رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تلميحات البياض

إنه البياض، البياض الزاحف كموج أو شمع مذاب محتلاً مربع صورتي الصغير. كدت ألمح أجزاء وجهي السائحة والغائرة في تراكمه اللزج. كما أستطيع أن أراه كدخان أبيض ثقيل، لايصعد، لايتبدد، لايوحي بشيء، إنما يتموج باهتاً ويلمّح ويوهم، وأنا معلق ببصري أحدس وأستشف وراءه ظلال ملامحي التي أمتصها واستباحها فتلاشت مسحة الكبرياء الباردة التي تلوح بين الغضون‏

قبل أن يخطر لي أن أثقبه أو أبعثره لأطل على التماعها الخجول أرى وجهي المتخفي وراء حيادها في هلام صورتي المفترضة كما أقتفي أثر ظل عيني الشاحب أتعقبه قبل أن ينزلق ويتوارى في غشاوة الظلال المتماهية وهي في صقيع وحدتها إذ لاشيء يوضح غضونها وماتراكم فيها. كل الألوان تفر كما الملامح ولايتبقى سوى البياض المستبد ماثلاً أمامي يترصدني بحضوره المترجرج المريب، كل الألوان حجبت والملامح ساحت وتحيدت في مساحته الملغزة. وكمن يجوس عبر طلاسم تومض وتتوارى. كان بصري مصوباً هناك في محيط صورتي سعياً للإمساك بظلال وجهي المنسحبة والمتقافزة في سراب البياض كلما أوشكت العدسة أن ترسم تضاريسه وانحناءاته الناشبة تحت غيمة البياض. إذ ذاك تبدت لي كخيوط ممتلئة بالأسى لم يكن بوسعها الانشداد والتشكل لرسم أبعاده الغائرة فوق مربع الورق المراوغ بينما أشاح المصور ببصره عني كمن يتحصن عن مكاشفتي واعتصره الندم لتراجع مقدرته الفذة بتظليلي. بغية إخفائها بعد أن التهم البياض كل شيء وصدمه التماع شظايا الملامح المتطايرة مثل حشرات مذعورة من مربع الصورة الشاخصة أمامنا. غير أنني كنت منتبهاً وأنا أتابع لعبته المضللة مفترضاً أنني أستطيع أن أقيد تلك اللحظة التي تنفرط منها الظلال وتفر ألوانها.. أوقفها وأجوس عبر جسور أجزاء وجهي قبل أن تغور. أتنفس وجودها ألمس نبضها، ثم ألاحقها إلى حيث تغيب. قلت في سري لعل المصور حاول أن ينسيني التجاويف المتغضنة في البياض أو يخفي مابين الغضون رماد الألم أو يمحو تلك الخطوط القاتمة التي تموج فوق سحنتي ولكن أيتسنى للمرء أن يرفض وجهه يتنصل منه؟! ويضحي شيئاً أبيض كما فعل المصور أو ورقة لزجة تتحشرج فيها الألوان وظلال الوجه تختنق وتتلاشى في سطحها العجيب، التقاطيع والملامح ولاتترك سوى الشحوب الشمعي المخادع. كنت أتجاوب مع غموض مايجري وأنا أحاكي تلمحيات وألعاباً وأشباح بياض، إنها آفة التخيل، ولعله خيالي يعبث بي الآن. ولكن مابال المصور. تسمر واجماً؟ هل ظلله البياض. لابد قد تأخر في إيقاف اللعبة وسرقة الانخطاف. الانخطاف الذي لايدرك أبعاده، سوى أن العدسة المحملقة بعينها السحرية القاتمة. عجزت عن وضع خطوط وجهي على البياض. أتكون العدسة هي مايتلاعب ويعبث؟ كنت أختلس إليها النظر بتوجس كلما وقفت بإزائها وهي تمور بصمت وأنا تائق إلى المراهنة على الدعاية الخطرة. كان المصور يرمقني وهو يعمل خلف جهاز كبير. ثم يتفرس في مربع الصورة مضطرباً ونظراته المتواطئة على ما خطر لي أن بمقدوري أن أخط لي وجهاً بكل الدقة والمهارة دون أن يراه على موج البياض. ليس مهماً أن يرى. سأكتفي باختزاله في خيالي، أراه، أنا فقط وسط طوابير الصور المتنافرة. كما فكرت في برهة تالية. أن مايحدث لم يكن سوى نتيجة عبث التحديق في تقاطيع وجهي، عيناي المقيمتان على عيني. مثل مرايا متقابلة تكشف كل واحدة أغوار الأخرى بصفاء عجيب وعمق يصخب فيه البياض هاهي ذي تجد مساربها من مجال خفي كما الطيور الحبيسة. أغمضت عيني، ثم أشحت عن المصور الذي كان يكتم تنفسه كأنه ينتظر أمراً خطيراً، خلت أنني الوحيد الذي يعرف كيف سيتساقط هذا البياض كشمع عتيق ويتفرغ مثل غيمة شفيفة، فينحزم الورق بفتحة للعين المعلقة بدمعتها. وفتحة للقلب الصامت وأخرى لتقاطيع وجهي.... كان لهذه الأفكار تأثير مهيج، والمصور ينتظرني ويتابعني لمكاشفتي الصامتة له ومساهمتي في تحول لعبته. لعبتنا التي كان قد قررها دونما تعمد أو انتباه... عراف أحمق، سيق إليها ولم يتوصل إلى مهزلة فهمها. كما لم يهتد إلى اللحظة التي اكتمل فيها غموضها، إلا أنني أشرت مشفقاً إعادة اللقطة كرة أخرى. ووقفنا نرقب مشهد الوجه المنعكس على مربع البياض مأخذوين بما سيمنحنا به نثار البياض السحري، لكأننا نريد أن نحرر أنفسنا من اساره العالق بنا، ونحن نرقب هبته الغامضة محدقين في عين العدسة القاتم. وفجأة دهمنا الضوء الذي شع من مربع البياض الذي بدا متلألئاً مثل ثلج صلد، وبرقت عيوننا بتحفز معقبة مسار الضوء الذي انزلق فوقه وانطفأ في عمقه، فانفرطت الملامح لحظة أوشكت على الاكتمال والتشكل عند ذلك بدا مدحوراً. متخاذلاً. إذ لم يعد بوسعه أن يمنح لعبته دفقاً صوب نافذة غريبة، ليتسنى له أن يتعلق بزمامها مجدداً، بزغ البياض، حملق فيّ منادياً وكمن ينوشه نثار ناعم، رحت أندفع منه، أتفرس فيه، أقتفي سره، وهو ماثل بحضوره الموحي غير القابل للالتقاط والتكون وأنا ألمح المصور ينسحب متحاشياً ملامستي، كما لو أنه هجس، أنني مبلل بالسر، إذ رحت أحدس في محيط الموج الأبيض. أخترقه بلا مساس. أنزلق تحته ماضياً صوب ملامحي التي طفقت بالبروز. فها هي ذي عيني التي راحت تنعقد أمامي عند إحدى زوايا المربع. عيني ذاتها التي بللها الخمر والدموع.. لكنني صحت متفجعاً، ترى أين عيني الأخرى؟ ياه لقد انطفأت منذ أعوام في الحرب، ولم أتعود على فقدانها. كما لم أنتبه إلى جفنيها المنغلقين بثقل كبير، أشار إليّ المصور. وهمس بشيء لم أفهمه. ثم تحصن بالصمت مجدداً. إلا أن البياض زحف مرة أخرى، وما يكوّن الملامح ذاب وغرق في الهلام وغدا وجهي أشبه بقناع أبيض ثقيل فألفيتني أجرب، أخط ملامح لنفسي فوق القناع الأبيض ملامح تمحو بلاهة سحنتي في المرايا. أضع خطوطاً مثلما تتمثلها حواسي ويشعها خيالي. إذ كان قد دهمني شعور للحظات أن السهوم الكئيب الذي تشي به عيني وقتامة ملامحي هي من يقف خلف تسلط البياض هذا حتى صرت أكشر في وجه العدسة بابتسامة قاحلة متوهماً خداعها. في الوقت نفسه طفقت أناملي المندفعة بتوق غريب إلى تحطيم صرح البياض المستبد، محو أثره، بتقشير جسده الشمعي المخادع بتمعن ولذة باردة نازعة جلده بأناة حتى انبثق الدمع حبيبات مشعة. ساخنة بدأت ترشحها عيني الوحيدة التي بزغت من خلف البياض المنحسر وازداد تدفق خيط الدمع مع تحرير العين من ضغط البياض المتساقط وعلى مقربة مني بقي المصور يتابعني فاغراً فمه كأنه يحلم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244