رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الموت الأوّل

حتى الآن لم يكن قد تبقى له سوى نصف ساعة فقط في انتظار موته. هي مسافة الطريق التي يقطعها بسيارته والمؤدية من بيته إلى مكتبه.. وهو يسير كان يستنشق عذوبة برد الصباح الفاترة لآخر مرة! اجتاز شلة أطفال يحملون حقائبهم الصغيرة إلى روضتهم خفف قليلاً من سيره وتابعهم ببصره وهم يثرثرون أو يمرحون ثم يستأنفون سيرهم وقد ائتلقت وجوههم وأثوابهم الزاهية بضياء الشمس الندي. ثمة ابتسامة مشفقة ارتسمت على شفتيه فشل في تجنبها. ابتسامة مؤنبة أطلت من المرآة أمامه فارتد إلى الخلف دون وعيه وتشنجت يداه على المقود. شيء محرق وخزه لعله ندم أو أمر ما عصي على فهمه. لو لم يلتفت عامداً إلى شلة الصغار لما رأى ابنته الصغيرة تدرج من بينهم بتنورتها البيضاء وحقيبتها المحشوة باللعب تتأرجح فوق كتفها وهي تدفع قدميها بقفزات لاهية لاحت له منشغلة في مناداة أحدهم حين مر على مقربة منها بسيارته وتجاوزها بلحظة لكن كان من الصعب عليه أن يقاوم ففكر أن يكتفي برؤيتها على عجل ولأجل ذلك التفت إلى الوراء بحذر لئلا يدعها تراه وبمشقة كتم رغبة عنيفة جاشت بداخله لأن يتوقف ويحتويها بعينيه مطلقاً لها وداعه الأخير. أليست هي آخر مرة سيشاهدها في حياته. إنما هذا يخالف تصميمه ودأبه في تنفيذ موته بكل عزم وأهاب بنفسه على التماسك حتى تنضب آخر حبات وقته الوجيز متذكراً أهمية تكتمه على أي نحو إلى النهاية وعبثاً حاول أن يتجاهل صورتها التي انعقدت برأسه وكيف لاح لعينيه تألق شرائطها الجميلة وهيئتها المتسائلة حيث كانت تقول شيئاً ما حين رفعت رأسها وأبصرته بعد لحظة مروره منها وكيف تسمرت في وقفتها وثوبها تعابثه الريح فيما عيناها تلاحقانه وفي البعيد ظلت تلوح له من عمق الشارع وبقيت هكذا حتى تباعدت واختفت ولعلها لن تتوقف عن التلويح له إلى ما بعد موته! همس بذلك لنفسه وظن أن صوتها الصغير تردد طويلاً في الفراغ قبل أن يتبدد.. كانت حركة عقارب الساعة تزحف ودقائقه الأخيرة تذوب كحبات الماء مؤذنة بدنو نهايته. لكنه أيقن أنه حتى لحظة ما قبل موته سوف لن يفارقه شغفه لسماع غنائها البهيج في المساءات وتمتعه برؤيتها.. جميلة هي حين تدور أمامه بهفهفة ثوبها وضربات قدميها وحركاتها الراقصة.. يا لروعة الطفولة. نطق ذلك بانفعال ولفرط تأثره أضاف بصوت منكسر -شيء مؤسف حقاً إنها ستنتظر عودتي دونما جدوى منذ حلول المساء مهيئة نشيدها فرحة لما ستسمعني إياه كعادتها كل يوم، خطر بذهنه كل ذلك وهو يمضي في مسير متأمل ورغم قتامة مصيره وجد أن رغبته الأخيرة هي في استعادة أغاني وأناشيد طفلته التي باتت تنفلت من ذاكرته بيسر وأوشك أن يضحك من نفسه إذ تردد في رأسه غناؤها (روح عني يا كسلان أنت مو شاطر فرحان..) وفي غضون لحظة علا صوته بغتة وشرع يغني منتهزاً فرصة موته الوشيك! كما لو كان يطلق كل ما يحبسه من ألم وسرح بعيداً ناسياً مصيره على الرغم مما تبقى له من شحيح الوقت وحين حدق في ساعته أفزعه أن الزمن يقطر بعجالة مفرطة فحتى هذه اللحظة أضحت حياته عشر دقائق فقط! عندها ليس أمامه سوى أن ينسل إلى مكتبه يدفع الباب ويحكم إغلاق المزلاج قد يرتجف لبرهة أو يتمتم بشيء إلا أنه سيطلق الرصاص عندئذ ستردد صرخته بعنف لآخر مرة في صمت المكتب. ثم.. الفراغ. حيث يكتمل موته إذاك سوف لن يكون بمقدوره أن يرى تحطمها وكيف ستموت أغانيها مع انقضاء المساء عندما تمل انتظاره ويغلبها النوم بلى. فالموتى لا يفقهون ذلك. إنما جعل يفكر طويلاً كيف سيظل دوماً مختبئاً في أحلامها الصغيرة. كان يقود سيارته بسرعة وذهول ولما انقضى الوقت وعند لحظة موته تماماً جثمت سيارته أمام دار رياض الأطفال وقد خيل إليه أنه توقف عند بوابة البناية التي يقع فيها مكتبه فتحسس سلاحه بإصرار وحزم ولم تمضِ لحظات حتى وجد خطواته تندفع بقوة وشرود داخل غرفة واسعة وللتو هرعت نحوه ابنته ضاجة مبتهجة وقفزت متعلقة بعنقه وكمن أفاق بغتة راح يغمره شعور هائل بالارتياح وهو يضمها بحنو إلى صدره ثم ألفى نفسه يخطو بها وينحني ثم أخذ يحبو مثل الأطفال (تاتي.. توا..) وطفق يغني ويضحك يضحك بانفعال بالغ أجفل جمهرة الصغار حوله وأدهش المعلمة كأنما لم يصدق أنه قد خرج تواً من موته.‏

كانون الأول/1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244