اعتذار مـتأخـر من الطفولة - عبَد المطلب محمّود

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بائع الحدائق

إلى: روح السيّاب.‏

لا تُسَمِّ البكاءَ غناءً...‏

ولا تلتفتْ للغناءِ - البكاءْ‏

دَع القلبَ ينفضُ عنه العصافيرَ‏

يسكتُ... إذ تبدأ الشجوَ فاختةٌ‏

فهي أعذبُ منكَ‏

وأجهلُ بالحزنِ من أيِّ ما عاشقٍ‏

مُجهَدٍ بالهوى‏

ياصديقَ الحمامِ المُحلِّقِ‏

صاحِ: اهذا الذي كنتَ خبّأته‏

في جوارير قلبكَ منذ الطفولةِ؟!‏

ياعجباً...‏

إنه بعضُ ما اصفرَّ من ورَقٍ‏

وقصائد ناقصة...‏

وقواقع فارغة...‏

وهدايا... وبعض من "التذكراتْ".‏

لا تُسَمِّ البكاءَ غناءً..‏

ولا تلتفتْ للغناءِ- البكاءْ‏

وأَعِدْ ماتبعثر فيكَ..‏

تجدْ أنّ ثمةَ بين الذين كنتَ خبّأته‏

في جوارير قلبكَ‏

يمكن أن يُصبحَ الآن طفلاً نبيلَ الملامحِ.‏

يملك أن يُحسنَ القولَ فوقَ المنصّةِ‏

في قاعةِ الاحتفالْ!‏

*‏

حسَنٌ... حسَنٌ... حسَنٌ...‏

قُدّامَ كنيسةِ (باتري بيير)*).‏

كان لويسُ يبيعُ دُمىً‏

لمسيحٍ طفلٍ يجلس -إذْ تُجْلِسُه في باطِن كفِّكَ-‏

بوداعةِ طفلٍ حلوٍ‏

طفلٍ يُشبه طفلاً خرجَ من الحمّامِ قُبيلَ دقائقَ‏

كان لويس يبيع حدائقَ‏

لا.. لا..‏

كان يبيع مراعيَ ملأى بالحِملانْ‏

مراعيَ يمكنُ أن توضعَ في الكفِّ‏

تُثيرُ البهجةَ في قلبِ الطفلِ - الدُميَةِ‏

والدهشة في أعماقِ الأطفالْ‏

وقريباً من باب كنيسة (باتري بيير)‏

توقّف ذات ضُحىً ولدٌ ناحلْ‏

يحملُ صُحفاً ودفاترَ ملأى بالشعرْ‏

رآه لويسُ البائعُ من خلف زجاجِ النُظّارةِ...‏

ناداه:‏

- "أبا غيلان...‏

تعال استبدلْ بمسيحٍ طفلٍ يخرجُ‏

من قُدّاسٍ الميلادِ‏

مسيحاً طفلاً ظلَّ ثلاثَ ليالٍ مصلوباً في الريحْ...".‏

لكنّ (أبا غيلانْ)‏

كان يهزّ يديهِ..‏

فيّساقط من بين دفاترهِ الملأى بالشِعرِ‏

فُتاتُ الخُبز...‏

ليلتقطَ الأطفالُ الجَوعى منهُ‏

أعني الأطفالَ المزدحمينَ ببابِ الدكّانْ‏

فلا يأكُلُها طفل منهم...‏

بل يُطعِمُها للحِملانْ‏

"خّذْ.. كُلْ..."‏

والحَملُ- الدميةُ- لا يأكلْ‏

والطفلُ - الدميةُ يبقى محتفظاً بوداعتِهِ‏

يرنو بعيون مسيحٍ في أوجِ طفولتهِ‏

لا يضحك..‏

لا يبكي...‏

لا يذكر أن صليباً من خوفٍ سيُطاردُه‏

حين يصير مسيحاً رجُلاً يفدي الناسْ‏

أو أن صليباً من حمقى‏

سيُرافقه في كلِّ زمانْ‏

أو أن صليباً من شعراءَ سيقتلهُ‏

..................‏

ويسيرُ الرجُلُ الناحلُ مهموماً بالأطفالِ الجَوعى‏

يحملُ صُحُفاً...‏

ودفاترَ ملأى بالشِعرِ‏

يبدو لعيونِ الأطفالِ كمن يحملُ صُلباناً‏

من أشعارٍ... أو أشواقْ!...‏

شتاء 1994.‏

(*) باتري بيير: من كنائس بغداد أُنشِئَت أوائل القرن العشرين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244