اعتذار مـتأخـر من الطفولة - عبَد المطلب محمّود

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

يقول المُغنّي

إلى الشاعر عبد القادر الحصني.. صديقاً‏

سيقول المغنّي:‏

-انتظرني..‏

تقول القصيدةُ:‏

-خذني..‏

على محملِ الجَدِّ.. خُذني‏

سآتيكَ لابسةً ثوبَ نُومي‏

لتصحوَ بينَ يَدَيَّ..‏

وتُدلي إليَّ.. بأنكَ ما كنتَ تعرفُني‏

قبلَ هذا المساءِ.. لأنّي‏

تركتُكَ.. أمعنتُ في الدَلِّ‏

حتى كأنَّكَ لم تَرَ قبلَ هذا المساء‏

وحتى كأنّي..‏

توزّعتُ في أكبُدِ الشُعَراءِ‏

فصاروا جميعاً إذا ما خرجتُ إليهم‏

مُبعثرةً... راودوني‏

أباحوا لأنفُسِهمْ أن ينالوا ثيابي‏

وأن يدخلوا في جنوني‏

وإنّيَ لَكْ..‏

لكَ أنتَ.. لوحدِكَ أسلمتُ روحي‏

وأسكنتُ في صفحةِ الروحِ من صُورَي‏

كي تُباغِتَها بطفولةِ حزنِكَ‏

يا أيُّها المستبدُّ..‏

تلطَّفْ قليلاً معي.. وانتظرني‏

سآتيكَ حاسرةً‏

أتجنَّبُ في رحلتي لهفةَ الشُعَراءِ...‏

يقول المغنّي:‏

-وإنّي...‏

ولا يُكمِل القولَ من فرطِ لهفتهِ والتَمنّي!‏

(أكنتَ معي ساعةَ اجّاوزتْني العيونُ؟!‏

وساعةَ راودني الشُعَراءُ؟!‏

وساعةَ ضيَّعني خَجلي؟!)‏

انتظري..‏

انتظري الليلةَ القلبُ يفتحُ بؤبؤَهُ‏

ليصيرَ حدائقَ..‏

أو يستحيلَ إلى قمرٍ يختفي في الحدائقِ‏

أو يمتطي صهَواتِ الغيومِ الخريفيّةِ...‏

انتظري...‏

لستُ وحدي لأَجهشَ هذا المساءْ‏

يا صديقةَ قلبي... بكلِّ البكاءْ‏

أو أَلوذَ بظلِّ المُحبيّنَ والأصدقاء‏

بصوتِ نشيجِ المُغنِّي‏

المُغنّي الذي مَدَّ إصبَعَهُ‏

كاد أن يتلمَّس من لهفةِ الشوقِ‏

سورَ السماءْ‏

ويقطفَ من روحهِ وردةً‏

أنتِ وحدكِ مَنْ يَستحقُّ شميمَ أُنوثتِها‏

انتظري..‏

انتظري..‏

انتظري...‏

ربَّما -بعدَ حينٍ- سينفَضُّ من حَوْليَ الأصدقاءُ‏

وأنزعُ عَنّي ملابسَ وحشتي/ الانتظارِ:‏

قميصَ دمي.. ورباطي.. وأقمطتي‏

والتحيّاتِ.. والضَحِكَ المُتَخفّي على وجهِ فاتنةٍ سحرَتني.‏

(قميصُ دمي قُدَّ من قُبُلٍ‏

ساعةَ اجتزتُ سورَ السماءْ‏

رباطُ الأسى-هل ذكرتُ الأسى قبلَ‏

يوميَ هذا؟!- وقد شدَّني للوراءْ..‏

وأقمطتي..)‏

ما لحُزنِ العباراتِ يملَؤني بالدفينِ من الخوفِ؟!‏

أقمطتي/ الخوفُ ليست تكفُّ عن الشَدِّ‏

هذا قماطُ الوليدِ..‏

وهذا قماطُ التثبُّتِ من خطوتي كلما اجتزتُ‏

بعضَ المسافةِ... بيني وبيني‏

وهذا قماطُ التحيّاتِ... والضَحكاتِ‏

وما خبَّأَ القلبُ -خوفَ الوشاةِ- من اللَّهَفاتِ‏

يقولُ المُغنّي!!‏

أقولُ... وأعني الذي سأقولُ:‏

-أكنتِ القصيدةَ أم كنتِ نفْسي؟!‏

أأَوقَعني الوهمُ في لحظةٍ بين شيخوخةِ الوردِ‏

والطفلِ إذْ يتلهَّفُ أنْ يتركَ الحبْلَ فيَّ على غاربِ‏

الصَبَواتِ؟!‏

أَأَمكنْتِ منّي.. بَنيَّ وزَوجي ومُهرةَ رأسي؟!‏

ألا انتظري...‏

انتظري..‏

انتظري‏

أنت... ظري!‏

بعد حينٍ سأَصحوَ من كُلِّ هذا العناءْ‏

وآتيكِ عُريانَ إلاّ من الروحِ‏

أسألُكِ الصفْحَ عن لهفةِ اللَهفاتِ إليكِ‏

وعن ضَحِكِ الضَحِكاتِ‏

إذا ما وضعتُ جنوني الجميلَ على راحتيكِ‏

وعن شجر كان يُمكن أن يغتدي ذات ليلةِ حُبٍّ‏

حديقةَ وردٍ تُخبّئُ ورْداً لأجمل فاتنةٍ‏

تتمثَّلُ روحي...‏

تُماثِلُني في البكاءِ النبيلِ عَلَيَّ‏

إذا اهتزَّ قلبي عليكِ...‏

وغيَّرَ لَوْني‏

يقولُ المُغنّي...‏

يقولُ المغني‏

يقولُ المُغنّي‏

ويسكتُ من تَعبٍ إذْ يراكِ/ القصيدةَ‏

أقبلتِ من كلِّ هذا الكلامِ إليَّ‏

كأنْ لم تغيبي...‏

ولم تستطيبي الإقامةَ في بيتِ لهفةِ غَيري‏

وفي كلماتِ سوايَ من الشُعراءِ‏

-عِمْ مساءً حبيبي.. استرح"‏

يا مفازاتِ وحشتيَ المُدلهمَّةِ‏

كيف -تُرى- أستريحُ ولم تستريحي؟!‏

ويا صَبوَاتِ الطفولةِ قمَّطها فيَّ حبلُ المودَّةِ‏

-مُهترئاً-شُدَّني.. شُدَّني.. شُدَّني‏

لعيونِ التي أنشبت -بغتةً- رمحَ فتنتها‏

في سكوني‏

وتَقَطَّعْ إذا ما رأيتَ سوايَ يُلاحقُها بالعيونِ‏

ودَعْني أحاولُ أنْ أتشبَّثَ بالطفلِ...‏

قبل اقترابِ الشروحِ‏

لعلّي أُغنّي..‏

لعلَّ التي... تشتهي لهفتي وتجيءُ‏

تفزُّ من النومِ... من صحوةِ اليقظةِ المُستريحةِ‏

تتركُ عُشّاقَها الأَغبياءْ‏

تُخبِّئُ ما قد تبقّى من النبضِ/ سربَ حمامٍ‏

يطيرُ من القلب..‏

من بؤبؤِ القلبِ‏

يسكِنُ من نفسهِ في أقاصي السماءْ‏

لعلَّ المُغَنّي‏

يطيبُ مقاماً معي‏

وتُصيبُ القصيدةُ -ساخرةَ الروح-منّي‏

لها شاعراً واحداً...‏

يتمشّى إلى عرشِها حافياً‏

ويدخلُهُ بعد طولِ عَنَاءْ‏

يقولُ المُغنّي...!!‏

تشرين الثاني 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244