زَبـورٌ بابليّ- محمد حسين آل ياسين

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
المغربيَّة

المغربيَّة

 

حطَّتْ رَكوبُكَ فاحْلُلْ عنكَ ما عقَدوا

ذي طنجةُ الحبِّ ما تُذكي وما تَعِدُ

 

 

وقدْ ترجَّلتُ مسحوراً بفاتنةٍ

فرعاءَ راحتْ منَ الشطّينِ تَبْتَردُ

 

 

تسَتَّرتْ بالجبالِ الخُضرِ عاريةٍ

فشاقها أَنْ سَما منْ أبيضٍ رَصَدُ

 

 

وما تزوَّدتُ للُّقيا مُعرّسَةً

إلاّ بجبّارةٍ في الجيبِ تَرتعدُ

 

 

تشقُّ قَبْليَ دربَ الوصلِ تسألني

من فرطِ شَوقٍ إليكم: أَيُّنا يرِدُ

 

 

فإنَّها نبْتَةُ الدَّهرِ التي كبُرتْ

ميّادةً أَنْ يُفادي كبْرها الأَوَدُ

 

 

 

كأَنَّني حينَ تَعروني برعْشتها

جنيّ هذا الدُّجى منْ روحهِ يقِدُ

 

 

حتّى إذا بلغتْ بيتَ القَصيدِ شكتْ

ما ينتضي منْ عَويلٍ صَمتيَ الحرِدُ

 

 

وعاجَلَتْها أكفُّ الرّيح تَخْضدُها

فأثمرتْ وأكفُّ الرّيح تُخْتَضَدُ

 

 

من النَّخيلِ إلى الزَّيتونِ قافيةٌ

أَعارها سَبباً من شوقِهِ وَتَدُ

 

 

أَضمُّها فعيوني عندَها أَلَقٌ

مذوَّبٌ وفُؤادي فوقَها قِصَدُ

 

 

سِحرٌ حَلالٌ بلا نَفْثٍ ولا عُقدٍ

فربَّما خَذَلتْ نَفّاثَةً عُقدُ

 

 

لي من بَناتِ شُعوري أَلفُ أغنيةٍ

أعيلها منْ دمي الزّاكي ولا أَئِد

 

 

لم أَتَّخذْ –حُبَّ أَنْ يأتينَ- صاحبةً

أَلسْتُ وَحْدي الذي منْ دونها أَلدُ

 

 

فيا عباقرَ وادي الشِّعر دونكمُ

هذي العرائسُ أَجلوها فتَرتَئِدُ

 

 

أَجلَّ غارٍ على بغدادَ أَوَّلُهُ

يُمدُّ للمغرب الأَقصى فينْعَقدُ

 

***

 

لم أَدْرِ كمْ مرَّ والأطيافُ تُسكرني

ضاع الزَّمانُ فلا لمحٌ ولا أَبَدُ

 

 

منْ مشْرقِ الوطنِ الغالي لمغربهِ

مسعىً كأنْ لم يَجُزْهُ مُحْرِماً أَحَدُ

 

 

مَررْتُ فيهِ على وادٍ خلعتُ بهِ

نعْلي وكبَّرتُ فيهِ طيفَ منْ سَجَدوا

 

 

ولاحَ لي المسجدُ الأَقصى بلا أَحدٍ

وبيتُ مكَّةَ يُزهى عنْدَهُ أُحُدُ

 

 

وإذْ أَبو الهَوْل يَرعى مجدَ فتْيتِه

بفجرِ بَغداد تصحو أُمُّها أَكَدُ

 

 

وحدثَتْني عجيباً كلُّ رابيَةٍ

والشّاهِدانِ عليها السَّهلُ والنَّجَدُ

 

 

فجئْتُكم بنَمير المجدِ مترعةٌ

كؤوسهُ فوقَ كفَّيْ ظامئٍ فرِدوا

 

 

أَهدى العراقُ إليكم في فمي فمَهُ

فطار فيهِ إليكم طيرهُ الغَرِدُ

 

 

هاكمْ بريدَ الهوى في سلَّتي قُبَلاً

لم تَستطعْ حَمْلها منْ حرِّها بُرُد

 

 

وَدَّعتُ في وطنِ المنصورِ لي بَلداً

فكان في كلِّ قلبٍ لي هُنا بلدُ

 

 

وعِفْتُ في الشَّرق شمسَ العزّ ضاحكةً

فكانَ في الغربِ لي والشَّمسِ مُتَّعدُ

 

 

سُبْحانَ منْ أَبْدلَ الأَفلاكَ دَوْرتها

بالكافِ والنّون آياً منهُ تَتَّقدُ

 

 

وكانَ منْ قَدَرِ القُطرينِ أَنَّهما

دِرْعانِ ضَجَّ بكلٍّ منهما الزَّرَد

 

 

والنَّسرُ صَفَّ جَناحيهِ فطالهما

فناءَ بالفخرِ مِنْ ثِقْليهما كتِدُ

 

 

هُنا رأَيتُ الذي ما عِشْتُ أَسمعُه

وليس كالأُذنِ عينٌ خُبرُها صَدَد

 

 

تقلَّبتْ فيهِ أَشْباهٌ وأَقيسةٌ

عكسْتُ في ظِلِّها ما كانَ يطَّردُ

 

 

لم أَدْرِ إذْ جَمَراتُ الومضِ تَغمرني

ألشهبُ أَمْ أعينُ العشّاقِ تحتَشِد

 

 

وبتُّ أحمدُ منها القيدَ مُضطهداً

ما أسعدَ المرءَ بالأَحداقِ يُضطهدُ

 

 

ولم أرَ الحُسنَ في خَلْقٍ وفي خُلقٍ

حتّى أَراني جَديداً أخوةٌ جُدُدُ

 

 

بالهيفِ والغيدِ –والأضلاعُ ملعبُها-

عرفتُ ما الريفُ الزّاهي وما الغَيَد

 

 

وذقتُ من أَعيُنٍ تَرمي الهوى نَبَلاً

مسدّداً كيفَ تَلْظى بالجوى كبِدُ

 

 

ورُحتُ أسألُ في نورٍ أُطالعُه

هلْ في سِوى جيدِ تَطْوانيةٍ جَيَدُ

 

 

وأَسْمعَتْنَي شكوى منْ تميُّزها

هذي الطبيعةُ يكوي قَلبَها الحَسَدُ

 

 

بأنَّها أَقربُ الحُسْنينِ مطَّلباً

فيها مَقيلٌ لمن يَهوى ومُتَّسدُ

 

 

وأَنَّها أَخلدُ الحُسْنَينِ ما فَنيَتْ

حتى تَشّهى خُلوداً مثلَه لُبَدُ

 

 

فقلتُ والوَجْدُ تُغريني لواذعُه

ببَثِّ كلِّ جَميلٍ بعضَ ما أَجدُ

 

 

كِلْتاكُما أَنتِ والبنتُ التي نفرتْ

قصيدةٌ قالها في المغربِ الصَّمَدُ

 

 

إن كنتِ أَلفاظَها الفُصحى فما برحتْ

هي المعاني فأيُّ الحسنِ أَنْتَقدُ

 

***

 

ما أهونَ البعدَ لولا أن نُحسَّ به

فالقربُ والبعدُ في أَرواح من بَعدُوا

 

 

وأهونَ الدّاءِ في عُضْوٍ يُعاضله

إذا تداعى بحمّى المشفقِ الجسَدُ

 

 

أَعانَ مَنْ زرعَ الأَقطارَ مفردةٌ

أنَّا على بعضِنا في الرَّأيِ ننفردُ

 

 

عصَتْ على حَلْقهِ الخاوي موحَّدةً

فعاثَ فيها اقْتطاعاً وهو يَزْدردُ

 

 

وغاظَه قائماً فينا ومُرتحِلاً

أنّا برغم الحدودِ السّودِ نتَّحدُ

 

 

أَنرفعُ الوحدةَ الكبرى شعارَ مُنىً

وعنهُ في خَلواتِ النَّفسِ نَبْتَعدُ

 

 

لا يرجعُ الشِّبرُ مغصوباً بغيرِ دمٍ

غالٍ بهِ لسوى الأَوطانِ يُقتَصدُ

 

 

ما إنْ يُخلَّصَ مِنْ أُظفورِ غاصبه

حتى يُنادى بهِ قُطراً فيُفتَقدُ

 

 

ما ضرَّ لو كلُّ شِبْرٍ منْ مرابعنا

يُضمُّ للشِّبرِ لا تُقصيهِ عنهُ يدُ

 

 

أَما كفى أَنْ كشَفْنا ليلَ أَعيننا

حتى يكونَ بها من بُرئنا رمَدُ

 

 

ما كانَ أَضعفَ ما يبغيهِ منهزمٌ

لو لم يسِرْ من قُوانا نحوَهُ مَدَدُ

 

 

نُفلسِفُ الأَمرَ في أثوابِ مُعتقدٍ

يبلى فإنْ جَدَّ أمرٌ جدَّ معتَقدُ

 

 

لو فطنةٌ منهُ ما خانَتْ لأَبْدلها

أُخوَّةً وتَوارى مُكرَهاً لَدَدُ

 

 

ونالَهُ ضعفُ ما نالتْ عَداوتُه

علائقاً مِنْ جَناها السَّعدُ والرغَدُ

 

 

حَيْفٌ على أُمَّةٍ دانَ الزَّمانُ لها

أَنْ تشْتكي بينَ مَنْ دانوا ومَنْ جَحدوا

 

 

لعلَّها وهي تَأْسو جُرحَ حاضرها

يُطلُّ من خَلَلِ الجرحِ الضَّحوكِ غدُ

 

 

يا ابنَ المحيطِ ويا مَجْداً بَدا أَلقاً

من المضيقِ فأَعْلى والِداً وَلدُ

 

 

ومَعْبرَ النّورِ إذْ أَدْراكَ طارقُه

بأَنَّه فيكَ نجمٌ ثاقبٌ فَرَدُ

 

 

ما البحرُ لولا سَفينُ الفتحِ يمخرهُ

وما جوارُكَ لولا أنَّه السَّندُ

 

 

ما أَطيبَ الحلوَ بعدَ المرّ نقطفُه

وأبهتَ السَّعدَ إنْ لم يسبقِ النَّكدُ

 

 

الحمدُ للنّازلاتِ استنفرتْ فِرَقاً

فضمَّها فيهِ درْبٌ لاحبٌ جَدَدُ

 

 

تَفْدي طَريقاً إلى العلياءِ واحدةً

منها طرائقُ كابٍ أُفقُها قِدَدُ

 

 

الحمدُ للنّارِ تُسْتَورى معاطبها

لو لم تَثُرْ لم يذُبْ من حولها الجمَدُ

 

 

لم تُغْتَمدْ خجَلاً أسيافُ باطلها

أزرى بها صارمٌ للحقِّ مُنْجردُ

 

 

وأَنَّ ساعةَ بَعثِ العُرْبِ آتية

لا ريبَ فيها وإنْ أَلْوى بها أَمَدُ

 

 

وأَنَّ عِرْقاً على "ميسانَ" مرتهفٌ

أَخوهُ عرقٌ على "الصَّحراء" يُفتَصدُ

 

 

إنّي مع الجمعِ لوني لونُ محنتِه

أَضمَّني غيُّه أَمْ ضمَّني الرَّشَدُ

 

 

يُفْتى بأمْرٍ فلا يُرضى لجاهله

قولٌ ويُرضى –وإنْ أَخْطاه- مُجتهدُ

 

 

لم يكبُ في الشَّوطِ يوماً غيرُ مُنْطَلقٍ

فلا يُرى واقفٌ يكبو ومتَّئِدُ

 

 

يا ابنَ المحيطِ وعندي ألفُ لاعجةٍ

تَزينها حُرقةُ المزْهوِّ لا العَدَدُ

 

 

ماذا أُنبّيكَ عنْ أَهلي وقد وقفوا

كالسَّدّ إذْ عَضُدٌ تُبنى بها عَضُدُ

 

 

تدرَّعوا بالهوى والكِبْر فاختزلوا

كلَّ الأَنامِ فلا عَدٌّ ولا عُدَدُ

 

 

هذي الذراعُ التي في عِرقها لهبٌ

يهزّها مُغْرمٌ في قلبِهِ أَسَدُ

 

 

مِنْ أَرْبَعٍ وعيونُ الموتِ مجفلةٌ

ممّا يجودُ بهِ في ساحِها النُّجُدُ

 

 

لم يَعْرفوا الفَدْيَ إلاّ أنَّه حُلمٌ

ولا الرُّجولةَ إلاّ أنَّها صَفَدُ

 

 

أُولاءِ مَنْ علَّموا الدُّنيا حضارتها

ومن بساحِ العُلا قاموا وما قَعدوا

 

 

سَيرسمونَ غداً نَصرَ العراقِ على

كلِّ العيون ويَخْزى الحقدُ والفَنَدُ

 

17/9/1984م

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244