زَبـورٌ بابليّ- محمد حسين آل ياسين

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
وَحيُ الشّهادة

وَحيُ الشّهادة

 

طافت على ثغري رؤاك فأخصبا

ومشت على ورق دماك فأعشبا

 

 

يا أيها المعنى السكوب يجيش بي

عيناً تفيضُ على الحروف لتشربا

 

 

جُد لي بما يغشى العيون بسحره

صبباً فقد آليت أن لا ينضبا

 

 

فلقد تحداني الغواة بأن أُرى

في كلِ حول أستقيك فأكتبا

 

 

حشدوا علي ترقُّباً أعيابِهِ

خَرَسَاً فكن فيَّ اللسَّان المعربا

 

 

قَلَمي وسيفُكَ توأَمان فشاهدٌ

وشهادة كل بضربته نبا

 

 

يا أبلغ الأمثال لم تظفر به الـ

أفواه حتى بشرت بك مضربا

 

 

هل في معانيك الفريدة شاردٌ

لم يلق إلاَّ في القصيدة مهربا

 

 

ضوءاً يمورُ مطالعاً وخواتماً

فإذا مددتُ يدي إليه تسرَّبا

 

 

يكفيك إذْ عجبوا اتّصافي ظامئاً

عرفوا اتصافك بالسقاية أعجبا

 

 

كنتَ ابنَ كلِّ الدهرِ يومَ أتيتَهُ

أنى غدوتَ مع الفداءِ له أبا

 

 

يا فارساً سبقَ الفوارسَ أنه

ماجازَ ليلَ رداهُ حتّى أَنْ كبا

 

 

فركبتَ ظهرَ الكون تُسرجهُ سناً

فانهدَّ من ثِقَل السَّنا فاحدودبا

 

 

أرأيتَ نجماً قبل نجمكَ في السَّما

غطّى الشموسَ سناهُ لحظةَ أَنْ خَبا

 

 

يُزهى أبوهُ بفقدهِ بين الورى

وأبو سواهُ فاقدٌ من أنجبا

 

 

أفدي ابتسامتَكَ الشفيفةَ حوصرتْ

فمنحتَها ثغرَ الزَّمانِ مُقطِّبا

 

 

أحببتَ ماكرهَ الأنام نكايةً

بمهذَّبٍ قد ضاف فيك مهذَّبا

 

 

فكفرتَ بالموتِ المجرَّب طامحاً

أن لا ترى حتى الحِمام مجربا

 

 

أخبرت من سبل الرحيل مذاهباً

فاخترتَ منها ما يُعيدك مذهبا

 

 

وتُراكَ تحمدُ للرَّصاصةِ أنها

من كفِّ أخرق لم تصب إذْ صوَّبا

 

 

فثقوبها انتظمتك عقداً لامعاً

والدُرّ أثمن مايكون مثقَّباً

 

 

ياخاطباً بنتَ الخلودِ، ومهرُهُ

موتٌ تغزَّلَ بالحياة وشبَّبا

 

 

قبلتَها فوقَ العراقِ ولم يزل

فمُها بغزَّةَ والخليل مُرحّبا

 

 

حتّى استحلتَ فماً يقصُ حكاية الـ

ـعنقود باكره الظَّما فتزبَّبا

 

 

فرأيتُ طفلاً حالماً في مهدِهِ

ناغى به صمم الحياة فأطربا

 

 

وصبيَّ ذاك الحيِّ سرَّح طرفَهُ

فأقامَ من خللِ الخرائبِ ملعبا

 

 

واليافعَ المحزونَ يرمي يأسَهُ

حجراً فيلمع في الليالي كوكبا

 

 

ومفجّر الجَسّدِ المسَربَلِ لحظةً

يُحيي بها فجراً ويقتل غيهبا

 

 

فكأنَّ عمركَ بينَ مهدٍ حالمٍ

والقبرِ، ذاكَ الطفلُ بينهما حَبا

 

 

وكأن زغردةً لأُمكَ عذبةً

تغويمةٌ كانتْ ألذَّ وأعذَبا

 

 

وكأنَّ رمسكَ إذْ تعالى قُبةً

رأسٌ لأرضك بالفخار تعصَّبا

 

 

ستظلُّ تُمرع في الزّمانِ كأنَّه

قفرٌ تولاّهُ الحيا فاعشوشبا

 

 

هل بتَّ من هرم الوجود ربيعَهُ

ومن اكتهالِ تُرابهِ عهدَ الصِّبا

 

 

أم كنتَ شوق مشيبهِ لشبابهِ

إذْ عادَ باللَّونِ البهيِّ مخضَّبا

 

 

مذ رحتَ جُرحاً للجِراحَ مطبّباً

وهوىً على حدِّ الصفاح تغلّبا

 

 

حسبُ الرَّدى أن يختلي بك غيلةً

من جبنهِ متختّلاً متهيّباً

 

 

وافاكَ يهزأُ بانفرادك في المدى

حتّى سللتَ له دماكَ فأُرعبا

 

 

وأَحسَّ أنَّكَ ـ إذْ أساءَ- عقوبةٌ

فتركتَهُ بسنا الفِداء مُؤَدَّبا

 

 

فرجوتَ أنْ تغدو لعصركَ توبةً

فارتدَّ عن دمكَ الزّكيّ فأَذنبا

 

 

وعيونُهُ ازدحمتْ عليكَ فلم تضِقْ

حتّى أقمتَ بها مَزاراً أَرحبا

 

 

وَهِمَتْ غيابك فاختزلتَ حضورها

وجعلتَ من وَهِم الغيابَ مُغيَّبا

 

 

لم أُلفِ مجداً كالشهادةِ أَرهقَ الـ

أحياءَ أَنْ يَرقَوا ذُراهُ وأَتعبا

 

 

يا أيها الفادي المقيمُ وحسبُهُ

أن حبَّبَ السَّفرَ الكريهَ ورغبَّا

 

 

أُنبيكَ أنَّ دماً سفحتَ على الثَّرى

أَضحى لأَعذارِ التَّفرُقِ مشجبا

 

 

في أمةٍ قد أغمدتْ أَسيافَها

لتسلَّ ناباً في الخطوب ومخلبا

 

 

تهبُ العروشَ فلا تجيدُ تحسُّباً

والخصمُ يقتل ما يجيدُ تحسُّبا

 

 

تحجو الذي يبني الكرامة هادماً

وترى الذي ينمي الإخاء مخرِّبا

 

 

رضيتْ صروحٌ بالخنوع فيا دَماً

أَشهرْ عليها منك قبراً مُغضَبا

 

 

حتى إذا ما أطلعتْ آفاقُها

دَرباً على رغم السُّراةِ تشعَّبا

 

 

بَرزَ العراقُ عليه وَعداً حانياً

وهوى بأحداقِ الشُّداةِ مذوَّبا

 

 

يُدني أمانيهِ ويُقصي همَّهُ

غيثاً يبشّرُ بالجنى ظامي الرُّبى

 

 

أرأيت يوماً غيمةً مأسورةً

تَخشى على حُرّ الثَّرى أن يُجدبا

 

 

وعهدت ناراً في القيودِ وجمرها

يهب المواقد في السَّراح تلهُّبا

 

 

أمْ شمتَ عزّاً في الحياةِ محاصراً

يُهدْي إلى الذُّلِ الطليقِ توَثُّبا

 

 

فمكبَّلٌ بالصَّبرِ يكسو أهلَه

شرَفاً ويُطعمهمْ عَفافاً طيّبا

 

 

صفَّ الجناحَ وطار في أحلامِهِ

يسمو على الغِربان بازاً أشهبا

 

 

بالجؤجؤ الدّامي سيختصر السُّرى

عزماً وإنْ عانى مَداهُ مُضبَّبا

 

 

فلربَّما كان النَّعيم مبعِّداً

ماكان لو ذاق الشَّقاءَ مُقرَّبا

 

 

والقمةُ الشَّماءَ في أقصى السُّرى

وعدٌ بألوانِ الهناءِ تصبَّبا

 

 

من ألفِ مضمارٍ عسيرٍ جازَهُ

عرفَ العبورَ مَشيئةً لن تُسلَبا

 

 

حتَّى إذا الفجرُ استفاقَ فلم يَدَعْ

عذراً لمن أغفى ولا مُستَعتَبا

 

 

قبضتْ على غدِهِ المحرَّم كفُهُ

أَمَلاً بأضلع حامليه مُهَرَّبا

 

 

كلُّ العراقِ إلى مغاني نصرِهِ

وأَمامَهُ الشهداءُ يزحفُ موكبا

 

1/12/1997م.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244