رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

التشـــــظي

وجه أزرق، بلون كثافة عمق المرآة المستبدة، ينسحب قليلاً، حيث يتململ الجسد الساكن أو المكبل في مقعده وهو يقاوم اتساعها وتغلغلها اللامحسوس على صفحة الجدار أمامه، يتبين في عتمتها مع دهشته هيئته المنعكسة والمترسبة في قاعها أكثر ابهاماً حين يغادرها ضوء النهار، إذ ذاك فقط يسمع صوت تحطم الزجاج مدوياً في أرجاء الغرفة، ليتشظى الوجه المنعكس إلى سيل من صور متأججة مع تشظي المرآة الكبيرة، وعلى مدى لحظات تراه منهمكاً بجمع واحتضان ركام الشظايا وقد احتواه اهتمام غريب، ما إن راح يعلق قطع الزجاج بين مسامير مثبتة على سطح الجدار، حتى وقع تحت هيمنة طاغية تفسر ارتعاش جسده وتعابيره الملتاعة، حينها يترك مقعده ويبيح لنفسه الدوران في باحة غرفته باحثاً عن ظله الشارد في زحمة مئات الانعكاسات ومديات الأضواء التي تبرق وتتشاطر، تحتدم وتتشابك متخيلاً نفسه في مدى برهة قد شف هو أيضاً مثل الزجاج ومضت تشع منه الأضواء والتحولات تلبث فيه وتخترقه خلال شفافية الجسد، ثم طفق يتخيل في برهة أخرى أنَّ كل قطع الزجاج المعلقة بؤر متطلعة تهمز له وتلوح بإشارات وطقوس عرف كيف يتقرى ضوءها المتقد. يحدوه أمل كيما يفهم ويعي لغتها الشيطانية المخبوءة وراء سطوحها النزقة. تلك المرايا التي تلم شتى الظواهر والأسرار والتي تستقبل وتتلقى كل مايقذف ويمس سطوحها الشرهة... هكذا كان يغيب في كنف قلق عذب دون أن تطرف عيناه لمتابعة طوابير صوره المتلاحقة بالتماعات رديئة إذ أدركها ضوء المساء الشاحب راسماً فوقها بقعاً من ظلال غائمة عبر نسيج ستار النافذة متخيلاً مشهداً أكثر فظاعة لصوره المنعكسة وهو يحاول استعادة شكل وجهه كما كان يتخيله حيث كان المساء الذي يتوالى قدومه خلال النافذة يكرر تشكيل الوجه مرة إثر مرة كي يصير وجهاً مبهماً ينقصه كل مايميز ملامحه، وجهاً أزرق بلون كثافة عمق المرايا التي غادرها ضوء المساء وهي تلفظ أضواء واهنة، انتفاضات متواترة كأنها اختلاجات كائنات حية باتت تستسلم للموت، طفقت تستمر في العتمة حركة أخرى شبحية أشبه بحلقات دخان أزرق منبجس انبثق فجأة فوق السطوح القاتمة في تشكيل متصل. وكان الجسد الغاطس في الظل أسير تحولات اللوحة المعلقة على الجدار مقتفياً أصداء أشعتها الواهنة بولع مريب إذ يتبدى له في متاهاتها اللانهائية بعد اختفاء المساء، انعكاسات لاحصر لها تتكسر على أديم لوحة معلقة في إحدى الزوايا كان قد رسمها مؤخراً لنخلة طويلة عجفاء لها وجه آدمي في قمتها دونما ملامح وتذكر ضياع ملامحه في بحر الزجاج القاتم! لكنه مالبث أن ترك مكانه فجأة متراجعاً إلى الخلف ميمماً وجهه ناحية مربع النافذة لينهمك هذه المرة في رصد الضوء الشحيح المتقطر عبر مخرمات نسيج الستارة ليتيح تدفق ضوء المساء المنسحب إلى حيث قطع المرايا إذ سرعان ماتتوالى انفجارات ضوئية باهتة تخترق الظلال القاتمة وتزيح العتمة ببريقها الخافت كاشفة عن تخطيطات وفوضى صور متنافرة وبورتريتات حائلة لوجوه أصدقاء غاب بعضهم وكل مايمكن أن يرى من لوحة مائية كبيرة لرجل تطارده مجموعة من الكلاب، فيما استسلم بصره ساهماً في بريق الشظايا كأنه يستجيب لإشاراتها الخفية وإذا ماخرج الجسد عن سكونه قليلاً بأيما حركة تجنح إلى انبعاث إشعاعات أخرى يبدو معها تلاشي الأشكال الأولى تماماً فيحدق بانعكاسها الجديد مأخوذاً كما لو أن صفوف المرايا تتطلع إليه وتترامق وإياه بغموض ومواربة وهو يصغي وينتظر، يرقب تحولاتها الدائمة كمن يرى أمامه رقصة هلامية صامتة في متاهات الزجاج بحركتها المتصلة بمديات لانهائية يحضه دفق من أمل كيما يمسك بظلال وجهه الحقيقي لحظة، لحظة تأزمه العجيبة! ناشداً اكتمال طقسه ليعوم في بحر عذوبة قاسية يستلبه حس خاص يحيل الأشياء المنظورة فوق أديم المرايا إلى مشاهد وأشكال مندثرة لم يعد يتذكر منها سوى أحبار الألوان وعلب الزيت ولطالما تصور أنه مجبول من مادتها متلهف إلى رؤية أفكاره التي يشي بها امتزاج ألوانها المتعددة وهو يعكف على إعداد صور ولوحات مع صديق له. هاهو ذا ينتشي كمن تأسره حالة انعتاق طويل لكأن اللحظات التي طالما انتظرها. باتت تنجلي ببذخ كبير فتتراءى له الأشياء من جوف المرايا وهي تكلمه تبرق وتدنو منه كأنها تشم رائحته وتجتذبه إلى ممالكها الغامضة تتلامح من فتحاتها صور متلاحقة تومض برهة ثم تنطفئ بهيئات متباينة، حدقات غاضبة، وجوه متغضنة، هادئة على نحو مخيف، وجوه ضاحكة.... وجوه دونما ملامح فوق جذوع نخيل وأخرى مذعورة إثر مطاردة كلاب، وجوه فزعة لصبايا غرقى تطلق استغاثات متصلة.. تنبجس آخر ملامحها، تغيب وتطفو في تناوب موجي ممعنة في الاقتراب إليه مثل بؤر، أو عيون خرافية يقظة، تزحف صوبه وتوشك على الخروج من سطوح الزجاج.. قد يسود الظلام فجأة، حين ينحسر الضوء عن مربع النافذة بمرور غلالة سحاب، فتغور جميع الوجوه والأشكال. تغدو أكثر غموضاً وعتمة غير أنها تتشكل على نحو آخر عند عبور مزق غيوم شفيفة خلال فتحة النافذة إذ ترتسم سحب ضوئية متحركة تتماوج فوق سطوح الشظايا الصغيرة كما يرى في عمق الغرفة تدفق خيوط من شعاع صاعد إلى حيث لوحة النخلة العجفاء، لتكشف عن أديمها الكالح ثم وهي تنزلق بلمحات لتبقع صوراً أخرى لوجوه وصور لأحواض تحتوي سائلاً أزرق، صوراً لمرايا مختلفة الحجوم والهيئات وتضيء أيضاً الخشب العتيق لصندوق ملقى في إحدى زوايا الغرفة، تشغله قناني صغيرة تحوي سوائل كثيفة ملونة، متراكمة بإهمال... وفرش مختلفة الأحجام تيبس على رؤوسها ولونها لطخ أصباغ وأحبار وإفرازات حشرات وغبار، كما يحتوي الصندوق على بضعة كتب منزوعة الأغلفة وقصاصات ورق وتخطيطات أصابها العفن والرطوبة، ولوهلة تبدى له على نحو ما اكتمال نشوته وقدرته على الاندفاع وراء رغبته حيث تمضي كفاه بحركة مجربة في تهشيم قطع الشظايا الكبيرة المعلقة على صفحة الجدار والتي تمنح نفسها بسهولة مثلما يقول... يلم أجزاءها الصغيرة ليعود مجدداً لتعليقها في مساحات أخرى فوق الجدار المزروع بالمسامير. إذ ذاك يأتلق وجهه ويداخله ارتياح غريب ينعش نفسه التواقة التي تنتظر مزيداً من التمرين على تحطيم الزجاج حينها لايرى سوى بصره المتفرس في جسوم المرايا الجديدة وهو يقتفي آثار الظلال الشاردة مرهفاً حواسه كما لو أنه يتسمع أصوات يهمس بها الزجاج الذي يختزن سحب الضوء متخيلاً في ذات نفسه أن للأضواء أصواتاً وموسيقى أيضاً مثل موسيقى المياه والأشجار والرياح إذ أنها حينما تتفجر تكون النار التي تترك صدى إيقاع متماوج ناجم عن اختلاجات المواد الذائبة تلك المرايا الشيطانية التي تختزن الإشعاعات وكتل النار كما لو أنها أنفاق أو متاهات تتحرك فيها وتتحول وتنفذ منها وتخترقها وتسكن وتختبئ خلال شفافية أجسادها المخادعة، كل الأشياء التي تمسها أو تدنو منها.... يخطر في ذهنه حيث كانوا يستبدلون أو يعيدون تشكيل إطار المرآة الكبيرة المعلقة على أحد جدران الغرفة كلما علاها الصدأ ونالتها الخدوش وهو يقعي مثل حيوان مقرور تأكله الحمى وهناك بعيداً في جوف المرآة القاتم يباغته دوماً وجه ذو ملامح غريبة إنه وجهه. ربما، إنما كانت ملامح مخالفة لما يتخيله من صورته وأمامها وقف مبهوراً محاولاً انتشال نفسه وانتزاعها من قبضة المرآة وهيمنتها وهو يرى شبح الوجه الطالع من غورها مفتشاً في عمق خياله للوصول إلى تذكرها أو التعرف إليها فربما تكون صوراً لصديق اختفت في رماد النسيان والغياب أو لعلها صورته هو بالذات، وليس من الحق أن يتراجع أمامها ويرتعب منها، لكنه بعد لحظات لبث بعناد كيما يلاحظ إلى أي مدى يكون قادراً على احتمال صورته المشكك بها وهي تنمسخ وتترسب في قعر المرآة اللعينة التي تبدت له مثل حوض كبير ممتلئ بسائل أزرق كثيف تغطس فيه الأشياء وتتشوه أشكالها وتبتعد فيمضي بمقاومة انجراره المستمر مقاومة اتساعها وألوانها المقيتة وهي ماتنفك تكرر تكوين الوجه ذاته لتمسخه مجدداً، مما دفعه إلى الاعتقاد أن في جوفها كهوفاً وأنفاقاً ومتاهات لانهائية تتحلل فيها الأشياء وتبتعد.. كأن بصره مصوباً إلى الوجه المتشكل في ظلالها القاتمة...‏

وجه أزرق أو بلون كثافة ماء الحوض، مما حدا به إلى أن يخطو باحتراس وبغفلة من عيونهم إلى تغطية وجهها البغيض بسترته وغطائه تاركاً جسده المقرور يتجمد من البرد أو يعمد إلى القيام بسكب إناء حسائه على سطحها، تخلصه من لعبة الاستفزاز والتمويه القاتلة...‏

هاهي ذي الآن صغار الشظايا، تتراقص في عمق المشهد، تتشاطر، تطلق ألوانها التي لايعرف كنهها، إنها صفوف متوالية من فتحات ضوئية تتحفز للخروج من أجسادها الزجاجية. تدنو تمعن في الاقتراب والمحاصرة لتنبثق فجأة من أغوارها دفعة واحدة. صور الأحواض والمرايا وكذلك جذوع النخيل ووجوه الفتيات الغرقى والأصدقاء القدامى وكل الأشكال والتخطيطات التي تزخر بها جدران الغرفة وأخذت تتأجج وتشغل وجوهها وتتداخل مندفعة مثل تيار كاسح لمحاصرته، فيما راحت تمسك به وتلهب في نفسه ضروب من الحقد والمازوشية بانتظار المشهد الختامي إذ قام يخطو بهدوء مخيف ويجيل بصره في قطع الزجاج الواحدة تلو الأخرى ثم ارتفعت يداه إلى سطح الجدار فتجمعت مثل كتل صغيرة متلامعة في قبضته خلال وقت يسير كل الشظايا، يشد قامته بإصرار غريب، حيث ترتفع ذراعاه إلى الأعلى، لتنضم كفاه إلى بعضهما بإطباقة شديدة ثم يصهر جميع قطع الزجاج يفركها بكل قوة، متخيلاً أنها استحالت للتو إلى حبات من دقيق، عند ذاك يفتح فمه ويرمي مجموعها إلى جوفه يبتلعها في هدوء مصغياً إلى صوت ارتطامها في داخله، ثم يرمق الجدار الخالي متلمظاً وابتسامة زهو ترفرف فوق وجهه...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244