زَبـورٌ بابليّ- محمد حسين آل ياسين

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
فجيعة الشاعر

فجيعة الشاعر

 

أوجع ما يلقاهُ في دهرِهِ

أن يُفجع الشاعرُ في شعرِهِ

 

 

فإن بكاهُ صاحباً راحلاً

فإنَّما يبكي على عُمرِهِ

 

 

يبحثُ عنه فاقداً ما درَى

بنومةِ المفقود في ثغرهِ

 

 

زُمَّ فمٌ منهُ على صمتِهِ

كأنّما زُمَّ على قبرِهِ

 

 

فشاربٌ بالعين من غيظه

وآكلٌ بالقلبِ من صبرِهِ

 

 

لم يشفعِ الليلُ غنيَّ الرؤى

لذلَّةِ المحتاج من فجرِهِ

 

 

ولا شآبيبُ القوافي بهِ

لوحشة الإصحار من قفرِهِ

 

 

لا يرجعُ الميْتُ عقوقاً بما

قد كانَ قبل الموتِ من بِرِّهِ

 

 

يشخبُ غيثٌ فوقه جاهلاً

بأنَّه قد صارَ من جمرهِ

 

 

وظُنَّ أنّ السرَّ في شعِرِه

حتّى تبدّى الشعر من سِرِّهِ

 

 

من ألفِ ألفٍ مرَّ حرفٌ على

قارب بَرْديٍّ إلى نهرِهِ

 

 

يحمل من أَزمانِهِ صورةً

تختصرُ العصورَ في عصرِهِ

 

 

تُذوّبُ الأفكار شتّى بها

حتى يسيل الذَّوبُ من فكرهِ

 

 

يُرى بها فِرعونُ في حشدِهِ

يسجدُ كالمأخوذ من سحرِهِ

 

 

يُنبئُ كلكامشُ عن موعدٍ

وهُومِروسٌ جُنَّ من بِشْرِهِ

 

 

والملكُ الضِّليلُ في صحوةٍ

من خمرِهِ المطعون في أَمرِهِ

 

 

يحدّثُ الطائيُّ بشّارَهُ

في همسةٍ عن منتهى جهرِهِ

 

 

ويصحبُ الشريفُ في طُهرِهِ

أَبا نُواسٍ لجَّ في سُكرِهِ

 

 

والمتنبّي نَعلُ أَفراسِهِ

من عسجدٍ يجهشُ من فقرِهِ

 

 

حشدٌ من الأَلوان لم يجتمعْ

معانياً إلاّ على سِفْرِهِ

 

 

فكلُ بيتٍ ندَّ من روحِهِ

إلى الدُّنا مرَّ على نحرِهِ

 

 

يحمله بحراً على متنِهِ

لعالمٍ يَغرقُ في بحرِهِ

 

 

فإنْ شكا من رَهَقٍ حاملٌ

عاجله الحملُ إلى بَتْرِهِ

 

 

أو اعترى الشطرَ بهِ هزّةٌ

آمنَهُ الراسخُ من شطرِهِ

 

 

أو عصفتْ صرٌّ بأسبابهِ

شدّتْ به الأوتاد من أَزْرِهِ

 

 

يُسرع بالمعنى بلا سُرعةٍ

ويكسرُ اللّفظ بلا كسرِهِ

 

 

ينحتُهُ حُكماً على غابةٍ

بنابهِ المسنونِ أو ظُفرِهِ

 

 

يُطاردُ الحلمَ البعيد المدى

ويقتل المقنوص في حجرهِ

 

 

يرقبُ صُبحاً قادراً أن يعي

ما فاتَ سمعَ الدَّهر من هُجرِهِ

 

 

حروفُهُ من حبّهِ قسَّمتْ

ما بينَها المحمولَ من إصرِهِ

 

 

هل يُعجِزُ الجاهلَ حال الورى

أن يسأل المعلوم من خُبرِهِ

 

 

وحسبُه من مؤمنٍ سجدةٌ

تعانقُ المهجور من كُفرِهِ

 

 

قصَّر في الشُكر لبيبٌ شأى

وخلَّفَ الأحمقَ في شُكرِهِ

 

 

فرُبَّ وِزرٍ مثقلٍ أُمَّةً

خفَّ بهِ الهازئُ من وِزرِهِ

 

 

ويأمَلُ الهاربُ من سجنِهِ

ما يضمنُ الرِعديدُ في أَسرِهِ

 

 

تكبيلةُ الآسرِ في بابهِ

تكبيلةُ المأسورِ في قعرِهِ

 

 

ما أهونَ السجن لذي غايةٍ

لو لمْ يكُ السجّان في صدرِهِ

 

 

عيونُه شُدّتْ إلى مُتّقى

عقابِهِ أو مرتجى أجرِهِ

 

 

أَغراهُ إذْ جاءَ به تائهاً

أَعمى فلو أبصرَ لم يُغرِهِ

 

 

إذْ سيَهولُ القيدَ أن ينثني

إلى مسيل الدَّمِ في إثرهِ

 

 

ما فتنةُ الليل بلا ظُلمةٍ

أوحشَها السامرُ من بدرهِ

 

 

أو لذَّةُ الكأس بعنقودها

لولا الظّما الصاعدُ من جذرِهِ

 

 

هل يُرطبُ العذقُ إذا لم يكنْ

قد لفح الصيفُ نوى بُسرِهِ

 

 

كم عِدَةٍ للحلوِ تُرجى فإن

حانتْ بكى الراجي على مُرِّهِ

 

 

يحملهُ ظهرُ المنى سادراً

ويحمل الدَّربَ على ظهرِهِ

 

 

أَعلن في الناس اختيار الأسى

ديناً فعابوهُ على جَبْرِهِ

 

 

كهُزأةِ الثعلب من كرْمِهِ

وضُحكةِ الفَحّام من دُرِّهِ

 

 

يُومي إلى جُرحٍ على كفِهِ

كالوشمِ لا يَقوى على صِفرِهِ

 

 

من قَدْرِهِ أن لا يرى طامحاً

يرضى عن المعروف من قَدْرِهِ

 

 

ما ضرَّ أن تُطوى حياةُ امرئٍ

أَسلمَهُ الموتُ إلى نشرِهِ

 

26/12/1991م

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244