|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رجل وامرأة كان وقع عكازتيه على الثلج يختلط مع الأنين الخفي لساقيه المشلولتين. يبدو أن حركته غير المتسقة تثقل، وهو يخترق أكوام الثلج المتسخ حاثاً خطاه بجهد كي يتفادى اختلال توازن جسده. صوت الريح الباردة يتعاظم وهي تسوق أمامها نثار الجليد الذي راح يزحف خفيفاً ليسور أسيجة المنازل ويتسلق الأبواب والنوافذ المغلقة موشحاً إيّاها برقائق هشة بيض.. بعد تساقط الثلج عدة أيام بدت السماء كسقف واطئ بلون الرصاص أو بلون قضيبي عكازتيه القديمتين. ما من كائن حاضر اللحظة ليشهد طوافه المجنون من قلب المدينة ساعياً إلى أطرافها، ثمة عدد من الشاحنات والسيارات معطلة على الأرصفة بعد أن عجزت عن شق طريقها على بساط الجليد. كما تعذر على كثير من الأهالي مغادرة منازلهم.. المدينة أشباح صامتة. ضاقت بتوغل الثلج في هياكلها وفضائلها وهو يعدو ولا مخلوق سواه تقوده خطواته المضطربة بعيداً فوق الطريق الذي يلف المدينة ويستدير إلى نهايتها.. لو لم يبزغ شبحها من بين الضباب في زاوية الشرفة الدائرية الصغيرة لواصل تنقله مثلما يفعل كل مساء وهو يقطع ماراثوناً طويلاً متأبطاً عكازتيه موغلاً بالطريق نفسه الذي يفضي به أخيراً إلى دفء الحانة في أقصى المدينة إذ دأب عند حلول المساء على أن لا يكف عن جنون الاستسلام لرغبته في الفرار من بيته الكبير ذي الطابقين من الغرف العديدة والباحات والأروقة المتاهة الخربة التي تختزن جدرانه المتآكلة أطياف الموتى بما فيهم زوجته وتتضوع عتمته وزواياه بروائح ذكرى الأسلاف ساكنيه في الزمن الغابر.. كان يتملكه الغرور عندما يضرب بعكازتيه أرض الحانة البعيدة فيجلس بزهو كبير بعد أن تمكن من إيهام نفسه أن في ذلك يكمن سر قوة روحه وجسده المشلول ومع تكرار نوبات الألم كل يوم، استحالت بفعل التعود إلى حالة طبيعية كالتجول عبر طرقات المدينة وحقيقة أخذ يتفهمها ويحبها. كان يقول أنا لا أريد أن يقعدني المرض وأبقى ممدداً على السرير مثل مومياء كل من يراني يرمقني بإشفاق الطبيب لا يعرف شيئاً عندما أمرني بملازمة البيت ولبثت زمناً طويلاً لا أتمكن حتى من التقاط كتاب من مكتبة غرفتي القريبة حيث تمضي الساعات بالتقلب على الفراش والإصغاء لهمس أرواح الموتى الهائمة في عتمة السقوف والزوايا العطنة إنه يتخيل نفسه إذ ينفلت حراً كمن يستعيد جسده من ظلال ثقيلة ليبقى طيراً طليقاً لم يقُص جناحاه ولن يناله التعب. كانت أسطورة وحدته وآلامه قد حفرت جدولاً عميق الأثر في حياته في إرادته الجحيمية. فما على ساقيه المشلولتين إلا أن تواظباً على الحركة مطلقاً عنانهما فوق طرقات يعرف تضاريسها والتواءاتها سادراً حتى آخر النهار ليؤوب في أول الليل من الحانة إذ ينقاد في رحلة أخرى عبر هذياناته مع شبح زوجته الميتة.. لماذا تهزين رأسك هكذا يا عزيزتي، لقد سمح لي الطبيب بالخروج والتجول بحرية. أجل. اقتربي إنني أرغب في أن أحدثك عن الثلج، لماذا تنظرين إليّ بشك، هل ترينني من خلال الضباب؟ اسمعي لا أريد أن تقاطعيني، لأحدثك عن الكتب التي قرأتها هذه الأيام والتي جميعها تتعلق بالحب أجل حب آلامنا، قلت انظري إلى الثلج.. لا بأس أن يتقدم خطوة أو أكثر إلى الأمام. ليس مهماً أن يقف هنا تماماً. إذ لم تكن المسافة القائمة بينهما أكثر من مئة متر، ما بين صف البيوت والشارع الصاعد حتى أطراف المدينة يتوقف ثم يباعد ما بين ساقيه ليستقيم جذعه ويسترد توازنه متشبثاً بعكازتيه اللتين يدفع بهما الثلج. قبل أن ينغرس مثل شجرة عارية في العراء المترامي ويحلق ببصره لتمسك عيناه بأطراف الشرفة الدائرية إذ يلوح شبحها وسط الكون الطافي في أمواج الضباب من خلف صلبان الخشب جالسة بمعطفها الفاتح اللون الذي يطوق عنقها وأذنيها بياقه كبيرة مثل طير مختبئ في سديم الضباب ولا يمضي كثير من الوقت حتى يتبدى له أنه يستطيع أن يتبين استدارة وجهها ورأسها المنتصب بجمود محتفز في جبروت امتلاكها للسعادة كانت قدماه تتحركان حائرتين بمكانهما وهما تختصران كل انفعالات التأثر والارتباك إزاء المرأة المحنطة تحت الثلج. كان واضحاً أن المرأة مأخوذة بشيء لا يمكن تفسيره بسهولة بل أخذ يشعر في برهة تالية أن وجودها بات يحرضه، يستفز به أشياء غامضة متحدية ولأول مرة استشعر أن لملمس الثلج بباطن قدميه فعلاً كالسعير إذ حاصره شبحها جعل يتمدد في كل خياله يأتيه مثل نثار الثلج فيشتعل بفيض من أحاسيس متناقضة ويعاوده الشك في حقيقة وجودها قبالته. كان عقله بكل ما فيه من قوة يعجز عن أن يستوعب مشهد استسلامها لجحيم البرد. ويمضي يتخيلها امرأة عنيفة ورأسها محشو بعناد ونزق لا يقهر ولعل وجودها أمامه صار يبعثر يقينه الراسخ بما اشتهر به من صعلكة وتهور. أجل إنه رجل كسر حدود المألوف ومارس الحياة بطقوسه الخاصة. اختار أن يكون وحيداً بمحض إرادته بعد أن تلاشى اهتمامه بالناس منذ زمن بعيد. كان رغم احتجاجه على وجودها وتفكيره بكيفية حملها على ترك الشرفة بات يشعر أنها تخفي أشياء تخصه هو بالذات. أشياء مباغتة تكاد تبدو طاحونة وحدته، ها هو ذا يشعر أنها بدأت تسليه وتدفعه إلى البحث مجدداً في إمكانية هجس أفكارها ومعرفة سر شغفها بمغامرة التعرض لعواصف الثلج وهو يتأملها بإمعان عبر المسافة الفاصلة بينهما. فتبدت له لبعض الوقت وهماً أو حلماً وفي لحظات تالية جاهد أن يكون أكثر لا مبالاة بما يرى في مواجهته إذ طمأن نفسه إلى أنها لا تصمد على احتفاظها بغموضها حيال إصراره وفضوله المتزايد على اقتحام عالمها. بدا له أنه دخل في رهان مع نفسه لأن يتعرف إلى ما وراء ثباتها المخيف أمامه، واعتراضها له. همس لنفسه بارتباك كمن يتفطن لشيء خطير بعد أن اندست في رأسه فكرة أنه يعرفها! إذ خيل إليه أنها استعارت منه كل شيء، أفكاره، جنونه. تلك المرأة التي لم يهزمها الثلج تبدو وكأنها هو! أجل هو بالذات. بهت لهول الفكرة، انتفض رافضاً الاكتشاف وبحركة لا إرادية أوشك أن يقع إذ انزلقت إحدى قدميه فانتشل الأخرى من الجليد وجذب عكازتيه دافعاً ثقل جسده عليهما ليحافظ على وقفته غير أن الفكرة احتوته في دوائر حصار تلتف حوله قال لنفسه: شيء رهيب امرأة تشبهك تماماً. بدا اضطرابه واضحاً تزايدت حيرته رأسه لم يعد يتسع لمثل هذه الخيالات كيف يفكر بذلك؟ أيحدث التشابه بين الرجل والمرأة أيضاً؟ كانت تحرك أعماقه دوافع غامضة هي مشاعر خليط من غيظ وارتياح فتختلط عليه الأمور وهو ما انفك واقفاً عند حبل المسافة بينهما وكل أعماقه تبحث وتسأل وتبرر وتعيد تشكيل مشهد المرأة التي تصفع عينيه بجرأتها وغموضها. المشهد الذي يظهر ويتجسم من بين أمواج الضباب ويمسك به دونما رحمة، فأردف يحدث نفسه لماذا ادعى أنه يعرفها؟ عندما أضحت أعماقه تهتز بدا أنه لم يصدق شبحها المرتسم أمامه واستغرب الأمر كثيراً أنه منجذب على هذا النحو المخيف بالرغم من وثوقه بعقله وخبرته حتى أنه خشي أن تكون نوبات المرض قد عاودته ونسجت له لوح الشبح في الضباب لكنه حين فكر ملياً بعض الوقت كان ارتجاف جسده قد توقف ووجد أن ليس ثمة تشابه بينهما كما لو أنه كف عن تخيل أي شيء بل لم يعد يفكر لماذا هو منجذب ومصلوب فوق الجليد مثل أي شيء جامد.. إنما راح يهمهم. كلا. ليست هي التي ظننتها منذ حين وفتل جسده المتيبس يرمق شبحها بنهم، لكنه وكمن أضاع عقله عاد يقول هي ليست امرأة مجهولة إنما هي، إنها أنا، أنا بالذات، ارتجف وظل يتأرجح بين أفكار هائجة متلاطمة داخل روحه كما لو كان يختبر قدرته إزاء شبحها الماثل قبالته حتى غدا يشعر بخور قواه. بل استشعر أن أمواج البرد بدت تجمده وتغور في عظامه وخشي من شعوره أن لا يتمكن من أن يبقى هكذا أمامها متحدياً ومعانداً مثلها.. حدث كل ذلك عندما داهمه إحساس مروع بتفوقها عليه متخيلاً أنها تترصد وجوده وأفكاره فوثب يبذل جهداً لاستعادة هدوئه خشية أن ينقاد لغضبه وآلامه. كيما يحتفظ بقدرته على مواجهتها وغدا ينظر إلى نفسه المتحدية العازمة على اللقاء لمواصلة المواجهة الغامضة حتى نهايتها، المغامرة التي لا يعلم متى تنتهي حتى تبدى له أن العالم أخذ يستحيل إلى لعبة مجنونة بين اثنين، رجل وامرأة توحدت أشباحهما في الضباب وهو لم يزل ينظر إلى شبح المرأة التي تشاطره الجنون.. الكامنة له في مخبئِها متحينة استدراجه، فألفى نفسه تطلق السؤال: ترى من منا أغوى الآخر؟ لا يدري هل هو استباح وحدتها، أم هي التي استباحت وحدته.. لعلها الآن تبحث عما دفع بالرجل إلى حشر نفسه أمامها مثلما يبحث هو عما جعلها تعترض طريقه كل يوم.. منذ بدأ الثلج بالتساقط طفقت تأخذ مكانها في زاوية الشرفة الكائنة في الطابق الأخير من عمارة مكونة من ثلاثة طوابق تقع في طرف المدينة. لم يكن غضب الرياح الباردة ولا كل جحيم الثلوج لتحول دون أن تجلس في مكانها مثلما تفعل كل مساء. إذ أنها تستطيع من هذا المكان دون سواه أن تتأمل سفوح الجبال المتلاحمة والموشومة بالثلج التي تسور نهايات المدينة التي يكفنها البياض. كل شيء مقفر وصامت عدا موسيقى الرياح الباردة حتى الكلاب السائبة اختفت من الطرقات وأماكن القمامة؛ إنه غضب الطبيعة الذي يحاصر المدينة منذ عدة أيام.. كان قلبها يخفق كلما تسللت بحذر في غفلة من عيون أمها حين ترتقي درجات السلّم لبلوغ شرفتها، كان جسدها الصغير يرتعش وأسنانها تصطك من برودة الرياح التي ترشها بالرذاذ فتنساب قطرات من الماء إلى مستوى أذنيها وهي لا تلبث بين حين وآخر أن تمسح بكمها وجهها وشعرها المبلل بالرغم من قسوة الجو. لم تكن تفكر في شيء وهي في مخبئها عدا أن تنتظر بشغف كبير لتنظر إلى شبح قامته الطويلة المترنحة من بين الضباب، تلمح عكازتيه اللتين يتأبطهما واضطراب قدميه المشتبكتين بالثلج المتسخ، إنها لا تعرف من هو، إنما هيئته ووجوده في الخلاء المترامي أخذ بلبها مذ لمحته أول مرة أحرق قلبها أتون شبح الرجل الذي يخطو فوق الجليد وهويشق طريقاً بعكازتيه بين أكوام الجليد، لخطاه المضطربة قبل أن يزرع قامته أمامها ويمد حبال بصره صوبها. فتروح تحدق فيه هي أيضاً بدهشة من بين الضباب تتآكلها الرغبة لمعرفة حكايته فلقد أنساها أمر المهمة التي آلت على نفسها إنجازها رغم مخاوفها لاقتحام تجربة الكتابة عن الطبيعة الثلجية لمدينتها الجبلية، إذ شرعت منذ اليوم الأول لهطول الثلوج بالاختباء في شرفتها ومضت تتأمل الجبال التي ارتدت معطف السماء الشاحب تسوقها رغبة عميقة في محاولة ممارسة طقوس الكتابة التي أيقظتها بروحها محاضرة أستاذة الأدب في جامعتها إذ مالبث صدى كلماتها يتردد برأسها من أن جنون الطبيعة موضوع جدير بالكتابة، عندئذ تلاشى خوفها وانبثق حماسها لخوض عملية الكتابة. واكتشفت للتو أن الشرفة هي مكانها الأمثل لمراقبة وتأمل المدى الأبيض. بدا لها كما لو أنها تراه لأول مرة وشرعت تدون بحب كل مساء بعد أوبتها إلى غرفتها الدافئة فوق صفحات بيض مااشتملت عليه ذاكرتها وما اختزنه خيالها من مشاهد وأفكار. غير أنها بعد مضي عدة أيام فزعت عندما وجدت أوراقها تمتلئ بأوصاف الرجل الذي يتجول على الثلج واصفة إياه بحمية غريبة كل ما يتعلق بشبحه ووجوده المباغت أمامها بعدما ألفت نفسها تنأى دونما وعي عن مهمتها الأولى الكتابة إذ استولى عليها الرجل وأخافها حتى خالت أول الأمر أنه لم يكن إلامن صنع خيالها المولع بممالك المجهول، الرجل الذي طرق عليها سواتر وحدتها بدا لها كما لو أنها كانت نائمة وأيقظها فراحت تبحث عن شبحه بعينين مفتوحتين على شحوب الأشياء، يتراءى لها مثل أمنية تطوف خيالها. أرعبتها الأسئلة. ماذا ستكتب عنه أنّى لها أن تتعرف على نواياه، أغرقتها الأفكار، فتارة تجد فيه مجرد رجل مجنون وأخرى يتبدى لها كأنه لغز لايمكنها الإمساك به والتعرف إليه وبين هذا وذاك كانت تكتشف بدهشة أنها متواطئة على وجوده أمامها، تتحسسه؛ تناجيه، بدت تشعر أنها الوحيدة التي تعرف لذة الشيء الذي يجعله يحتمل كل هذا الجحيم وتحت هذا الشعور طفقت تصنع للرجل ملامح من عندها من الأشياء التي تظن أنها دفعت به كي يقف أمامها تحت عصف الجليد. وكان لابد أن تكتب كل هذا في أوراقها عند أوبتها كل مساء إلى غرفتها. فلها أن تتخيل قامته وقوته وتحفظ صورته التي تلائم خيالها.. ولطالما تمنت أن ينجلي الضباب لتتأكد من حدسها في رسم ملامحه، حتى ترى تلألؤ الثلج الذي يبقع معطفه، كما أنها سترى المنحدرات، كيف تستحيل إلى شلالات نار وهي تعكس ألق الشمس. كانت تحس أنها منتشية بلعبتها تلك وبروحها المتلهفة إلى أشياء لم تدركها بعد وراء الضباب... انقضت ساعات المساء، تنفس الليل زاحفاً بخطى خفية ينثر عتمته كما ينتشر الضباب بخفة... كان قد نسي وجوده فوق الجليد وقد غابت قدماه في باطن الثلج من الصعب عليه أن يتحرك في مكانه بعد أن أمسك به تعب شديد وكبله. غير أنه بعد جهد مميت تمكن من أن يثني ركبتيه على مهل حتى استقرتا على الأرض المتجمدة ثم مالبث أن دفن يديه محتضناً الثلج وتمدد على الأرض مستسلماً لتعبه وأغفى يحلم بالمرأة.... في اليوم التالي، فرحت المرأة حيث تبدد الضباب وانجلى عن الكون إذ يسعها الآن فقط أن تتأمل الرجل بوضوح إلا أنها بهتت مندهشة لغيابه ولمحت مكانه أكمة من الثلج! حيث كان يقف.... وفي الليل إذ كانت تجلس أمام أوراقها، راحت تنظر إلى ارتجاف أصابعها الممسكة بالقلم واضطراب روحها وهي تفكر في الكلمات التي ستكتبها عن الرجل الذي استحال إلى مرتفع من الثلج.... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |