَهْ لا يُشْبِهُ الْوَحْشَ وَلا الإنْسانْ وَابْتَدَأَ الكَلامَ دونَ أَنْ يُحَيِّيِّ وَلَمْ يَقُلْ عِبارَةَْ السّلامْ قالَ: ابْتَعِد عَنِ المْقَامْ لآخُذَ النَّزيلْ في رِحْلَةٍ قَصِيَّهْ وَاصْمُتْ فلا تَقْرَأْ مِنْ التَّنْزييلْ لأَنْتَهي مِنْ الْمُهِمَّةِ السِّرِّيَّهْ وَعَرَفَ الغَنِيُّ أنَّ مَنْ خاطَبَهُ شَيْطانْ مُنْذُ نَهاهُ عَنْ قِراءَةٍ القُرْآنْ فَقالَ: لا.. لَنْ تأْخُذَ النّزَيلْ فَهُوَ في حِمايَتي أوفيهِ بَعْضَ الدّيْنِ والإحْسانْ إنْ كانَ ما تَقْصُدُهُ إنْسانْ خُذْني أنا كَيْ لا أخونَ عَهْداً قَطَعْتُهُ في أَصْدَقِ امتحانْ قالَ لَهُ الشّيْطانُ: لا فَأنْتَ لَسْتَ طلَبي ولا لَدَيْكَ أرَبي خُذْ ما تشاءُ أَنْتَ مِنيّ مِنْ نعْمَةٍ وفضّةٍ وذَهَبٍ وعشْ بها مُنَعَّماً مُبْتَعِداً عِنِ الأسْماكِ والْحيتانْ وَأُلهِمَ الصَّيَّادُ حيلَةً مارسَهَا فَقالَ لِلشَّيْطانْ: دَعْ صاحبي الآنَ معي وفي غَدٍ أَطْلُبُ مِنْكَ حاجَتي وأترُكُ المكانْ * * * وَأَحْضَرَ الصَّيّادُ قِرْبَةَ صغيرةً مثَقْوبَهْ أَثْبَتَها بسَقْفِ حُفْرةٍ بطولِ قامةِ الإنسانْ سترَها بالعُشْبِ والتُّرابْ وعنْدْمَا حَلّ الظّلامُ ظَهَرَ الشّيْطانْ وسَألَ الصّيّادَ: ما الّذي تَطْلُبُهُ لِتَترْكَ النّزيلْ؟ فَاسْتَقْبَلَ الصَّيَّادُ بابتسامةٍ عَدُوّهُ الشّيْطانْ وقالَ: يا صديقي لَوْ كُنْتَ تُنسيني شَقاءَ أيّامِ ذَهَبْ وليْسَ لي غَيْرُ طَلَبْ أُريدُ مِلْءَ هذي القِرْبَةَ الصّغيرَهْ ذَهَباً.. وهيَ كما تَرى يا صاحبي مِنْ أَصْغَرِ القِربْ ونَظرَ الشّيْطانُ فَوْهَةَ القِرْبةِ ثمّ بانْ واسْتَأْنَفَ الصّيّادُ ذِكْرَ رَبّهِ مُواصِلاً قراءةَ القرْآنْ وحَضَرَ الشّيْطانُ قَبْلَ الصُّبْحِ حاملاً كيسَ ذَهَبْ أفرَغَهُ في القِريَةِ المثقوبَهْ وسقط االنُّضَارُ كلُّهُ في الحُفْرَةِ المُظْلِمَةِ الرّطيبَهْ ونَظَرَ الشّيْطانُ نَحْوَ القِرْبَةِ العَجيبَهْ بكبرياءٍ وغَضَبْ وقالَ وهُوَ طائرٌ: غداً سأُحضِرُ البَقيّهْ وغابَ مِثْلَ كُتْلَةِ اللّهبْ * * * وعَبَرَتْ سِتُّ لَيالْ مَرّتْ على الصّيّادِ والشّيْطانِ في شبْهِ سِجالْ فَمُؤْ مِنٌ يُرَتّلُ القُرآنَ في صلاتِهِ وعِنْدَ الابْتهالْ ويَخْدَعُ الشّيْطان في قِرْبَتِهِ المثَقْوبهْ وزائِرٌ مِنْ عالمِ الشّيْطانْ يَطْلُبُ الْغَنِيّ مُنْزلاً بروحِهِ العُقوبَهْ وجَاءَ في لَيْلَتِهِ الأَخيرَهْ على يَدَيْهِ صُرّةٌ مِنَ الذَّهَبْ وقالَ: اسْمَعْ أَيُّها الإنْسانْ مَساءَ أمسِ قُلْتَ لي إيفاءُ شَرْطِكَ اقترَبْ لمْ يَبْقَ إلاّ عُمْقُ إصْبَعٍ لأَمْلأَ القرْبَةَ ثمّ تَخْتَفي عَنيّ وتحمِلُ الذّهبْ فَخُذ كثيراً منهُ يا صديقي لآخُذَ الهَديّهْ فليسَ لي مِنْ زَمَنٍ في الأرضِ بَعْدَ الآنْ وأفرَغَ الصُّرّةَ في القربَةِ والصيّادْ مُسْتغرقٌ في عالمَ القُرآنْ وأمْسَكَ فوهةَ القرَبة واقترَبْ يُخاطبُ الشّيْطانَ في أَدبْ: لكنَّ قِرْبتي لمْ تمتلئْ وأنْتَ طيّبٌ يا صاحبي لا تعرفُ التّقْصيرَ والكذِبْ فَغَضِبَ الشّيْطانُ صارخاً: وهلْ نَسيتَ أَنّني في رِحْلتي الأخيرهْ وضحكَ الصّيّادُ والشّيْطانْ قَدْ لاذ بالهَرَبْ فحمدَ الصّيّادُ رَبّهُ وعادَ نَحْوَ الدّارِ يَحْمِلُ الذَّهَبُ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |