رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رقصتها مطر

ارتفع طرق خفيف خلف نافذتها بما يشبه الحفيف أو تكسر أوراق جافة. كادت تعلن وصوله إلا أنها ترددت برهة. خافت أحابيل خيالاتها وخداع هسيس المطر الذي يحدث عزفاً هادئاً في مداعبة الزجاج، مرت دقائق قبل أن تهتدي إلى معرفة رنته القديمة التي أتقنت حفظها بالمران. فخفق قلبها متوقعة ظهوره السريع من النافذة. كانت جالسة خلف مكتبها مولية ظهرها إلى النوافذ الواسعة المطلة على منتزه فسيح يشدها الطرق الذي يتسرب في أذنيها منغماً. حدسها لم يخطئ قالت مع نفسها ها نحن ذا نلتقي بعد غياب لنحتفل معاً في رأس السنة. حاولت أن تلتفت إلى الخلف صوب المصاريع المشرعة منذ الصباح لأنسام دافئة على غير العادة في شتاء كانون ونثيث مطر ناعم. إلا أن ثمة قوة كبلتها في مكانها ملتذة في انتظار أن يتجه إليها ويناديها. خؤون. إنما ستغفر له لا تريد اتهامه أو إحراجه. ذلك لم يعد مهماً في هذا الوقت ستبادر قبله تعتذر له ولها! تعتذر عن كل شيء وتحتمي بحبه إذ تركزت رغبتها في أمنية واحدة قصوى هو أن يكون إلى جانبها في هذا المساء بالذات. لقد تركت أبواب محلها مغلقة. لن تبيع الزهور هذا اليوم. الزهور لهما! لذا دأبت منذ الصباح في ترتيب أشيائها قبل وصوله انهمكت كلياً في احضار زهور حقيقية. طاقات أقحوان. حزم بنفسج وزنابق حمر تنث عطر الحب. أبدت مهارتها في تنسيق صفوفها فوق الرفوف فتلألأت الجدران بمئات الشموس الصغيرة. ثمة موائد وضعت فوقها شموع موقدة أقداح وصحون وكاسيت جديد علّبت فيه أفكارها معلنة عصيانها وتمردها على كل شيء عمدت أن تلقي بماضيها هناك مع المهملات تخلع قناع السعادة الزائف تلحق بحياتها المبددة وحالما انهت أعمالها سرت فيها دفقات من شعور حار أنعش روحها دفء لذيذ في الجو على غير العادة مطعم بحلاوة مطر هادئ، قالت إن كل شيء بهيج إذاً وقالت أن عليها أن تكون رقيقة ومبتهجة كالزهور هي ذي خفيفة مليئة بالفرح توشك أن تفقد الإحساس بجسدها وتطير تملكها شعور يفيض بلذة خاصة تكشّف مغزاها مع اقتراب ساعة انعتاقها ساعة دخولها بوابة حياتها الجديدة التي ستؤذن بها دقات الميلاد هذا المساء لذا دققت في نضارة وجهها وفرحت وهي ترفل في ثوب بلون القرنفل مختالة أمام مرآتها بغنج حلق فكرها. هي ذي جميلة متوهجة في مملكتها جنة الورد. لا بد من أنه سيقف خلفها صامتاً مأخوذاً لحظات ثم يتجه نحوها بصيحة إعجاب وفي ذروة انفعالها رأت أن تطفئ ظمأ رغبتها هذه الليلة فترقص وتطير تلقي برأسها على صدره مطلقة أغاني قلبها المحبوسة. إنها تحلم. تحلم ولا توقظها سوى نغمة الطرق الخفيف التي استحالت مع ذبول النهار إلى رعشات تسري بأعصابها. خطر لها أن من القسوة أن لا يدرك نداءات روحها لا يدرك قيمة ليلتها. أما كان الأجدى التخلي عن ولعه في استنطاقها والمماحكة معها هذه المرة.. هتفت بغيظ: يا للرجل الذي لا يرتوي ظمأ جنونه إلا بممارسة طرق الزجاج والتخفي السريع بين الأشجار! برغم أنها اليوم ما عادت تطيق إخفاء توتر أعصابها وتفاقم حاجتها لوجوده. لنبرة صوته التي ستندس في أذنيها بأية لحظة لكنها مصرة على تجنب الالتفات إليه الآن يهمها وحسب أن يتقدم منها في الحال ويقول لها هات يدك لنرقص أن يداهمها يقتحم عالمها كزوبعة ويفر بها حيثما شاء لا أن يتربص خارج النافذة لاهيا غير بعيد عنها. لقد أدمنت من قبل لعبته المفضلة في الوصول إليها متخفياً كانت تلمحه دون أن تدع له أن يباغتها تتمادى معه في اللعب إذ تشعر بقربه وبأنفاسه عبر الزجاج مثلما تتحفز أعصابها بانتظار يده التي تهبط على كتفها مثل مطر تتسلل إلى شعرها بحنو ورقة لئلا تستفز من مكانها وقتئذ تستدير تقف أمامه مطلقة كلمات سريعة لا معنى لها ودون أن ينبس يختصر كل شوقه وشغفه يقطره في قبلة حارة يقطفها من فمها عبر خصاص النافذة وفي فوران عواطفها تعلم سلفاً أنه سيستدرجها قسراً لممارسة تتردد فيها حين يدعوها أن تغني! ترتبك. حسبت الأمر في البدء حالة عابرة لكنها مع تكرار الأمر سرعان ما مستها العدوى حتى غدت تتمرد على نفسها. تحفظها أمست طائراً طليقاً استسلمت للرقص الذي وهبها مزيجاً من الحرية واللذة والامتلاء. رأته رفيف أجنحة تأخذها في غياب لذيذ فتمتثل طائعة لندائه بما يشبه الإذعان للسحر! ما أن ينبعث صوتها إلى حين قصير حتى يترنم صوته معها يتهادى مع الريح غير آبه لتوقف المارة ودهشتهم وهو لا يفتأ يدور خارج النافذة مؤدياً حركات إيقاعية يصحبها نقر أنامله المدربة على الزجاج ووقع أقدامه يناديها صوته فجأة رقيقاً واثقاً يقول: (ارقصي. أسرع. دوري. الرقص سيكون مصيرك حتماً! سيمسك باللهيب والنار ويهمس في أذنك بسره فتفرحين كمن يعثر على يقينه الضائع! حينئذ تتقطع حبال الجسد وتسرح الروح. فتغني لك الأشجار والسحب والطيور.. أجل فليس ثمة بوح أبلغ من بوح الجسد! تمتعي بلذة الانعتاق. التمرد. لذة الحياة الهاربة).‏

وبحركة ذراعه وإيماءة رأسه وعلى وقع النغم السريع. تغمرها موجةً إغواءٍ لذيذ يأخذها فرح غامر. تتوقد روحها. تهتز. تتكسر حدود الجسد ينفلت حراً خفيفاً كهر حبيس يحلم بخضرة البراري. يشدها هياج الرقص باندماج حميم حار مع إيقاع النغم في فضاء الصالة وهو يرقص معها حولها. فيها! يحيط بها مثل الهواء.أمام نافذتها والعيون المستغربة مطلقاً أغنيته في أرجاء المكان فيرددها المارة الذين يجذبهم الصوت وتختزنها قمم الأشجار يختزنها. المدى الآن الدقائق تواصل الطرق. ثمة زخات مطر مرح يهمي ناعماً لا يني يطرق الزجاج من آونة لأخرى فيلتبس لديها وقعه المشاكس يتآمر على سمعها ويربك انتظارها يتسارع إيقاع نبضها. ما كان ينبغي له أن يجعلها تنتظر لحظة لا تعرف موعدها. لحظة مقلقة غامضة. لحظة يتموج صوته عبر المطر. مؤذنة ببدء رقصتها. هو ذا الرجل قريب. لعله يترصدها من موضع ما. أو ربما يتسَكع تحت المطر. ترى ما الذي يمنع أقدامه التي تريد أن تدنو منها؟ طافت بخاطرها الأسئلة أردفت بعد برهة لعله ترك لنفسه هذه المرة أن يرسل أغانيه ويطلق رقصته من مكانه خارجاً على مألوف عادته لكنما ساورها الشك في لحظة تالية مدركة أن للمطر صوتاً يسري في الجسد مثلما له رقصه وغناؤه وأصابع بلورية ناعمة تطرح الزجاج أيضاً!‏

فجأة توقفت أفكارها وانتفض قلبها إذ سمعت موجة نقرات سريعة شديدة الكثافة هي ذات الإشارة التي طالما يرسلها لها حين يأمرها أن تغني! أفرحها النداء صرخت بتحد. أجل، سأغني وأرقص، هذه الليلة ليس أبهى منها شيء ولا أكثر فتنة ليلة الميلاد، إشارة انطلاقها ومولد روحها الجديدة. وما إن اشتعل صوتها في فضاء الصالة دقائق قليلة حتى تغير إيقاع الطرق بفارق كبير في اللحن مجسداً نداءه لها لأن ترقص أطرقت مثل طفل مبهور، صاحت تطمئن مشاعرها هو خلف النافذة حتماً، ووثبت في الحال كما القطة من كرسيها ممتثلة لدعوته. شرعت تتلوى تأتي ضرباً من حركات رشيقة وقد تجاوزت في روحها للتو ترنيمات والحان طالما حفظتها. راح جسدها كله يلتهب يطلق لغته يصعد طاقته يتوثب بجمال آخاذ والزهور تتضوع تطير هي كفراشة وتغوص في لذة رقصها وغناءها فيضيق المكان من حولها ولفرط نشوتها تتعثر قدمها في الجدار فتتهاوى من الرفوف أكاليل الورد تنهمر مثل سحب ناعمة ملونة إثر ضربات ريح مصحوبة بزخات وابل المطر خلال النوافذ المفتوحة. تطايرت أسرابها وضج شذاها ورشت عذوبتها على وجه الفتاة ثم تهاوت أشلاؤها وسال رحيقها كأنهار صغيرة شفافة. لم تأبه ظلت كما الحمامة طليقة تطير تطلق هديلاً عذباً محلقة في موجة انخطاف غريب. انهمرت دموعها لفرط امتلائها بالسعادة ورغبتها الملحة للرجل..‏

وفي ذروة دورانها. طغى في الخارج إيقاع رقصة عالية وعزف رخيم على الزجاج ألهبا روحها فتنة وفرحاً وكفت في الحال عن رقصها هرعت صوب خصاص النافذة وجدت الظلام مهيمناً ودهشت إذ داهمها رجل غريب من النافذة! رجل من مطر دخل بخفة متلقياً إياها باذرع حانية، هجم عليها، وأمطرها بدفقات قبل حارة عنيفة! فاندفعت هي الأخرى فرحة تقبله تدفن وجهها في سيله المنهمر وتتشمم أنفاسه اللاهبة. فتبلل شعرها واغتسلت. فيما علا صداح صوتهما وتصاعد وقع رقصهما بحماسة حتى غدت تستحيل مع حمى الرقص إلى دفقة مطر! امتزجا معاً. تحولا إلى كرات مطر عنيف تصفع الأرض بشدة فتتقافز وتدور إثر سقوطها على أديم الصالة في رقص عجيب.‏

آذار -1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244