زَبـورٌ بابليّ- محمد حسين آل ياسين

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
زأرةُ اللّيث

زأرةُ اللّيث

 

أَحِنُّ واللّيل في روحي وفي فِكَري

إلى سناهُ، حنينَ النجم للقمرِ

 

 

من لي بثالثِ نهَريْ عزّةٍ وعُلاً

عشقتُ شاطئَهُ وِرْداً بلا صَدَرِ

 

 

وصبّ دجلةَ ساقاني بأكؤُسِها

حتّى صحوتُ على ذكراهُ من خَدَري

 

 

وابن الفراتِ تسامى بِرُّهُ فَغَدا

أَبا الفراتِ لسِرٍّ غير مستَتِرِ

 

 

من طولـهِ أنّهُ في غير قامتِهِ

أبانَ للنّاس معنى الطول والقِصَرِ

 

 

أراهُ مستقبلي الآتي على صِغَرٍ

وقد يَرانَي ماضيهِ على كِبَرِ

 

 

 

قلبانِ أَدناهما في البعدِ أنَّهما

إذا ورى جاحمٌ قُدّا من الحجَرِ

 

 

أَرنو بوهج غُروبٍ فوق جبهتهِ

إلى غدٍ بدمي أَفديهِ منتظَرِ

 

 

مُخضَّبٍ باخضرار الحق مُزدحمٍ

بمُقلتيهِ شكاةُ الجوع والسَّهَر

 

 

وإذ يحنُّ إلى دنيا الشباب هوىً

رنا لدفترِ شعري واجتلى صُوري

 

 

حتّى يعودا إلى عهد الكفاحِ بهِ

إذْ كلُّ ما فيهِ مقرونٌ إلى الخَطَرِ

 

 

شدّوا لأَسرابِ أفراخ مولَّدةٍ

جُنحَ النُسور طليقاتٍ فلم تَطِرِ

 

 

وأفرغوا الجوَّ من أبطالِ مدرجهِ

وأَخلَوا الساح من شوكٍ ومن حُفَرِ

 

 

وقيل هيّا إلى آفاقِ ملعبنا

ذي ساعة لم تَدَعْ عذراً لمعتَذرِ

 

 

فما علَوْا غير شِبرٍ ثُمّةَ انكفَأُوا

وفي ثُغورهمُ آهات مُحتَضَرِ

 

 

ويفخر النّسرُ في وكرٍ يُساكنُهُ

في أنّهُ ضمَّ جنحاً منه لم يُعَرِ

 

 

وغاظهم أنّه يهوى القيودَ رؤىً

فيجتليها بشعرٍ منهُ مُبتكرِ

 

 

وربَّما قال ما يبدو مُصانعةً

لكن بقلبٍ على الإيمانِ منفَطرِ

 

 

يمجُّهُ خلقٌ سامٍ، وموهبةٌ

كريمةٌ، وهوىً خالٍ من الكَدَرِ

 

 

وعذرُهُ أنهُ لو شابَهُ كدَرٌ

بدا على الكلماتِ البكرِ كالأَثَرِ

 

 

وحسبُهُ أنَّهُ أَضحى لطيبتهِ

بالخير والشرِّ ملءَ السمع والبَصَرِ

 

 

ولا يضيرُ أمرءاً في حجم أُمَّتِهِ

أَنْ قال قد صرتُ فرداً ثم لم يَصرِ

 

 

يا هادِمَ الجبل الراسي بإِبرتهِ

هل كنتَ تطمع أن ينهَدَّ بالإبَرِ

 

 

عَرِيتَ أَفعى بأنيابٍ مخلَّعةٍ

خُذْ جلديَ المثخنَ المنقوش وائتَزِرِ

 

 

أديمُهُ واحةٌ خضراءُ تحرسُها

عينانِ تلتقيانِ اللَّيل بالشَّررِ

 

 

لملِمْ بقايا نُيوبٍ فوقه فلكمْ

أَغارَ غيرُكَ حتّى ضاق بالغِيَرِ

 

 

فعلَّ كفَّكَ يغنى من مُفارقةٍ

حتّى يكونَ بفكٍّ منكَ مُفتقَرِ

 

 

وزأرةُ الليث لو جاءَتْك لعنتُها

لتكفُرنَّ خفيضَ الصوتِ بالنَّمِرِ

 

 

يا عُقدةَ الشعرِ إذْ خانتْ بصاحبها

فراح يسخرُ كالفحّامِ بالدُّرَرِ

 

 

ذكَّرتِنا أنّه بالأمسِ شدَّ إلى

دُنيا القريضِ ركابَ الزّاد والسَّفرِ

 

 

وطال فيه السُّرى، تُلقيه أَوديةٌ

إلى هضابٍ ومن عالٍ لمنحدِرِ

 

 

حتّى إذا لم يجُزْ في شوط رحلتِهِ

مغارِزَ الوهم في رجليه من حَذَرِ

 

 

وعادَ يحمل فوق الظّهر عُقدتَهُ

وآبَ من دربهِ بالأينِ والعَثَرِ

 

 

آلى لأصحابه- والشعرُ مُحتَفِل-

لأَقعدنَّ لهُ بالنّابِ والظُّفُرِ

 

 

فإِنْ عدانيَ أَنّي "شاعرٌ" خَبَرٌ

فإَنَّني "ناقدٌ" في أوثق الخبرِ

 

 

دعَوْا إلى الوقفة الكبرى فقلتُ بلى

ما الشعرُ إن لم يقفْ صوتاً بمشتَجَرِ

 

 

وما عكاظ إذا ما حُمَّ معتركٌ

إلاّ سيوفٌ على مستكلبٍ أَشِرِ

 

 

مجدُ القصيدةِ أن تُستلَّ من وَتَرٍ

لحناً فتبعث سهمَ الموت من وَتَرِ

 

 

فرُحتُ أَنسجُ من قلبي وأَعرقهِ

لكلّ صولةِ حقٍّ أروعَ السُّوَرِ

 

 

واعتَدْتُ أن لا أذوقَ النوم مزدهياً

أَنّي أُسامر أشعاري إلى السَّحَرِ

 

 

ومنذُ جيلٍ –وفي كفّي يراعتَهْ-

لم أعرفِ الشعرَ إلاّ أنّه قَدَري

 

 

لا يفتديهِ ولو بالظُّفْرِ خائنُهُ

وأفتدي كلَّ حرفٍ منهُ بالعُمُرِ

 

 

أَفنى ويبقى نقاءً لا يفيضُ على

قبري بغير ثناءٍ خالدٍ عَطِرِ

 

 

لا سبّةً إذْ تعاطاهُ صيارفةٌ

فأرَّثوهُ وبالاً فوق مُتَّجِرِ

 

 

لكلّ زرعٍ يدٌ موعودةٌ وجنىً

يرى تعجُّلَهمْ آناً ومصطَبري

 

 

حتّى إذا اختنقَتْ شوكاً حُجورهمُ

ولم يضِقْ حجريَ المزهوّ بالثَّمَر

 

 

 

عدَتْ عليَّ صغارُ الحيّ توسِعُني

شتماً بأَني لم أشكُرْ يدَ المطرِ

 

 

ولم أَهَبْهُ لغير الناس أجمعِهمْ

إذْ عالجوا منه ضرعاً دَرَّ بالوَطَرِ

 

 

ما كنتُ أرقبُ أن يمتدَّ في أُذُني

همسُ البشائرِ يُهديهِ فمُ النُّذُرِ

 

 

حتى رأيتُ أعاجيباً أُصيح بها

من فرطِ همّيَ: لا تُبقي ولا تَذَرِي

 

30/4/1984م

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244