اعتذار مـتأخـر من الطفولة - عبَد المطلب محمّود

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:14 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مدوَّرة "زمان الوصل"!

يأتي زمانُ الوصلِ، ثم يضيعُ في طُرقاتِ (بغدادَ) العجيبةَ، ثم يأتي كي يضيعَ، ووجهُكِ الورديُّ، ذيّاكَ الربيعيُّ، ابتلاني بالهمومِ وبالحنينِ، أضعتُ نصفَ القلبِ في...، وأعدتُ ترتيبَ العلاقةِ: نصف قلبٍ في زمانِ الانتظارِ مضى، ونصفٌ بانتظارِ الوصلِ غادَرني إلى شطآنِ دِجلةَ. يا ابنةَ الصيّادِ، يا صيّادةَ الأحلامِ، هل من لحظةٍ لا تنتهي أُبقيكِ فيها؟!‏

أشتهي أن أجمعَ النصفينِ، قلبي واحدٌ، وخُطاي آلافٌ من الأخطاءِ، هل تأتينَ؟! لا أدري-سآتي في صباح الأربعاءِ. وما يُهِمُّ، سأجلبُ الأحلامَ، والوردَ الربيعيَّ، الحديقةُ أزهرتْ، والوردُ لاحَقَني بفتنتهِ، وعطرُ (الرازقيِّ) يُشيعُ بي حُزناً على عُمُرٍ تقضّى دونما وَصْلٍ، وقد آويتُ روحي بانتظارِ فراشةٍ تأتي، وفاختةٍ تُسائلُ أُختَها عند الظهيرةِ: أينَ مَنْ؟! مَنْ! ما الذي يجري؟! زمانُ الوصلِ ضيَّعَ قبليَ الطُرُقَ، استراحَ على شواطئَ لم تَزُرْها قبلَكِ الأحلامُ، ضيِّقةٌ هي الأحلامُ إذ تمضينَ، إذْ كفراشةٍ تمضينَ، وردي بانتظاركِ ما يزالُ، ولهفتي، والشوقُ، قلبي، محنتي، ضجَري، أُحبُّكِ، لا أحبُّ...، أُحبُّ يومَ الأربعاءِ إذا أتيتِ، ونصفُ قلبي ضائعٌ منّي، ونصفُ القلبِ ضاعَ قُبيلَ يوم الأربعاءِ، تمهَّلي، واللهِ.. لا بلْ إيْ وحقِّ اللهِ، إنّي الآنَ أشعرُ بالحديقةِ أَطلعتْ أزهارَها.‏

فتَّحتُ أوراقي، اقبِلي عند الضُحى شمساً، أو انتظري‏

فراغي من جميع شؤوني، الساعاتُ ضيِّقة، وهذا العُمْرُ يجري مثلَ (دجلةَ)، مرةً يصفو، وأخرى يشتهي -مثلي- زمانَ الوصلِ، تأخُذُه الحدائقُ، كم تُكدِّرُه الحدائقُ، والحنينُ إلى ابتسامِكِ مثلَ خيطِ الفجرِ، يوقِظُني ويوقِظُهُ، فيصحو، ثم يتركُني أُمنّي النفسَ بالـ...يا راحتي، يا راحتي الطارتْ بعيداً، لا زمانُ الوصلِ يُرجِعُها ولا قلبي. سأبقى أرتدي وجهاً ربيعيّاً، وأبقى أحتمي بظلالِ طفلٍ طالما أحببتُهُ، وأجيءُ، يومُ الأربعاءِ مضى، الخميسُ، الجمعةُ، السبتُ...، الخميسُ، وأنتِ -مثل طفولةٍ هَرَبتْ-ستبتسمينَ، إذ تتوقَّفين دقيقةً، وتُسلِّمينَ، وتهربينَ، وتقتُليني قتلَ عامدةٍ...، أيمكنُ يا زمانَ الوصلِ أنْ تأتي لتأخُذني بدونِ أصابعِ الأزهار؟! يُمكنُ؟! كيف يُمكنُ؟! لو كتبتُ الآنَ كلَّ دفاترِ الأشعارِ أشعاراً بها، وجمعتُ أنصافَ وصُغْتُها قلباً، وقسَّمتُ الأسابيعَ البليدةَ.. ما أُصدِّقُ، كيف يمكنُ أنْ أُصدِّقَ؟!‏

آهِ.. فلتذهبْ، أَلا أذهبْ من أمامِ البابِ، نعلُكَ ما يزالُ يعيقُ فتنتَها عن الطيرانِ، لكنَّي..، زمانُ الوصلِ وَلّى فانتظرْ، أو حاولِ الطيرانَ، دجلةُ دونما شُطآن، قلبُكَ دونما شُطآنُ، عُمركَ ضاعَ من بين الأصابعِ زهرةً هرُمتْ. وعُمْرُ حديقةِ الأزهارِ مُكتظٌّ بأحلامِ الطفولةِ... آهِ، فلتذهبْ بعيداً من أمام الباب!.‏

ها هي ذي أتَتْ، لا.. أَخلَفَتْ في الصُبحِ موعَدها، فدَعْنا يا مساءَ القلبِ ننتظرُ الخميسَ، الجمعةَ، السبتَ، الربيعَ، الوردَ، من سنةٍ إلى أُخرى، وسِرْ، سِرْ بي بعيداً، إنها ذهبتْ بكلِّ زمانِ وصلٍ، بعدَها لا وصلَ، لا مِن فتنةٍ تأتي، ولا من صوتِ فاختةٍ تقولُ لأختِها: جاءتْ،... وما لحديقةِ الأزهارِ إلاّ الاعتذارْ!‏

يأتي زمانُ الوصلِ في ما يُشبِهُ الأَحلامَ، لو يستطيعُ هذا الـ "يُشبهُ الأحلام" أنْ يأتي؟!، ولكنَّ الزمانُ مضى بعيداً، لم يُعدْ للوصلِ من معنى، فغُذَّ السيرَ وحدَكَ، واقطعِ البِيدَ انتظاراً للفراقْ!‏

آذار 1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244