أوراق عام الرمـل - يوسف علاء الدين

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أوراق عام الرمل

.. وأراهُ من خللِ الشبابيكِ الضئيلةِ‏

والشبابيكِ الصديئةِ‏

والضبابْ.‏

جسداً يلاحقهُ الغيابُ‏

على سلالمَ‏

من عزاءات مرمّدةٍ‏

على جنحينِ‏

من وجلِ السكونْ.‏

إني أراهُ...‏

يمرُّ من بوابةِ الرجعِ الشحيحِ‏

لصرخةٍ...‏

هجرتْ ملوحتُها بلا وعدٍ‏

وظللتِ الصدورَ‏

بوابلٍ من طينِ عتمتها‏

وأسمالِ الغصونْ.‏

ينتابُهُ الليلُ العطيبُ‏

وماؤهُ المنخورُ‏

في كأسِ الرقادْ.‏

وينامُ ملتحفاً‏

نقوشَ دمائِهِ السوداء‏

والرؤيا‏

ورائحةَ الجنونْ.‏

... ويضيعُ قربَ يديهِ‏

ماقَدْ ضاعَ‏

بينَ أصابِعِ الأنخابِ‏

والمدنِ التي كبرتْ‏

على شكلِ الظنونْ.‏

ليعودَ للظنِ العتيقِ‏

على حدودِ رمادهِ‏

المنسوخِ عن جلدِ القبائلِ‏

والحداءْ.‏

مدّي يديكِ إليهِ‏

أو مدّي الظهيرةَ‏

كي يرى...‏

ظلَّ العراءْ.‏

واستنجدي‏

لحضورهِ الموفورِ -نزّاً موجعاً- بالريحِ‏

والقصبِ الأصيلْ.‏

هو داخلٌ تحتَ الهبوطِ...‏

وخارجٌ...‏

من تحتِ أفياءِ الثلوجِ‏

وظلِّ صمتٍ مُتلفٍ‏

بدجى هدوءٍ نافرٍ،‏

ودجى تجاعيدِ الهواءِ.‏

هبّي إليهِ أو اندهي‏

من فوق أسطحةِ الزوال:‏

"رملٌ على جنبيكَ‏

والظهرُ الوراءْ...‏

متعثّرٌ في صدرهِ المفجوعِ‏

والسرُّ الأمامُ‏

يفكُّ أزرارَ التواريخِ الرديئةِ‏

عن أمامٍ واغلٍ‏

قيلولةَ الفألِ المزيّنِ بالوعودِ‏

وما تجعّدَ...‏

فوقَ بلّورِ الهباءْ.".‏

-2-‏

ليلٌ حرونٌ‏

نصفهُ رملٌ...‏

وموتٌ نصفهُ الثاني،‏

وأقمارٌ حفاة.‏

مطرَّ على البيدِ الطليقةِ‏

واتقادٌ خامدٌ وندوبُ قرٍّ‏

ممسكاتٌ بالرميمْ!‏

الآنَ حزنٌ،‏

والغداةَ الحزنُ يبحرُ‏

في اشتقاقكَ‏

من ورودٍ حالكةْ...‏

وقفتْ مضمّخةً برائحةِ البكاءِ‏

وجرحها المحظورِ..‏

والوقتِ الأثيمْ.‏

الوقتُ يلتهمُ الطفولةَ‏

والضجيجُ...‏

يُوزّعُ الصمتَ الوقورَ‏

على زفيرِ نوافذٍ‏

دخلتْ مساءاتِ السقوطْ .‏

يبسَ القرنفلُ والحدادُ‏

ولجّةُ الأتراحِ‏

والموجُ الذي عبرَ‏

المرايا وانتظرْ؟!...‏

خبرَ العصافيرِ التي أمضتْ‏

قرابةَ موتها شوقاً‏

لأجنحةٍ بلا رملٍ‏

ولا نخرٍ حطامْ.‏

ضجّي على القلبِ المرحَّلِ‏

ياعصافير الدماءْ.‏

الرملُ بَعْثَرَنا وجمّعناه‏

في الموتِ الحرامْ .‏

-3-‏

هل جئتِ تبتهجينَ‏

داخلَ خفقي المركونِ‏

في الثلجِ العنيفْ؟‏

هذا الحضورُ...‏

كأنّه الإسراف في الضحكِ الخؤونِ‏

على تخومِ الدمِّ،‏

والحبقِ الرهينْ.‏

كيف انتزعتِ خروجكِ المحمومَ‏

من باب الدمار،‏

ولم تساورْكِ ارتياباتُ الفجائعِ‏

إن صحرائي العتيقةَ‏

غيّرت أسماءها!...‏

وتغيّرتْ فيها تقاويمُ الهواءْ.‏

ومشتْ على مهلٍ‏

ببذلةِ أنسها..‏

وفتوّةٍ نسجتْ‏

شظايا القهرِ والخيمِ‏

التي شحذتْ مودتها‏

وأهوتْ...‏

كي تجرّعنا الفناءْ.‏

عودي إلى حدبِ الحكايات البعيدةِ‏

واقرأي ..‏

في طالعِ النارِ الممزّقِ‏

عن جنونٍ‏

سَعّرَ الأحزانَ‏

وافتتحَ المجونْ.‏

عودي إلى عبئي البعيدِ‏

وحاولي ..‏

ركضَ البيوتِ إلى قرى الريحانِ‏

وأستسقي الدماءَ‏

لكي تقومَ إلى يفاعتها‏

وأورادِ الحنينْ.‏

-4-‏

إذنْ..‏

سائرٌ في تقصّي الغزيرِ‏

من البرقِ والنومِ‏

تحتَ غطاءِ الظنونْ..‏

أراها جموعاً...‏

ُتزنّرُ خصبَ التعري،‏

وتهرعُ كالصافراتِ‏

إلى بسطِ أصدائها،‏

واصفرارِ الدماءِ عميقاً‏

شروقَ النخيلْ.‏

أُقارئُ هذي الجموعَ..‏

صكوكَ الدهاليزِ والمنتهى‏

من منافٍ...‏

وأنثى بلادٍ‏

تجمهرُ أشواقها‏

ساحةٌ‏

للنشورِ الكليلْ.‏

سأفلشُ - في عزّ صمتي‏

المغمّسِ بالقهرِ- هذا السخاءَ‏

العجيبَ من الشعرِ‏

حتى تهرَّ الدماءُ‏

- بلا كذبٍ- فوق أجسادها‏

مثلَ ماءِ الوحولْ.‏

... إذنْ عاشقٌ ضائعٌ‏

وتتبعهُ الموجعاتُ،‏

تراني أُصاحبهنَّ،‏

مدىَ الحيرةِ النافرة.‏

وأصحبهنَّ‏

إلى خيبةٍ في الرياحِ‏

وأسألُ عمن يشاركني‏

في الندوبْ!‏

ويلمحني في الرسائلِ‏

أو فوقَ أوراقِ رملٍ...‏

ونبحثُ بين النخيلِ‏

- التراجعَ طيشاً -‏

عن السروِ أو تحتَ ظلِّ الثقوبْ.‏

.. إذنْ‏

عامُ رملٍ يهلُّ...‏

لياليهِ من داكناتٍ‏

وموعدهُ لمْ يضعْ وقتَهُ‏

أو يضيعْ.‏

نهاراتُهُ صاخباتُ تقومُ‏

إلى ماوراءَ الخيامِ‏

وقد غجّرتْ رقصَها والغناءْ.‏

ودقتْ طبولَ الدخولِ‏

إلى خيمةٍ هيأتْ‏

مايطيبُ...‏

وماقدْ يلّذُّ‏

لقارعةٍ من شحوبٍ‏

ومن حمحماتِ‏

الغيابِ الفجيعْ.‏

-5-‏

بيْدٌ معفّرةٌ بأعراسِ الفجيعةِ‏

واحتلابِ النارِ،‏

والضوءِ الضئيل.‏

بيْدٌ تطولُ‏

إلى مدائنَ مِنْ ذواتِ‏

النومِ ضائعةً‏

وإطباقِ الطبولِ‏

على سكوتٍ مبهرٍ،‏

وموزَّعٍ‏

بين الأصابعِ والعيونِ.‏

- نمْ يافتى!...‏

صبحاً نقومُ ونختلي‏

بوداعِكَ الميمونِ‏

والرزقِ الحلالِ،‏

ونجتلي...‏

أثرَ البلادِ،‏

وما أخافكَ فوقَ خدِّ الحلمِ...‏

من جللِ التشقَقِ...‏

وانكساراتِ الأمومةِ‏

والأبوّةِ والدماءْ.‏

إنّا من النعسِ العظيمِ‏

نكادُ نفلتُ‏

من عقالِ تضرّعٍ،‏

ومهابةِ الحزنِ الوقورةِ‏

والتعرّقِ خشيةَ‏

الحبوِ المفضفضِ وانزلاقٍ آخر..‏

هذا الفتى ..‏

فيه من المسِّ المدجّجِ بالظنونِ،‏

وحشوةِ الوعر المّدانةِ‏

ما يقهقرُ...‏

في خرائطنا حرابَ الدمعِ‏

والأسفَ الكبيرَ،‏

وكسوةَ التوتِ المرصَّعِ‏

بالهتافِ .‏

- مَنْ أنتَ يا هذا المسهِّدُ‏

والمريبْ؟!‏

- إني حداءٌ موغلٌ‏

في الأزمنةْ‏

ونشيجُ عمرٍ واقعٍ‏

تحتَ الرياحِ الداكنةْ.‏

إني جميلُ الموجِ‏

طفلُ قصائدِ الشجرِ الذي‏

حفظتهُ في علنٍ‏

أمومةُ خضرةٍ قُصفتْ‏

وألقتني السنون على مساربها‏

ولهو الأمكنهْ.‏

إني من الأخِ النزيزة‏

واهنٌ...‏

آخٌ مُدَمَرةٌ...‏

تدحرجها‏

على مدِّ الفصول الخاوياتِ‏

مدائنٌ...‏

من بحّةٍ صفراءِ تنسجُ...‏

من لعابِ الرملِ، بشراها‏

وأصداءَ الصفيرِ الماجنةْ.‏

-6-‏

هذا ابتعادُكَ واقترابُ‏

ملامحِ الزمنِ الوبالْ.‏

والقلب أولمَ نبضَهُ المغدورَ‏

تحت أصابعِ المدنِ التي وهنتْ‏

مواسمها وحصّنتِ الذبولْ.‏

هذا اقترابك من خرائطَ‏

للدمِ المشلوحِ أبعدَ‏

مايكونُ به الزوال.‏

يا أيها القلبُ الذي فقدتهُ‏

ذاكرةُ الترابْ.‏

قفْ كي تزيحَ عن اشتهاءِ البوحِ‏

ماشرخَ السرابْ:‏

"نارٌ على غيمٍ تصحَّرْ.‏

ونشيدُ عاشقةٍ تَدَمّرْ‏

وصحارى من لحمٍ‏

تعلّبَ كالخرابْ.‏

وسرى بأكفانِ الضلالْ.".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244