اعتذار مـتأخـر من الطفولة - عبَد المطلب محمّود

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حديقة الشاعر

إلى: عبد الأمير معلّة... حاضراً.‏

"حدِّقْ بأشجار الحدائقِ..."‏

-لا حدائقَ..‏

كلُّ هذي الأرضِ بيداءٌ‏

ولا يكفي حصارٌ واحدٌ لحِصارِها‏

"حدِّقْ بوجهي..."‏

-لا أراهُ..‏

وجوهُ كلِّ الناسِ واحدةٌ‏

فكيف -تُرى-أراكَ‏

وأنتَ قد تبدو سواكَ‏

وقد يكون لِوجهةٍ أُخرى مداكَ...‏

وأنتَ حتفَ قِفارِها؟!‏

"حدِّقْ -إذاً- بالراحلينَ..‏

الغائِبينَ.. الساكتينَ.. الناطِقينْ‏

بالموجِعينَ فؤادَك الملقى على غُصُنٍ‏

تُهامِسُهُ العصافيرُ..‏

المُغَطّى بالحراشف.. والمسلاّتِ الحديدِ‏

وقد تعثَّر موسمُ القِدّاحِ في أحجارِها!‏

الراحِلونَ تذاكَروا ما بينَهم‏

والغائبونَ تسامروا في كلِّ هاتيكَ العشيّاتِ‏

احتفاءً بالبقايا..‏

أو بقايا الحاضِرينْ‏

والساكِتون تكلَّموا عنّا..‏

وقد -أو ربَّما- تعِبوا من الصَمتِ المُرينْ‏

فأشعَلوا نارَ الهوى في الناطِقينْ‏

أفَهَلْ تُراكَ تَراهُمُ الآنَ؟!‏

استرحْ (عبدَ الأمير)...‏

وأَرخِ أقمطةَ المهامِهِ عنكَ..‏

وانظرُنا.. انتظِرْنا..‏

استفتِ فينا الشامِتينْ!‏

حدِّق بنا.. أو لا تُحدِّقْ‏

إنَّ أشجارَ الحدائقِ غادَرَتْنا حين لم نُحِسنْ‏

صداقَتَها..‏

وقد كلَّفتَنا أنْ ننقلَ الأشجارَ من عَدْنٍ بعيدٍ:‏

* شتلةً من ياسمينِ الوجْدِ.‏

* أُخرى من قَرنفُلِ موسمٍ آتٍ.‏

* وثالثةً من الصُبَّارِ...‏

"هذا النوعُ من عَجَبٍ أراه"..‏

سألتَ مُندهشاً‏

*ورابعةً.. خذوها قلتَ..‏

كانت من فَراشاتٍ‏

-"أليستْ من سُلالاتِ البنفسجِ؟!"‏

*لا.. مخالبُ هذهِ من عَوسجٍ‏

-"اللهَ.." صِحتَ‏

"أَهذهِ التُدعى العَضاهُ؟!"‏

*أجلْ.. ولكنْ شوكُها كأصابعِ الجُوريِّ‏

.......‏

يا (عبدَ الأميرِ) كفى.. كفى أرجوكَ‏

أشجارُ الحدائقِ لم تَعُدْ مِمّا يُثيرُ الاهتمامَ‏

لقد غَفَوتَ..‏

وقد أخذتَ الآسَ من شُبّاكِ بيتِ حمامةٍ‏

فاستيقظَ (الدُفلى)..‏

استبدَّ.. وكادَ..‏

لكنَّ الحدائقَ أطفأتْ أورادَها‏

وتحصَّنتْ منّا بأسيجةٍ من الإسمنتِ...‏

يمتدُّ السياجُ..‏

وبعدَهُ يمتدُّ -ثانيةً- على الأَشجارِ آخَرُ‏

ثمَّ يمتدُّ السياجُ على سياجٍ رابعٍ‏

ويقوم آخَرُ -خامسٌ- فوق الحدائقِ..‏

ثُمَّ..‏

ربَّاهُ.. الحدائقُ غادَرَتْنا حينَ لم نُحسِنْ صَداقتَها‏

ولم نُحسِنْ تدارُكَ ما استفاقَ بنا من "العاقولِ"‏

-كيفَ غَضَضْتَ طرْفَكَ عن سياجِ حديقةِ المجهولِ؟!‏

كيف تركتَنْا وذهبتَ تبحثُ عن غريباتِ الشتولِ؟!‏

أكنتَ تجهلُ أنَّ شتلةَ ياسمينِ الضوءِ‏

أجملُ شُجيراتِ (العضاهْ)؟!‏

أَمْ كنتَ تعلمُ أنَّ شتلةَ نرجسٍ‏

غُرستْ على (صُبَيْرةٍ) خَطأً...‏

ستُنجبُ غُصْنَ آهْ؟!‏

واللهِ.. إيْ واللهِ يا (عبدَ الأمير)‏

لقد مضيتَ..‏

وكنتَ تعلمُ أنَّ ذاكرةَ الفصولِ‏

مثلُ الحدائقِ.. حاصَرتها -بعد أسيجةِ الحجارةِ-‏

أذرعُ الأَسمنتِ..‏

طولَ الوقتِ..‏

طولَ الوقتِ بين حديقةِ الحُلُمِ المُقيمةِ فيكَ‏

يا (عبدَ الأميرْ)‏

وبين موعدِكَ الأخيرْ‏

مُلقىً على خَشبِ السَّريرْ‏

طفلاً..‏

يحاولُ أنْ يُحدِّقَ في بقيَّةِ ما تَبقَّى من حديقتهِ‏

فتمنعهُ مخالبُ قادمٍ يُدعى: المصيرْ!‏

..........‏

*"حدِّقْ بأشجارِ الحدائقِ..."‏

-لا حدائقَ..‏

كلُّ هذي الأرض بيداء‏

ولا يكفي حصارٌ واحدٌ لحصارِها!‏

* أَأَمِنْتَ.. فاستَيقَنتَ؟!‏

أَمْ قد قُلتَِ ما قد قُلتَ مَزهوَّاً بما صَدَّقتَ؟!‏

-بل حدَّقتُ.. إذْ حلَّقتُ..‏

واجّاذبتُ أطرافَ المهامِهِ‏

وهي تنأى عن خُطا سُيّارِها‏

ورأيتُ.. حين دخلتُ قبلكمُ الحدائقَ من خلالِ جدارِها‏

وسَرَيتُ أَبحثُ عن وجوهٍ غَضَّةٍ‏

لم تَنجُ من أعمارِها!‏

(عبدَ الأمير) كفى..‏

كفى أرجوك..‏

خَلِّ -ولو قليلاً- من زهورِ الياسمينْ‏

ومن "شتولاتِ" القَرنفلُ..‏

والتأمُّلِ..‏

والتَعلُّلِ..‏

كي تظلُّ لنا حدائِقُنا‏

فيأتي أيُّما أحدٍ‏

ويغرِسَ أيَّما غُصنٍ على بُقيا السنينْ‏

علَّ الطفولةَ -بعدَنا- تأتيهِ..‏

كيما تصطفيهِ..‏

وكي تشمَّ الوردَ فيهِ..‏

وتقطُفا!‏

تشرين الأول 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244