لمن تأخذون البلاد - منير محمّد خلف

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القطيعْ

إنَّ القصيدةَ لا تجيء مع الحبيبةِ.‏

والحبيبة لا تجيء مع القصيدَهْ.‏

كلّ الجراح مسافةٌ‏

بيني وبين أصابعي‏

مخبوءةٌ في بئر روحي.‏

.. في خزانةِ عرسها‏

أطيار مملكةِ النّواحْ.‏

لكنّ قلبي‏

شامخاً يبقى‏

ويُطلِقُ في النداءِ‏

حمائمَ الوقتِ الجميلِ‏

ويزرع الهاماتِ في قمم الرّياحْ.‏

وأُطلّ من وطني عليَّ‏

لكي أراني‏

بين صبّاراتِ أجدادي‏

وأحصنةٍ من النورِ المهاجر‏

نحو قلبٍ‏

لا يملّ من الصّياحْ‏

وأُطلُّ من صوتي على وطني‏

وأرسمُ في الخرائط كلِّها‏

توتَ البلاد‏

ووجهَ أُمي،‏

أقرأُ التاريخَ‏

أحفظُ ماءَ عشقي‏

والصباحَ،‏

وصرخةً من عهد عادْ.‏

***‏

أصطادُ أُغنيةً‏

وتخرج من كهوف القلبِ‏

أنهارٌ من الصمتِ المحاصرِ‏

بانتماءاتِ الحنينِ المرِّ‏

بي،‏

وبنسوةٍ كتبَ الجنودُ‏

على جلودِ صياحهِنَّ‏

معاركَ التفتيشِ‏

والعنبِ المسافرِ‏

وانتصارِ الرّيحِ‏

تحت عباءةِ الماضي الخجولِ‏

يدقّقون ترابَ روحي‏

ينقشونَ على دمي سجناً‏

ويقترحونَ أنّ الأرضَ‏

مازالتْ تخبِّئُ نارها‏

ونهارها‏

ويلوّنون أصابعي‏

بالعقمِ والحُلُمِ القتيلِ‏

ومهملاتٍ‏

من حِدادْ‏

***‏

الآن أفهمُ عادةَ الأمواتِ‏

في إهمال مَنْ حفروا لهم أصواتهم‏

وبكوا على أحلامهم،‏

وفهمتُ مالا يفهم الحرّاسُ‏

من وِقفاتِهمْ‏

وفهمتُ أنَّ أولئك الأوغادَ‏

يغتالون أمكنتي‏

وأزمنتي التي لم تأتِ بَعْدُ‏

ولم تصلْ،‏

وهناكَ مَنْ يتكلّسون على دمِ الذكرى‏

وأعناقِ الغناءْ‏

ويعلِّبون هواءَنا وكلامَنا‏

ويجرّدونَ حدائقَ النعناعِ من أحلامنا،‏

هم يُحرقون قصائدي‏

هم يشربونَ حليبَ روحي‏

يُقفلونَ يَدِيْ على أبوابِهمْ‏

ويهرّبونَ حمائمي لصقورهمْ‏

لغرابهم سطحي‏

ونافذتي الصغيرةَ لانتظاراتٍ‏

يكبّلُها الحنينُ‏

بألفِ صوتٍ من دخانْ‏

هم يرفعونْ يديَّ نحو طبولهم‏

ويمزّقون بكارةَ الآتي‏

بأظفار الوداعةِ والبهارْ،‏

وأنا أمدُّ حدود روحي نحو روحي‏

حطِّمُوا يا أصدقاءُ‏

جماجمَ الإسطبلِ‏

كونوا كالصغار‏

مُعبَّئين ببرتقال الفجرِ‏

كونوا واضحينَ وغامضينَ‏

وشاغلينَ الرّيحَ عن أفعالها،‏

لا تشلحوا أوضاعكُمْ‏

لا تشرحوا أحلامكُمْ‏

ما ضاعَ منكم من صباحٍ‏

يطلعُ التّفّاحُ من كتفيهِ‏

يورقُ كالينابيع الضحوكةِ والكنارْ‏

***‏

سأرى البلادَ كما أشاءُ‏

وأنتمي لحبيبتي،‏

ماءٌ يمدُّ جذورهُ في راحتيَّ‏

يمشّطُ الدّنيا‏

بأوجاعِ الكتابةِ،‏

ربّما تأتي الحبيبةُ‏

مثلما تأتي القصيدةُ‏

وهي تحملُ سلَّةَ الأفراح في يدها‏

وتركضُ نحو صمتي والندى‏

تَطوي الربيعَ على الربيعِ‏

تُفصِّـلُ الماضي‏

على أطراف إصبعها‏

وتولد كي تنامْ‏

***‏

ما الفرقُ بين أصابعي‏

ـ إنْ لم تكنْ مشغولةً‏

بأصابعِ النهر الجديد‏

بشَعر أنثى أشتهيها‏

من طفولة جرحنا وقلوبنا‏

أنا أنتمي لهوائها وفراتها‏

وهي الجميلةُ والرقيقةُ‏

تحتسي من ماء روحي‏

تُخرِجُ الأسرار من فنجانها‏

وتغوصُ في عمري‏

وتعرف أنني وَجَعٌ ونارْ،‏

أو لامسَتْ ريحُ الخريفِ أصابعي‏

وغزا جروحي سنديانُ القهرِ‏

روحي أدمَنَتْ أوجاعها‏

وتعلَّمتْ لغةَ الحصارْ ـ‏

ما الفرقُ بينهما‏

وبين طفولتي؟؟؟‏

***‏

ماذا أقصُّ من الحكايا..‏

من تفاصيل المرارةِ‏

والمرايا في دمي‏

تُلقي شظاياها‏

وترحلُ‏

مثل نهرٍ نائمٍ أو حالمٍ‏

والناسُ‏

تخنقُهم بداياتُ الوداعِ‏

ويهربونَ من الهروبِ‏

إلى الْتماعات المدينةِ‏

والمدينةُ شقّةٌ مطعوجةٌ‏

أو غرفةٌ مشنوقةٌ‏

أو ظلُّ ريحٍ‏

أو سرابْ‏

لا أرضَ تحملُ ظلَّنا‏

لاحُبَّ بين الناسِ،‏

إنَّ قلوبَهم خِرَقٌ،‏

ونظرتهم إلى الدنيا‏

كنظرتهم إلى المرآةِ‏

حين يُرتِّبون أمامَها أكتافَهمْ‏

ويُورّطون البحر في أحلامِهِ،‏

ويصوِّرونَ العمرَ علبة مرتديلا،‏

هم يعبدونَ نساءَهُمْ‏

ويعلِّقون على الرياح كلامهُمْ‏

هم يحكمون على الظواهرِ‏

يُرشدون قلوبَهم‏

لخرافةِ الماضي‏

على أبوابِ حاضرهم،‏

ويلتمسون من أعيادِهم حَطَباً‏

لِما كتبتْهُ فوق عقولهم أحقادُهُمْ‏

***‏

عمرٌ مضى‏

وأنا المعبَّأ بالحنينِ وبالحرِيقْ‏

أُحصي فساتينَ الغيابِ‏

وأحتمي بالخوفِ‏

والألم العتيقْ.‏

***‏

يا (جنةً من دون ناسٍ‏

لا تُداسْ).‏

عَطَشٌ..‏

وصحراءٌ من الذكرى‏

وقافلةُ اليباسْ،‏

الآن أرمي جبهتي في النّهرِ‏

أُلقي دمعةً مكسورةً نحو النجومِ‏

لكي أرى كلّ الذين‏

تعوّدَتْ ضحكاتُهم‏

أن تحتفي بوجوهنا‏

حتّى نجرِّبَ مرَّةً‏

أنَّا قُتِلْنا‏

واكتفينا بارتداءِ قميصِ يوسفَ‏

واختفينا‏

مثل أذيال النّعاسْ.‏

***‏

يامَنْ يصيرُ غيابُنا حَبَقاً عليهم‏

يحلمون بأنّهم سيُبلّطون الرّيحَ‏

لا...‏

هم يقرعون نوافذ الذكرى‏

وما قد كان من حُلُمٍ‏

يغطِّي ساعديهِ الغيمُ‏

أهملَهُ المطَرْ‏

والآن يحملُهُ الغبارْ‏

ماذا أُخبِّئُ في يديَّ‏

وفي يديكِ خواتمُ الفرحِ المعارْ‏

ماذا أُخبّئُ في كلامي‏

والكلامُ هو الحصارْ‏

***‏

أنثايَ‏

كوني قرب روحي‏

واختمي قلبي‏

فإني لا أريدُ بأنْ أظلَّ بلا ختامْ‏

أو حطِّمي وجعي‏

فقد غادرْتُ من زمني‏

وقلَّبْتُ الشوارعَ في يَدِيْ‏

وهربتُ مني‏

كي أحرِّرَ شهقتي‏

من صوتِ بئرٍ‏

ساكنٍ في قعْرِ آهْ؛‏

ووضعتُ عمري‏

فوق أسوارٍ من الياقوت في شفتيكِ‏

تختصرُ الأكاليلَ الرّطيبةَ‏

بين راياتِ الصقيع‏

وكائناتٍ في الجباهْ‏

وتكنِّسُ الماضي من الماضي‏

وتُعلِنُ أنني‏

مُتكسّرٌ بين القصائدِ والشّفاهْ.‏

***‏

أَلكلِّ أنثى‏

في تورُّطِ قلبها‏

ورَقٌ من البابونجِ المهزومِ من أضلاعنا..؟‏

ولكُلِّ أنثى‏

في طفولتنا انكسارٌ نائمٌ..؟‏

ولكلِّ ما يأتي به الشعراءُ من أوجاعهمْ‏

طُرُقٌ تُقاتلُ سالكيها....؟‏

ربّما‏

خانت جهاتي خطوتي‏

مثل الخريفِ على الرصيفِ‏

تساقطتْ مافي الشفاهِ من القُبَلْ‏

وتكحّلَتْ بالرّيحِ‏

أحلام المسافاتِ الجديدةِ والكلامْ.‏

أدعوكِ خاتمتي‏

اختمي بالفجرِ ماتركتْ لنا الأيامُ‏

من أيّامنا،‏

زهري على الشّبّاكِ‏

ينتظرُ القصيدةَ.. والحبيبةَ..‏

والولادةَ.. والغناءْ.‏

الحسكة 1997.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244