لمن تأخذون البلاد - منير محمّد خلف

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لمنْ تَأخذونَ البلاَدْ ؟

لمنْ تأخذونَ‏

البلادَ الجميلةَ‏

يا أيُّها الأصدقاءْ..؟‏

لمن تأخذونَ يَدِيْ..‏

وهوائي ومائي‏

وهذا النداءَ الذي‏

قد تبقّى لديَّ‏

من الحلْمِ والانتماءْ..؟‏

لمن سأوزّعُ باقاتِ قلبي‏

وأنتمْ ترونَ البلادَ‏

تُوزَّعُ مثل سبايا الخريفْ،‏

تُساقٌ إلى المقصلاتِ‏

بلا شارعٍ..‏

أو رصيفْ...؟‏

لماذا أجرُّ أمامي‏

مواقفكم‏

يا انتظاراتِ مَنْ لا يجيء؟‏

لماذا تُقيمون في جسدي‏

رايةً لاحتواءِ الصقيعِ‏

وناياً يلمُّ طيورَ الغروبْ؟!‏

لماذا تظلّ‏

أصابعُكم‏

مثل أشجار حزنيَ‏

تخنقُ فيَّ عصافيرَ زهرٍ وماءْ؟‏

لمن تأخذون‏

البلادَ الجميلةَ‏

يا أيّها الأصدقاءْ؟‏

"حلبجةُ" كانت ردائي‏

وكانت يَدِي في "أريحا"‏

وقلبي تساقطَ‏

بيني وبين الجزيرَهْ،‏

وضاعتْ يَدِي من يدي،‏

دمي كان ينقشُ ظلَّ الغيابِ‏

على شرفةٍ‏

في مداهُ المُخيفْ .‏

وحيداً..‏

أنا مثلما كنتُ مازلتُ‏

أبحثُ عن كسرةٍ‏

من رغيفٍ نظيفْ،‏

وما زلتُ أسقطُ‏

قبل النهوضِ‏

وأصرخُ قرْبَ يَدِي‏

كي أرى‏

أنني أنحني للإلهْ.‏

تسافرُ فيَّ جهاتُ الفناءِ‏

تُلملمُ مالم أَقلْهُ‏

وما كنتُ يوماً‏

أظنُّ‏

بأني أراهْ‏

أسائِلُ‏

أين طيورُ البلادِ‏

التي خبَّأتْ في زوايا الكلام انتمائي‏

وجرحي وملحي‏

وأين الذي‏

كان قلبي يدلّ عليهْ؟‏

أُسائِلُكُمْ‏

يا الذين تُحيطون بي من بعيدٍ‏

وتقتلعونَ صباحي‏

من الوهج والابتهاجْ!‏

سأخلعُ جلدي‏

وأبني خرائبَ روحي،‏

أراكم بلا قامةٍ‏

والحرائقُ‏

لمّا تُكنِّسْ حرائقَها‏

ذكرياتُ الذين‏

عَدَوا خلفكم من قديم الجراح.‏

أرى أنني رحلةٌ‏

لا تعيدُ الحياةُ طفولة أحلامها وهواها،‏

تحاصرُ كُلَّ الحمامِ‏

حماقاتُكم يا خزائنَ‏

مِنْ ورطةٍ وانحناءْ!‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجميلةَ‏

يا أيّها الأصدقاءْ‏

تجاوَزْتُمُ يارفاقَ الغيابِ‏

حدودَ الخرابِ،‏

أقول للِيلى: سلاماً!‏

أنا لا أجيدُ الزّهورَ‏

فُرشِّي بلاداً عليَّ‏

ورشي العراقَ ـ بدون أصابعَ ـ‏

نخلاً وخبزاً وماءْ‏

أقول: امنحيني موتاً جديداً‏

وحزناً لعصفورةٍ‏

من ندىً وارتقاءْ‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجميلةَ‏

يا أيها الأصدقاءْ؟‏

أنا المتشرّد مثل بلادي‏

أرى زورقي‏

في مهبّ الضياع الأليفْ‏

وأملأ ظلّي صوتاً بعيداً‏

يخفّفُ أوقاتَهُ من ظلامي‏

ويُعلِنُ أنَّ النوافذ لا زهرَ فيها‏

وأنّيَ لا أستطيعُ اغتسال كلامي‏

من الطائر الحائر المتشظّي‏

الذي يحتويني‏

ويذبحُ فيَّ الحياهْ.‏

أَلمُّ خُطايَ‏

فترحلُ عنّي المسافاتُ‏

تُلبِسُني طعناتِ الوداعِ‏

تُرتِّبُ ما يشتهيني‏

من الجرحِ والنزف والانتهاءْ‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجميلة‏

يا أيَّها الأصدقاءْ؟‏

بلادي تمدُّ لكُمْ‏

يارفاقَ الهواء‏

تمدّ لكم من خلال شبابيك هذا الأَبَدْ‏

طيورَ الكلامِ‏

وملحَ ازدهارِ الأسى‏

في بقايا الحمامِ‏

ورؤيا غَرَقْ.‏

بلادي الخجولةُ تأتي‏

لِتُكْمِلَ أحلامها من جديدٍ‏

تعانقُ خصْرَ الأغاني‏

وتأتي‏

كوجهِ المياه الجريحَهْ‏

تشيلُ مواويلَ أُمّي الذبيحَهْ،‏

وتطوي‏

بيارقَ حريّةٍ من وَرَقْ‏

تُدمِّرني من بعيدٍ‏

وتنهبُ من شفتي طفلةً‏

حلمُها فرحةٌ وعَبَقْ‏

***‏

أُكوِّنُ لي من وجودكِ قربيَ‏

فاكهةً للنقاءِ‏

وخارطةً للبقاءِ‏

وأُخرى لـ لا لافتقادِكِ‏

يارحلةً من قَلَقْ،‏

وحين تكونين قُربي‏

أناديكِ...‏

حتّى أحسَّ بأنَّكِ‏

مازلتِ قربي‏

وكي لا تصيري بعيدَهْ‏

وحتّى أُحقِّقَ لي ما أشاءْ‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجميلة يا أيَّها الأصدقاءْ؟‏

كعادتِكُمْ‏

لا تجيئونَ إلاَّ غياباً غيابْ‏

ولا تحملونَ إلينا‏

سوى باقةٍ من عذابْ،‏

وكم لا تعودون‏

إلاَّ وتُلبِسُكُمْ شهقةُ الانطفاءْ‏

ويحرسكم جبنكم من جيوشِ البكاءْ‏

لماذا أخذتُمْ بلادي‏

وقلتُمْ: هي الآن في سلّةِ الأنبياءْ..؟‏

لماذا أخذتم بلاديَ‏

يا أيّها الأصدقاءْ؟‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجديدة‏

يا أيَّها الأصدقاءْ؟‏

لمن تأخذونَ‏

البلادَ الجميلة‏

يا أيُّها الأصدقاءْ؟‏

الحسكة 1994.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244