لمن تأخذون البلاد - منير محمّد خلف

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هروب من شقة الجسد

مرَّةً..‏

قال لي صاحبي:‏

مِنْ هنا لا تمرَّ..!‏

المناديلُ مغبرَّةٌ بالبكاءِ‏

الشوارعُ ملتفّةٌ حول بعض النساءِ‏

اللواتي نسجْنَ من الفجر قاماتِ حزنٍ‏

يزخرِفْنَ أحلامَنا بصقيعِ الجهاتِ.‏

..حماماتُنا فوق سطحٍ غريبِ الصباحاتِ.‏

.. تنغرسُ المرحباتُ‏

بطينِ الفراقِ‏

وتنقرضُ الأغنياتُ على آخرِ الفرحِ‏

المتورّطِ في عشقنا الآدميِّ‏

..أنا..!‏

يا أنا..!‏

هل تَرى غيرَكَ اليومَ يبكي‏

على جثّةِ الوردِ،‏

يفتحُ نافذةً لطيور الغيابْ؟‏

هل أنا واحدٌ لا رفيقْ..؟‏

أم أنا شرفةٌ‏

تتوزّعُ بين شبابيكِ موتٍ..حريقْ..؟‏

أَمْ لنا أنْ نُدخِّنَ أحزاننا‏

أو نغادرَ أحلامنا‏

كي نشتِّلَ في آخر العمرِ زهرَ بداياتنا‏

ونكسِّرَ أغلالَ مَنْ ربطونا بصخرِ النّواحْ.‏

إننا نملك الماءَ والطينَ‏

نفتحُ أبراجنا للحمامِ،‏

نُعلِّبُ أدمغةً‏

قد تكلَّسَ فوقَ سطوحِ قبائلها‏

سُلَّمُ العاطفَهْ‏

ثُمَّ نُطلِقُ أطيارَ صرختنا،‏

ونحاربُ مَنْ لا يحارب أكفانَهُ السُّودَ،‏

نُغلِقُ باب الفضاءِ‏

أمامَ ادّعاءاتهمْ وخرافاتهمْ وأقاويلهمْ‏

ثم نُشعِلُ في قاعِ أحلامهمْ‏

حَطَبَ الذكرياتِ‏

ودنياهمُ الزائفَهْ.‏

***‏

إنّنا إنّهم..‏

إنهم يحملونَ توابيت أحزانهم،‏

يخرجونَ من الموتِ،‏

قاماتُهم من دخانٍ‏

تعرَّى من الأفقِ.‏

لا يتركونَ أناشيد غربتهم‏

عند أيٍّ من العتباتْ.‏

ربّما خانني بعضُهم.‏

ربّما تُعلنُ الأرضُ توبتَها.‏

ثم تُبكي قرنفلةَ النّهرِ.‏

..نارُ القصيدةِ‏

لم تُشْعِلِ الماءَ في ركبةِ الموجِ‏

لم يعرفِ الراحلونَ طريقَ دمي‏

ونشيدَ عصافيره الخائفَهْ‏

كنتُ طفلاً‏

(يرى مايريدُ)‏

ويقطفُ ممّا يراهُ ثمار التّعبْ.‏

ليس عندي من الموت حتّى أموتَ‏

أسدِّدَ فاتورةَ الجرحِ‏

لكنَّ عندي من الحزن‏

مايجعل القلبَ‏

نافورةً من خيول البكاءْ.‏

***‏

ارأفي بالطيور‏

التي رفعتْ أُفقَها عن حقول دمي،‏

ارأفي بي،‏

.. أنا أرضُكِ الـ تشتهي غيمةَ الضوءِ‏

كي تسكبي صوتَكِ الحُلْوَ‏

في شهقاتي الجريحةِ‏

في زيزفوني القتيلِ‏

على جثّةِ الأرضِ والكائناتْ.‏

***‏

صادري الهمَّ!..‏

هذي حدودُ يديَّ‏

ملطّخةٌ بالرحيلِ.‏

.. انزعي من شقوقِ دمي شوكَ يأسٍ.‏

تحاصرُهُ دمعةُ الرّيحِ‏

كم تتحجّر في مقلةِ الوردِ!‏

لا أشتهي غيرَكِ اليومَ..‏

يا اااااااهْ..!‏

كم تكون التشابيهُ أقزام من ورقٍ‏

عند باب حضوركِ‏

يارحلتي.. ياحنيني‏

ويا زهرَ حسرتيَ النازفَهْ!!‏

***‏

أَملي أنْ تصيرَ يداكِ يَدِيْ‏

ثمّ تصبحَ كلّ الأصابعِ‏

داليةً تسترُ القلبَ‏

ممّا تُعاني البلادُ‏

وممّا أعاني أنا‏

من قساوة هذي المدينةِ والناسِ‏

والكلّ في كلِّهم‏

محضُ عارٍ،‏

وخطْواتُهم نحو نهرِ الحياةِ‏

تظلُّ مقيّدةً واقفَهْ.‏

حُلُمي أنتِ‏

يا كلَّ آماليَ الطالعاتِ‏

من الشرقِ والغربِ‏

والغربِ والشرقِ‏

والجهة المستحيلةِ‏

من كلّ أطرافِ عمري،‏

ومن جهةٍ جهلَتْها القوانينُ،‏

لم يكتشفْها سوى العاشقينَ‏

الذين رأوا مارَوَتْهُ البلادُ‏

من الليلِ والويلِ‏

والرحلةِ التالفَهْ.‏

***‏

قال لي صاحبي:..‏

ومضى..‏

صاحبي أخذوه بصمتٍ من البيتِ‏

صاروا يصبّونَ فوقَ يديهِ جحيمَ السّؤالِ‏

ومازال مثلي‏

يُلقِّنُ نزْفَ أصابعِهِ: أنّهُ خضرةٌ‏

لفساتين هذي البلادْ،‏

سُكَّرٌ في حقائبِ أطفالها.‏

ينحني في خشوعٍ.‏

أمام قداسةِ أنهارِها،‏

يتشيَّأُ في نفسهِ‏

ثم يخنقُ فينا هبوبَ الأرقْ.‏

***‏

أقفلتْ وردتي صوتَها،‏

ودمي راحَ يُطفِئُ أفراحَهُ؛‏

صاحبي صار مثلي‏

يُقشِّرُ أشواقَهُ المُحرقاتِ.‏

.. أنا كنتُهُ،‏

كان يمشي.‏

وكنتُ الطريقَ،‏

.. أنا ضيَّعتني المنافي‏

وصادَرَني اليأسُ.‏

حطَّتْ على كتفِ الرّوحِ‏

قبَّرَةٌ من صراخٍ.‏

..توضَّح كلُّ الذي بيننا،‏

حنَّطَ الحزنَ فينا‏

وغيَّبنا اليأسُ‏

في بركةٍ من غَسَقْ،‏

سرقَ الماءَ والطّينِ‏

من شفةِ الماءِ والطينِ‏

ثمّ انطلقْ.‏

الحسكة 5/6/1997.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244