رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

إنها تقتل الطيور

لم أكن قد نمت... لم تهدأ نفسي. أخشى أن أغمض عيني في اللحظة التي تدق فيها نافذتي. أستشعر سلفاً الرعشة التي يتركها الطرق في جسدي، يرجفني الانتظار. أفتح أبواب أذني... عيناي في الظلام تتفرسان في شبح قامتها المديدة، أعلم أنها ستطرق الزجاج إلا إني أخاف أن أسمع صوت الطرق بسبب أرقي أو لشيء ما قد يحدث خلال مجيئها.. نظارتي بدت ثقيلة فوق أنفي، أتلمسها لئلا يعشى بصري في الظلام.. أمسح جبهتي خشية أن يسرقني النوم أو الدوار.. الضجة. آه. لكم طغى صوتها على صوت الطرق...‏

إلا أني أميز نقر أناملها الذي يشبه وقع خطوها القصير المتوتر، حين تحني قامتها مجتازة رواق عريشة الكروم وهي تخطر بفستانها الأبيض بين انعكاسات ضوء الغرفة الضعيف وأنا خلف النافذة على السرير في يقظة مستثارة مشدوداً إلى خيال قامتها في سكون الليل، أحصي خشخشة الثمار الجافة التي تسقطها الريح فوق البلاط وأصوات الحشرات الباحثة عن فرائسها.. شيء مامنعني من التحدث إليها ليلة أمس... أو ربما فاتني أن أفتح النافذة.. المسكينة عادت أيضاً واتكأت على حافة النافذة... وأصابعها المرتعشة مازالت ملطخة بدم محاولة انتحارها وهي ممسكة بخشب النافذة... قليل من ضوء الغرفة أنار عظمتي كتفيها الناحلين تحت ثنية ثوبها المطرز بعناية وجزء من شعرها المسرح المعقوص إلى الوراء بالدبابيس... كانت أظفارها تنقر كل حين الزجاج فيلتمع تحت الضوء الدم الداكن الذي مازالت تنزفه أناملها. وألفيتني أدور في الصباح منقباً آثار تجوالها في أواخر الليل. أرى انتشار عناقيد الكروم على البلاط وشظايا أحواض الزهور التي هشمتها قدماها المتعثرتان ولطخات الدم إثر لمسات أصابعها على الزجاج، كما احتضنت بإشفاق حقيبة يدها السوداء المحشوة بقناني الدواء التي وجدتها مع فساتين متسخة كانت قد حملتها ليلة ذهابها، وأغلقت الباب المفتوح الذي لم توصده وراءها دائماً. رأيت ريش الطيور التي قتلتها في أقفاصها خلال الليل الذي لوّن أغصان الأشجار وأعشاب الحديقة حتى إنها بعثرت أشياء حجرتها المنظمة والمعتنى بها... وكنت في أثناء وقوفها خلف النافذة ليلة أمس، أبتلع ريقي وأرتعد متمتماً يالشقاوتها، لقد جاءت وبين العتمة والنور تمسك بصري بالضوء المنعكس في عينيها الصفراوين الذاويتين وعنقها الطويل المتسخ الذي يختفي وراء شعرها وهو يقفز حول وجهها حين تنحني على حافة النافذة متلمسة عناقيد الكروم المتدلية لوقت قصير.. ثم وهي تنشب أظفارها الصغيرة في أعناق الطيور داخل الأقفاص من غير أن أستطيع نسيان كلماتها المكررة وهي تحذرني كل مرة: إن من يقتل الطيور يفقد بصره، إنها مخلوقات رقيقة وطيبة، هازة رأسها الصغيرة لمرات فيختلج ذهب عينيها بوثوق عجيب دفعني إلى تصديق كلامها.‏

نعم كنت أتابعها حين تنسحب متعثرة بأغصان الأشجار تحت الكروم التي يغمرها الظلام وقد عبثت الريح بطيات فستانها المهفهف على جسدها وتطايرت الأوراق اليابسة على رأسها الذي دعك السقيفة وبصري يلاحق خطواتها المنسحبة التي اخترقت بلاط الرواق وداست فوق أغصان الأقحوان. ثم تبينت شبحها الأبيض في أقصى الممر وهي تدفع أحواض النباتات بخطواتها المتعجلة.. لاحظتها بوضوح حين فتحت باب الخروج بانحناءة خفيفة وغابت مثل ريح هاربة إذ ذاك سارعت إلى الشرفة، تمسكت بحديدها متطلعاً إلى عتمة الطريق. لبثت برهة ثم استدرت وهبطت السلم مهرولاً إلى الصالون وأصابعي المرتجفة أدارت قرص الهاتف لمرات قبل أن يجيبني طبيب الردهة الخاصة في المصح القائم بطرف المدنية، دهش لطلبي.‏

-ماذا جرى في هذه الساعة من الليل؟‏

-دكتور. لقد عادت إلى المنزل. قبل دقائق كانت تتسكع في الحديقة وغادرت قال بعد هنيهة بهدوء:‏

-من تظنها في الحديقة؟‏

-زوجتي أيها الطبيب، ضحك ثم قال:‏

-لو تعلم يا أستاذ، إنها راقدة على سريرها منذ دخولها المصح وستلبث بضعة أسابيع أخرى قبل أن تتحسن جراء العملية الأخيرة. وتابع: لاتقلق. نوبات الاضطراب بدأت تخف وكل شيء سيكون على مايرام قريباً.‏

-ولكن أود لو تأتي غداً قبل هذا الوقت وتلقي نظرة فقط عبر النافذة.‏

أجل أيها الطبيب. إنها تقتل الطيور كل ليلة! تأتي في الوقت الذي اختارته نفسه كي تموت، صمت برهة ثم قال بصوت خافت:‏

-لا شيء.. لا شيء. بوسعك أن تنام الآن. وسمعت إغلاق سماعة الهاتف. لحظتها. قررت اللحاق بها. قطعت الرواق بحذر خشية إيقاظ أمي العجوز هتفت في سري وأنا أحث خطوي مبعداً آخر الشكوك: ها هو ذا الباب تركته مفتوحاً وراءها مثل كل مرة.. برغم أنها تسلقت السور لمرتين مؤخراً! في الطريق صفعتني برودة الليل.. بصري يجول ما بين أشجار الشوارع الصامتة، وهيئتها تراودني كل حين. فتتقيد حركتي باحتراس شديد! وتخيلتها جالسة محتمية من البرد وراء البنايات!.. الطبيب أنكر أن تكون إحدى النزيلات قد هربت من المصح، لكنني وجدت الكلب. نعم. كان يرتعش من البرد، عيناه تدوران بخوف. كأن ثمة من يطارده، كلب صغير وهزيل عيناه صفراوان حزينتان مثلها، فدهمني وعي مفاجئ بالذنب وألفيتني خائفاً عليها من البرد والجري في الظلام.. إنها ضعيفة أمام البرد، هشة.. يدها البيضاء مصفرة لفرط شحوبها وفمها الحذر مجرد خط صغير على وجهها.. سأغرق، سأغرق. تصحو صارخة مبهورة الأنفاس من نومها تتصبب عرقاً وهي تشعر أنها كانت تغرق أو تموت فجعلت تتملص من النوم وتهرب منه مواصلة التجوال في الليل بانتظار النهار حيث يتلاشى الظلام والكوابيس وأنا أحدق في عينيها الذاهلتين. البعيدتين اللتين لا تبصرانني حتى خلت أنها فقدت بصرها حقاً! فمن يصدق أن الطيور ستكون ضحيتها، بعد أن كانت تبذل كل رقتها وحنوها ورعايتها لها لقد قطعت قدماي الشوارع التي سلكناها في ما مضى، الأماكن الأكثر بعداً وبغتة تباطأ خطوي عندما خطر لذهني ورحت أهمس لنفسي كمن يفشي سراً لعلها تنتظرني في مكان ما ولكنها ربما لا تراني. أجل، إنها تقتل الطيور كل ليلة، أرى جثث مخلوقاتها الرقيقة والطيبة متناثرة كل صباح. ألم توصني كل مرة. ألم تقل، ولكن، لا فائدة، لا أريد أن أجعلها تنطق بشيء، عندما راحت أظفارها تنغرز في لحمي وتشدني بعنف صارخة أن صوتك يرعبني فأصمت مشفقاً وأنا أتطلع إلى الخطوط المبكرة على جبينها إثر التقطيب كما كنت أختلس النظر إليها وهي تجهش في البكاء طوال الليالي حين تنفرد مع حوض غسيلها تنظف فستانها كل ليلة من غير أن تفلح في إزالة بقع العصير التي لوثت ثوبها ذات مساء.. الحوض البلاستيكي الواسع ذاته الذي كانت ممددة فيه شبه ميتة ليلة انتحارها وقد مال عنقها الشاحب خارج حافته ويدها اليمنى تمسك قنينة زجاج مهشمة بأصابع مدماة بعد أن التهمت أقراصها المنومة. نعم لقد طفت في كل مكان وعدت وبصدري فوران مقلق وراحت قبضتي تطرق الباب وتنتفض. لم يجب أحد، غير أنني سمعت همس خطوات. حركة شخص ما خلف الباب يترصدني. ناديت أمي، ردد السكون صوتي، ثم عاد وقع الأقدام مجدداً. أعقبه صمت أخفضت رأسي أسفل الباب قفز قلبي وأنا ألمح كاحليها الدقيقين وذيل فستانها في الظلام. انتصبت كالمجنون، افتحي الباب. شق صوتي السكون. ردت بصوت خفيض- هل ستبدأ العراك من جديد؟!‏

-لا يا عزيزتي، أريدك أن تستريحي فقط. كنت أتحسس وجودها وأنا أحشر أذني في شق الباب، غمغمت بعد وهلة وسمعت انسحاب أقدامها إلى الداخل، لحظتها كدت أن أفقد عقلي، ناديتها، قرعت الجرس مرات، لم ألبث أن استدرت راكضاً تجاه باب المنزل الآخر، ظللت أقرع الجرس بتواصل فتح الباب فجأة، أطلت أمي مندهشة، اندفعت مهرولاً صوب غرفتي ووجدت نفسي أمامها تماماً إذ لم يكن بيننا سوى الرواق كانت تقف قرب نافذتي وعنقها يضيئه نور غرفتي ولشدة جزعي أزحتها إلى الخلف إذ حجبت عني رؤيتها وهي جامدة وعيناها مبيضتان من الدهشة. هنيهات. وصعقني اختفاؤها مجدداً.. هتفت باسمها ملء فمي. دنت أمي. تساءلت بخوف ولكن من تكلم؟ وقبل أن أنطق، تجدد الطرق على الزجاج فجأة، وثبت من مكاني متشبثاً بذراع أمي، ثم أعقب ذلك حركة خشخشة في زاوية العريش، ثمة خطوات ناعمة، حفيف ثوب تعبث به الريح واجفلني خبط أجنحة وزعيق طيور تتمزق كان ارتجاف الضوء الناحل يلامس جزءاً من شبحها الذي له شكل الضباب وهو يدرج باتجاه النافذة. همست لأمي باحتراس، ألا ترين أنها هناك إنها لا ترانا يا أمي! لقد ذبحت مخلوقاتها الطيبة.. رمقتني طويلاً بعينيين نصف مغمضتين وهزت رأسها مستسلمة.‏

بغداد- 1993.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244