|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المخــــزن غاب صوت وقع الخطى المنبعث من داخل الغرفة المجاورة، لم تند أية حركة في تلك اللحظة. مما أتاح له الانتباه لساقيه الغاطستين بين أكداس حطام المهملات وتحريك ظهره المنحني المتيبس ونقل إحدى قدميه بمشقة مكان الأخرى كيما يستقر على وضع أقل عناءً فيتفصد العرق وينتشر سيولاً من خلال فروة رأسه الأبيض وغضون وجهه المنهك وهو يدنو لاهثاً من سطح الجدار ماداً نظرات حذرة تتلمس المسام باهتياج قبل أن يقرب أذنه بانتظار أن يتناهى إلى سمعه صدى الخطوات مجدداً وهي تجري في الداخل أو تهبط السلم المفضي إلى الغرفة، كأنه يبصر أو يخيل إليه رؤية محتويات الغرفة وتحديد أماكن تحركات ساكنيها، فبوسعه فعل أي شيء يخطر له من شأنه إعانته على متابعة أية حركة أو نأمة تصدر من وراء الجدار، فما زالت تتدفق في عروقه قوة لم يحتفظ بها في فتوته وأتته لتجتاح روحه وبدنه هذا الصباح، أثر اكتشافه صوت وقع الخطى التي يتوجس عودتها في أية لحظة، حينئذ نازعته نفسه طويلاً لكنه ظفر أخيراً بأن يستشف وقع الأصابع ذاتها الذي يحفظه جيداً من أمد بعيد وهي تطأ أرضاً مبلطة بالكاشي ويتعرف إليها دون أن يظلله جدار الإسمنت. وإذا تيقن أن كل شيء قد وضح فجأة، شلّهُ الاكتشاف وشعر أنه سيفقد عقله، فطاش فكره وانحى باللوم على نفسه متسائلاً عما إذا كانت تسكن في الجوار كل هذه السنوات دون أن يفطن فانسفحت لوعة أليمة مترسبة بأعماقه لأكثر من ثلاثين عاماً ودونما تفكير أو حاجة بانتظار المزيد، اندفع بيديه ورجليه فوق أكداس المهملات، اقترب ذهلاً مرتعشاً لصق الجدار وملامحه وعيناه تترقبان شيئاً لم يصدقه بعد، كان يرتجف على نحو متتابع محاولاً شد جسمه وعدم الإتيان بأية حركة لكأنه أمسك بشيء لا يريد أن يفلت منه. حين خالها تناديه ساعة أدرك حقيقة وجودها قريبة منه على هذا النحو فمد كفيه ولامس الجدار برفق مقوساً ظهره متجمعاً على نفسه ضاماً ذراعيه حول صدره وبصره يسيح في عتمة الفسحة الضيقة للمخزن المليء بمتروكات مبعثرة ومختلطة ببعضها البعض، ألواح خشب متآكل، حطام طابوق قديم، صفائح حديد نخرها الصدأ والعفونة فضلاً عن أعشاش العناكب وبراز الفئران والحشرات عدا كوة صغيرة تعتلي الجدار الأيمن على مقربة من السقف ينفلت منها ضوء لوقت قصير، ما يلبث أن يتبدد مختنقاً بالظلمة والغبار، فبدا الرجل كحيوان مقرور وهو لائذ في الزاوية مرتجف الأوصال توشك ساقاه أن تتهاويا من فرط توتر جسده، لطول ما مكث وسط فوضى المهملات، إلا أنه بالرغم من هذا كله ما عاد يفكر في أي شيء. كان مطمئناً حد الأمان، مغلقاً أفكاره ومشاعره ومرهفاً كل إحساسه كي يتشرب بمهل الصوت المنبعث من الداخل، لكأن جدار الاسمنت أخذ يستحيل في عينيه وسمعه إلى جدار من الزجاج مثيراً كوامن مخيلته الهرمة، مستذكراً شرائح من حياته الماضية معها في الوقت نفسه الذي كان يرقب متلمساً مشيتها حين تدنو وتبتعد من الجدار ويتنفس رائحتها فيروح يخط في العتمة ظلال جسدها الضامر وإذا انكتم الصدى بغته يضيق بالصمت، فيود لو يخترق الجدار، يثور ويخبط الحائط بكفيه على نحو مفاجئ لحظات ثم يعاوده الهدوء فيباعد جسده قليلاً مركزاً سمعه مجدداً دون أن يكف عن التفكير عما إذا كانت تتذكره بعد أن تراكمت السنوات فوق السنوات وتقدم به العمر حتى شاخ وأصابه العجز والمرض. *** لكنه في الوقت الذي كان يحتدم فيه كل شيء، انتبه فجأة لنسيج الظلمة المطبق حوله، وزوال النهار بهذه السرعة وتذكر لأول مرة أنه نسي تماماً أن دخوله المخزن لم يكن غرضه منه سوى البحث عن قفص الحديقة الذي لم يعثر عليه في كل أنحاء المنزل، فهاله تصرفه، وخشي على سره من الافتضاح، خائفاً من مواجهة ما سيقوله عنه الآخرون فانطلق مهتاجاً إلى الداخل متلمساً طريقه باضطراب بالغ وهو يهبط السلم عبر المجاز وعرج إلى غرفته، دار فيها كمن أضاع شيئاً. ما لبث أن قادته قدماه إلى الصالة وتهالك فوق أحد المقاعد وقد غطت وجهه صفرة شديدة تحت سيول العرق والغبار، عقد ما بين حاجبيه الأشيبين محملقاً بسكون عجيب إلى الجدران والزوايا إذ كانت كل حواسه تعمل وتتحرك لاستعادة أدق التفاصيل الراسية في رحم ماضيه البعيد معها. *** كان غارقاً في وحدة أفكاره، دون أن يتنبه لوجود زوجته وابنته اللتين تسمرتا أمامه وقد جمدتهما الدهشة إذ كانت زوجته محملقة فيه، ساعية إلى استكناه ما ألم به، متملية إياه وبدا الرعب واضحاً في عينيها المفتوحتين عجباً، وهي لاتريد أن تصدق أن العجوز حبس نفسه طوال النهار في مثل هذا المكان الخانق الطافح بالرطوبة (العطنة) بل تضاعفت حيرتها إذ جذب نظرها شروده الغريب وانقلاب سحنته، ساعية لتفهم حالته، ولأجل أي شيء ارتضى لنفسه تحمل جو المخزن كل هذا الوقت فضلاً عن أنها لا تتذكر أنه سعى إليه يوماً، ومع أنه فاتها الانتباه إلى صعوده واختبائه في الجحر المظلم. إذ حسبت أنه منزوٍ في غرفته كما اعتاد كل يوم، إنما خطر بذهنها سؤاله لها في الصباح عن مقص تشذيب شجيرات الحديقة. لكن مع مرور الوقت ألفت نفسها متحيرة في ما ينبغي أن تفعل بالرغم من أنها لم تكف لحظة عن دأبها وانهماكها لمعرفة ما أصاب العجوز إلا أن غرابته لجمت ذهنها وبات عسيراً عليها التفكير بوضوح فليس لها وهي زوجته وتعرف كل التفاصيل عنه أن تدنو منه أكثر وتنظر إلى تغضنات وجهه المعبأة بالشرود ونظراته التي لن تترك لمن يراه رغبة التحدث إليه.. ومع هذا كله غمزت ابنتها ذات العشرين عاماً أن تحدثه، لكن العجوز وبذات اللحظة رفع يده مشيراً إليها أن تلزم الصمت، وافترشت ملامحه ابتسامة باهتة كما لو أنه هزئ من سذاجتها بعد أن أدرك ما ترميان له. وبالصمت العجيب المشدود نهض واستدار كشبح دون أن يفوه بكلمة متوجهاً إلى غرفته ولم تمض دقائق حتى اندفعت في أثره وركزت عينيها عند شق الباب الموارب إلى الرجل لم تسمع الكلمات الهامسة التي كان يبوح بها بجرس حزين، إنما لمحت ظلال الوجه المحتقن مغسولاً بفيض من الدموع ويده المرتعشة ترتفع بقدح الخمرة في تتابع إلى فمه. *** في الصباح الباكر أفاقت الزوجة مجفلة، وخزها صوت صرير باب المخزن الثقيل وارتاعت كمن يأخذه خوف مباغت، فأيقظت ابنتها مناشدة إياها أن تفعل شيئاً مطلقة غمغمة دونما وعي، أيها السيد ماذا تصنع بنفسك وهرعت من فورها بخطى متعثرة وهي تتكئ على ذراع ابنتها في ارتقاء السلم.. أفلتت صرخة مختنقة حينما أوشكت أن تقتحم باب المخزن وألفت نفسها تتراجع فزعة تلتقط أنفاسها بذهول وتتبادل نظرات حائرة مع ابنتها وهي محملقة في الرجل الغائص في الزاوية المحكمة وقد أغمض عينيه الصغيرتين بنشوة وسكون كما لو أنه تمثال من الشمع. فلم يبد عليه أنه يلقي بالاً او تخالجه خشية من وجودهما إذ تطيلان النظر إليه، كان لا يفعل شيئاً سوى التحديق بخشوع عجيب في الحائط كأنه يروم احتضانه. فيزداد أثر الفزع في عيونهما وهما تتوقعان أن تريا شيئاً أو تسمعا شيئاً مما يراه ويسمعه وخمنت الزوجة أن العجوز لا بد أن أصابته لوثة حين وضح لها أنه لا يبدو عليه أنه يراهما. إذ كان محدقاً في شيء يتجاوزهما حتى مضت تتلفت إلى الوراء لترى إن كان هناك ما ينظر إليه ويتملاه. والحق لقد باتت تستبد بها مشاعر الشفقة أكثر من أي إحساس آخر لحمل العجوز للتخفيف عن نفسه إذ كانت لا ترى فيه سوى رجل ضائع ومسحوق، مقوس الظهر، بوجه خرب موبوء بالغضون والاحتقان، فتزداد حيرتها وتعود تفكر في احتمالات الأمر مبادرة نفسها بأسئلة مريبة، غير أنّ السؤال الذي كان أشد غموضاً وملأ عقلها كله ترى ما الذي يتسمعه من وراء الجدار هي لم تفهم ما يعنيه ذلك، هل تراه يلاحق أحداً ما في الجوار؟ أطرقت برهة بعدها تبدى لها على نحو ما عقم تصورها. فنفت هذا الخاطر، وبلحظة أخرى غدا كل شيء مشوشاً أمامها، وشعرت بالعجز من اختراق هذا اللغز الذي أخذ يطوقها ويحجب الهواء عن رئتيها في الوقت الذي ترتسم أمامها معالم حياتهما المشتركة الطويلة برمتها التي لم تفقد من دفئها وطراوتها يوماً على مدى الأعوام كلها فلقد عرفت فيه رجلاً مستقيماً كالبندول ومتوازناً إلى أبعد حدود التوازن وليس ثمة أي فضول قادر أن يحركه نحو أشياء هي خارج مجال ما جرى بحكم الاعتياد. *** لكن ابنته فزعت إلى نفسها مفكرة عما إذا كان عليها أن تصدق ما جاء في الأوراق الصفر، حين وجدت أنها مطالبة على نحو ما بتفسير دقيق لحال أبيها الراهن، إذ ذاك طفر في خيالها حادث عثورها على المحفظة الجلدية العتيقة قبل عدة أعوام والتي ضمت في جوفها العطن رسائل باليه تخاطب امرأة عندما طلب منها إعانته في البحث عن أحد الكتب بين الأكداس التي تستند إلى بعضها بزحام وفوضى. إذ تمكنت وقتئذ من قراءتها أثناء غيبته وحسبت أنها أماطت اللثام عن جانب من حياة الأب، نتف تحكي قصة حب، وقتها تكتمت ولم تشأ إخبار أحد، بل انتابها إحساس لأن تعنف نفسها لتطفلها على شؤونه الخاصة، ومع مرور الوقت كادت أن تنسى إذ تصورت أنها لم تكن سوى صور دارسة لشباب الأب الذاهب، لا سيما أنها موقعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً إلا أنها وهي تنظر إليه بدا ينزلق من قدميه نحو قعر هاوية مرعبة. لكأنها أفاقت فجأة، إذ طفا واحتل رأسها إحساس يشير إلى أن القصة برمتها تكمن وراء تلك الأوراق البالية، في الوقت نفسه الذي كانت الأم قد اتخذت قرارها حيث وجدت أن حالته بلغت حداً لا يمكن السكوت عليه وباتت تشعر أنها لا تطيق احتماله، كما أنها لا تطيق تدثرها بالصمت وابتلاع المأساة فليس أمامها سوى مصارحة أقاربها. *** في المساء، كان ثمة رجلان وامرأة إلى جانب الزوجة، تزاحمت رؤوسهم أمام عتبة باب المخزن يجيلون أبصارهم بحذر وفضول في العتمة، كما لو أنهم يتأملون وحشاً داخل حفرة. للحظات جفلت العيون وشملتها الحيرة. ثم حملق بعضها بالبعض الآخر في ذهول، وندت صرخة تسأل بدهشة، أين اختفى الرجل؟! ودونما كلمة هرعوا لتفتيش أنحاء المنزل، بحثوا في الغرفة والزوايا فلم يجدوا له من أثر، مر وقت غير قليل قبل أن يستسلم الجميع لحقيقة غياب العجوز المفاجئ! بعد ذلك شرعوا يتداولون قراءة أوراق صفر مؤرخة قبل أكثر من ثلاثين عاماً، كانت قد حملتها إليهم ابنته فتوسعت العيون مندهشة وقبل أن يبرحوا المكان همس أحدهم للآخر لعل العجوز كان على حق. بغداد 1987 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |