زَبـورٌ بابليّ- محمد حسين آل ياسين

شعر - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الشاهدُ الشَّهيد

 

يا طارقاً ليلي الطويلَ وبابيا

ضيفاً فأُقريهِ دمي وولائيا

 

 

يا منْ أقمتُ مزارهُ في أضلعي

وأقامَ لي بين الحروفِ مزاريا

 

 

ودنا فكان هوايَ محضَ وسادِهِ

ودنوتُ حيثُ دماهُ محضُ وِساديا

 

 

لم تغفُ فوق يديَّ من رهقِ الفدا

جمَّ الرؤى حتى غدوتَ الرائيا

 

 

حتّى إذا ودَّعتُ ظلَّكَ موقناً

برحيلهِ أمسيتَ دونيَ باقيا

 

 

وتركتَ لي من وقع خطوِكَ ذاهباً

ما يجتليكَ مع ارتعاشيَ آتيا

 

 

يا أيُّها المعنى القتيلُ سلامةً

أنْ قد تبرعمَ في الحياةِ معانيا

 

 

أعيى مراثيهِ تَوهُّمُ فقدِهِ

فبكتْ فقامَ على المدامعِ راثيا

 

 

أَنّى انحدرتَ من السماءِ إلى فمي

شعراً فكنتَ بهِ الطروبَ الشاديا

 

 

ومتى برزتَ من الترابِ إلى دمي

نبضاً فصرتَ بهِ الضريحَ العاليا

 

 

أَبلحظةٍ فيها اختصرتَ لياليا

أم خطوةٍ فيها اختزلتَ فيافيا

 

 

أرأيتَ بي وطناً فكنتَ مسلَّتي

أم شمتَني حجَراً فصرتَ فؤاديا

 

 

حسبُ انفرادكَ أن يبيتَ بلمحةٍ

حشداً وصمتُكَ أن يفيضَ أغانيا

 

 

بهما رسمتَ لوجهِ مجدكَ لوحةً

أَلوانُها امتزجتْ دماً ودراريا

 

 

يا توأَمي أسعفْ نزيفي بالرؤى

فلقد عهدتُكَ في الشكاةِ مؤاسيا

 

 

فالسحرُ أن يغدو السرابُ وكذبُهُ

وِرداً فأَصدرَ صادقاً وسواقيا

 

 

أَنْ تسقطَ الأوراقُ من أشجارها

فتعجَّ زاخرةَ الشَّذا أوراقيا

 

 

إنَّ الشهادةَ صورةٌ أخّاذةٌ

للخُلد ها هو في العيونِ وها هيا

 

 

نحنُ الثلاثةُ في امتحانِ إصابةٍ

كلٌّ تطلَّعَ للغنيمةِ ظاميا

 

 

فأنا وأنتَ وضربةٌ في ساعةٍ

قد أطلقتْنا في اللِّقاءِ ضواريا

 

 

ذئبُ الردى لدِماك إذْ ذئبُ الدِّما

لرؤايَ إذْ ذئبُ الرؤى لشبابيا

 

 

حتّى إذا سكتَ الظَّما بكليكُما

وأقامَ بي ظمأُ القصيدةِ عاويا

 

 

مرَّتْ على جدبِ الزَّمان سحابةٌ

حمراءُ تُمطرهُ دَماً وقوافيا

 

 

يكفيكَ منها شهقةٌ من راحلٍ

أَمسيتَ فيها للكرامةِ حاديا

 

 

أَرآكَ أعماها فأَبدعَ واصفاً

أم فاهَ أخرسُها فأَفصحَ راوياً

 

***

 

يا فارساً لم تكبُ فيه منيَّةٌ

حتى امتطى ظهرَ الحياةِ أمانيا

 

 

أَحسستَ من طلْقِ الولادةِ بالفِدا

قَدَراً على فنّ التقحُّم ناميا

 

 

ورعتْكَ منجبةُ الرجالِ بحضنِها

حتفاً وأَطلَعتِ المراضعُ فاديا

 

 

حُشدتْ لهُ الأغمادُ خاليةً سِوى

من جُبنها فغَدا لهنَّ مواضيا

 

 

حتّى إذا ما أُغمدتْ في قلبِهِ

عادتْ بهِ الأغمادُ منهُ خواليا

 

 

جرحاً يفيض على جراح زمانهِ

بُرءاً ويحتضنُ المواجع شافيا

 

 

بنتُ البُسيتين التي تيَّمتَها

ركضتْ هلاهلُها إليكَ حوافيا

 

 

مُذ أَبطأتْ عن ثغرها أُغرودةٌ

عجلتْ مباسمُها عليكَ هواميا

 

 

ذاقتْ وعودَكَ حلوةً ألوانُها

حتّى ختمتَ بهنَّ وَعداً قانيا

 

 

بالأَمس كنتَ تشوُّقاً ومشقَّةً

واليومَ ترفلُ فتنةً وتفانيا

 

 

يا كوكباً ما خرَّ يبرقُ في الدُّجا

إلاّ حساماً قد تخطَّف هاويا

 

 

ما إن قضى حقَّ المروءةَ وانطفا

حتّى تصعَّد بالتوهُّج ساميا

 

 

أَو لمْ تكنْ والموتُ صنوي قُنصةٍ

تتخالفانِ طريقةً ودواعيا

 

 

فلقيتَهُ إذْ أنتَ منفردٌ بِهِ

زاهٍ وجاءَكَ خائفاً متواريا

 

 

فارتدَّ مهزوماً بخيبةِ علمِهِ

أَنْ قد يُرى المرميُّ يهزمُ راميا

 

 

لو كانَ يدري من طريدةُ صنوِهِ

لأَشاحَ من فرطِ النَّدامةِ نائيا

 

 

يا قانصاً سربَ الخلودِ بنحرِهِ

وشِراكهُ دمُهُ المنوّرُ جاريا

 

 

مكرتْ جنانُ الخالدينَ ودونها

مَكَر الشهيدُ فحازَهُنَّ دوانيا

 

 

أرأيتَ أعجبَ من طريقِ شهادةٍ

يُمسي الفقيدُ بهِ الوحيدَ النّاجيا

 

 

تُلفي به القفرَ اليبيسَ خمائلاً

وتَرى بهِ القاصي المودّعَ دانيا

 

 

يُفضي إلى نصرٍ بليغٍ صمتُهُ

أَو مرقدٍ يغدو بجودِكَ حاكيا

 

 

أَدنى الذي يَجنيهِ خُصٌّ باذلٌ

أَنْ يستحيلَ مشاهداً ونواديا

 

 

وأَقلُّ ما يلقاهُ عُريٌ أو طوىً

أَنْ يُمسيا بكَ طاعماً أو كاسيا

 

***

 

فأَعِدْ نداءَ البذلِ إنَّ بسمعِنا

ما يقتضيهِ أن يظلَّ مناديا

 

 

يتسلَّق الشُرفاتِ رايةَ فاتح

ويُطلُّ في الجدرانِ حرفاً داميا

 

 

أَيقظْ بهِ مدنَ النّيام وسَمِّهِ

فوق الخرائطِ راسماً أو ماحيا

 

 

واهزُزْ عروشَ الخانعينَ بساعِدٍ

قبضَتْ أصابعُهُ الثَّرى متباهيا

 

 

واعصفْ على سربِ النَّعام مُفزَّعاً

ريحاً تذُرُّ على الرؤوسِ مخازيا

 

 

واكشفْهمُ متلونينَ كما اقتضى

صغَرُ النفوسِ عقارباً وأفاعيا

 

 

فلقد صبرتَ على القَذى متسامحاً

ولقد سموتَ على الأَذى متعاليا

 

 

فمن الذكاوةِ أن تجيدَ تغابياً

ومنَ البصيرةِ أن تجيدَ تعاميا

 

 

حتّى إذا لم يبقَ في قوسِ الإخا

من منزعٍ وخلوتَ سهماً باريا

 

 

لُحتَ العراقَ ببذلِهِ وجراحِهِ

يتفجَّرانِ محبّةً وتآخيا

 

 

طيراً مهيضاً والكواسرُ فوقَهُ

فيُعيرهنَّ قوادماً وخوافيا

 

 

غنّى فأَمرعَتِ السهولُ كرامةً

وشَدا فأَينعتِ الجبالُ معاليا

 

 

قال: الحصارُ عبادتي جوعي بهِ

صومي وأوجاعُ البناءِ صلاتيا

 

 

وبكى على الوطنِ الكبيرِ تباعَدتْ

أشبارُهُ حتّى استحلنَ منافيا

 

 

فإذا تساءَل مشفقٌ أو شامتٌ

عن أُمَّةٍ ضاعتْ خُطاً ومَراميا

 

 

أين العروبةُ وهي دربٌ إنْ شكا

جَدْباً تفاوحَ بالفداءِ أَقاحيا

 

 

قُل إنّها شعبُ العراقِ يذودُ عن

حُرماتِهِ ويردُّ ليلاً داجيا

 

 

وجنوبُ لبنانِ وفي قانا سما

قربانُهُ الدامي فجلَّ أضاحيا

 

 

وشبابُ غزَّةَ والخليلِ وملكُهُمْ

أجسادُهمْ نُذرتْ زناداً واريا

 

 

ولأنتَ من هذي الخُلاصةِ روحُها

سكنتْ قلوباً حرّةً ومآقيا

 

 

وغَدٌ ستَفتحُ بالدماءِ رتاجَهُ

وتُحاصرُ الدُّنيا بجرحِكَ قاضيا

 

 

وتطلُّ منه على عراقٍ مُثمرٍ

بالنَّصر يُزهرُ كالرّبيع مغانيا

 

 

يتبادلُ الفادي بهِ والمفتَدى

قُبلَ الهوى غالٍ يعانقُ غاليا

 

1/12/1998م

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244