حكايات شعرية للفتيان - الدكتور خالد محيي الدين البرادعي

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ثمَرَةُ الْجَوْزِ

كانَ الغُرابُ جائِعاً‏

نُعابُهُ يُمَزّقُ الفَضاءْ‏

يَبْحثُ عَنْ طَعامِهِ مُغاضباً‏

عَيْناهُ ترْقُصانِ بَيْنَ الأرضِ والسّماءْ‏

مَنْ يا تُرى؟‏

يُطعمُ طَيْراً جائِعاً‏

أوْ يَسْمَعُ النّداءْ؟‏

وقَبْلَ أَنْ تَغْمُضَ عَيْنُ الشّمْسِ‏

أوْ يَحْتَجِبَ الضّياءْ‏

أَبْصَرَ في أَعالي جَوْزَةٍ عَتيقَهْ‏

ثمرَةً ناضِجَةً‏

يَكادُ يقتَلِعُها العَياءْ‏

غادَرَها القِشْرُ‏

وهَبّةُ النّسيمِ قَدْ تُسْقِطُها‏

كَأَنّها تَشْكو مِنْ العَراءْ‏

فَانْقَضّ واقْتَطَفَها‏

مُلْتَمِساً لذَيذَ طَعْمِها‏

مِنْ بَعْدِ كَسْرِ القِشْرَةِ الصَّفْراءْ‏

قالَ لَها مُداعِباً:‏

سَوْفَ تكَونُ وَجْبَتي‏

أَحْشاؤُكِ البيضاءْ‏

***‏

وطارَ.. ثُمّ حَطّ فَوْق حائطِ قَديمْ‏

مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدْرِكَهُ المَساءْ‏

وأَنْشَبَ المنْقارَ في جسَدِها‏

وكانَ صَلْباً يابساً‏

وأَسْعَفَتْهُ في إِمْساكِها‏

مَخالبٌ سَوْداءْ‏

لكنّ تِلْكَ الثّمرَهْ‏

أَفْلتَتْ مِنْ قَبْضَةِ الغُرابْ‏

وهَوَتْ مُنْحَدِرَهْ‏

وعنْدَ أَسْفَلِ الجِدارِ لامَسَتْها‏

حُفْرَةٌ مُنْتَظِرَهْ‏

فَجاذَبَتْها وأهالَتْ فَوْقَها‏

قَدْراً مِنَ التُّرابْ‏

ولَمْ يَعُدْ يرى الغُرابْ‏

تِلْكَ الجَوْزَةَ المُسْتَتِرهْ‏

فصاحَ ثُمّ غابْ‏

وسَرّها مَخْبَؤُها الْجَديدُ‏

رُغْمَ ظُلْمَةِ الحِجابْ‏

وفرِحَتْ في بُعْدِها‏

عَنْ مَخْلَبِ الطائرِ‏

واخْتِفائِها عَنْ ضَجّةِ النُّعابْ‏

وهَدأَتْ مِنْ أَلَمِ الخَوْفِ‏

ورحْلَةِ العَذابْ‏

***‏

-: ظَمْأى أَنا‏

فَمَنْ يُغيثُ جَوْزَةً ظامِئَةً‏

بِجُرْعَةٍ مِنْ ماءْ؟‏

هذا الّذي قالَتْهُ تِلْكَ الجوَزْةُ المسكينهْ‏

فسَمِعَ الجَدْوَلُ صوْتَها‏

فانْسلّ نَحْوَها‏

مُبَلّلاً عُروقَها الظّماءْ‏

قالَ: أَنا الجَدْوَلُ يا صَديقتي‏

وطَبْعيَ العَطاءْ‏

وكُلّما ظَمِئْتِ أخْبرِيني‏

فَهَمَسَتْ شاكرَةً:‏

سُبْحانَ رَبي‏

مُبدِعِ الحياةِ والأحياءْ‏

يا جَدْوَلاً لا تَبتَعْد عنيّ إذنْ‏

فكُلّ شيءٍ في الوُجودِ حيٌّ‏

أَصْلُهُ مِنْ ماءْ‏

أَفرَحَها مَنْزِلُها الدّافيءُ‏

بَيْنَ الماءِ والتُّرابْ‏

وأَغْمَضَتْ نائِمَةً‏

بطولِ رِحْلَةِ الشّتاءْ‏

تَنْتَظِرُ الرّبيعَ يَطرُقُ حَوْلها الأبْوابْ‏

***‏

وأقْبَلَ الرّبيعُ حامِلاً سُنْدسَهُ‏

المفروشَ فَوْقَ خُضرَةِ الثّيابْ‏

وعِطْرَهُ المنَثورَ في الغُصونِ‏

والأكمامِ والأَعْشابْ‏

وناسجاً مآزرَ الحياةِ‏

فوْقَ كُلّ تُرْبةٍ مُواتْ‏

وعندَ كُلّ بُقْعَةٍ يَبابْ‏

فَاسْتَيْقَظُتْ ثَمَرَةُ الجَوْزِ ونادَتْ:‏

أيُّها الرّبيعُ إنّني‏

ملَلْتُ طولَ المَكْثِ وَالغيابْ‏

ونفَخَ الرّبيعُ فوْقها فانفلقَتْ‏

فنهضَ النّائمُ في أحْشائِها‏

وافْتَرّ عَنْ شَجَيْرَةٍ‏

مُخْضَرّةِ الإهابْ‏

وبسَقَتْ تَنْفُضُ عَنْ ضَحْوتها‏

الغُبارَ والتُّرابْ‏

وطالَ واستقامَ جَذْعُها‏

وفُرِدَتْ أغْصانُها‏

لِتَحْمِل الثِّمارَ والأطْيابْ‏

***‏

ومرَّ يَوْماً فَوْقَها الغُرابْ‏

كانَ عَجوزاً هَرِماً‏

أرْهَقَهُ الزّمانُ حَتّى شابْ‏

فَهَتَفَتْ شَجَرَةُ الجَوْزِ‏

لِيَسْمَعَ الأَحبابْ‏

-: يا طائِراً يَعْشَقُهُ الخَرابْ‏

لوْ كُنْتَ في ماضي السّنينْ‏

أَكَلْتَني‏

لكُنْتُ وَجْبَةً عابِرَةً‏

وكانَ مَوْضعي الظّليلْ‏

ومَوْقِعي الجَميلْ‏

جُزْءاً مِنَ المُواتِ والْيَبابْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244