رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

اللوحـــــة

نهض شاب نحيل في الصباح، فتح نافذة الغرفة التي تقع في الطابق العلوي من البيت والمطلة على صف البيوت في الجانب الآخر من الشارع.‏

مدد ساقيه مسترخياً فوق الأريكة الكالحة التي بلون السقف أو الجدران والموجودة تحت النافذة ودفع رأسه من مسندها وتركه يتأرجح وقد أحس بخدر لذيذ يتنمل بكل أطرافه، بينما انزلقت يده المينى وطوحت بالهواء وراحت تعيث بأرض الغرفة الرطبة التي بلا شمس أو هواء وما لبث أن سحب قدميه كما لوان هاتفاً ما أيقظه وثنى ركبتيه ثم حنى ظهره وتكور كالقنفذ على الأريكة مسنداً حنكه فوق راحة يده المبسوطة على قاعدة النافذة وبهدوء وحركة متمهلة وحذرة اشرأب عنقه عبر النافذة ناحية البيت المهجور في الجهة المقابلة تماماً وراح نظره يستدير ليحط عند النافذة المهشمة قبالته حيث تتراءى له أطياف الرجل القابع داخل حجرة صغيرة معتمة، هو إلى الآن لا يفهم من يقول إنه مات في فجر ليلة قيظ خانقة كدرة. ومع أنه بكاه بشده، بكاه أياماً. كان يبكي عليه وعلى نفسه وود لو مات معه، وبقي مدة يفكر في الأيام القادمة التي لن يراه فيها جالساً خلف النافذة يرمقه ويبتسم له بحب. لكنه رغم كل هذا لم يصدق. فها هو لم ير شيئاً سوى وجه الرجل. بتعبيره الصارم. وقسماته الشامخة التي تترشح حزناً قديماً يمنحها توهجاً مكابراً يبدو معها رجلاً عركته حياة قاسية تركت ندوبها عليه دون أن تنال منه. وتلك الجدران الكامدة التي اسود بياضها والتي علق بأحدها صورة لطفلة تبتسم هي ابنته الوحيدة التي أخذتها زوجته المهاجرة معها قبل أعوام والتي بقعتها فضلات العصافير المعشعشة والمعربدة عند السقف بين أعمدة عروق الشجر ويطن في سمعه أيضاً جرس صوته وهو يهذر قرب تلك الصورة أجل هو لا يذكر حتى الزمن الذي بدأ فيه ينصت إلى الرجل خافق القلب، ويمضي كل الوقت في الصباحات والمساءات وحتى الليل يقضي سحابة يومه بتمامها حيث يكون مشدوداً إلى مربع الشباك وعيناه لا تحيدان عنه وهو يتأمله بعاطفة غريبة ساخنة، ولم يعد يستسلم لاغراء عد الساعات والتخلص من براثن الصمت والاختناق من دوامة الكتب والخمرة. بل بدأ يملؤه إحساس عميق بأنه يحتاج إلى الرجل كل يوم بل كل ساعة وإلى تأمل كل ما يكتنف الرجل في إيماءاته وكلماته وحركات يديه وهذره، وعمد إلى التوصل إلى كشف ما يشده إليه فأمست النهارات والساعات لحظة أو أكثر لا يدري. لقد فقد معنى إدراك الزمن. وهو يتابعه بروح منطلقة لا تعرف الكلل حتى أضحت تلك الساعات وحدها القادرة على أن تنتشله من وحدته الدائمة وتقوده بعيداً عن همومه الحجرية الجاثمة فوق روحه القلقة، وبات يملؤه إحساس دفعه إلى أن يقرر في نفسه بحزم لمعرفة ما يكتنف تلك المعالم القوية لوجه الرجل المكتظة بالغموض. الذي ينم أحياناً عن بسالة روح قوية، وللإمساك بذاك السحر الذي استطاع أن يستفز وحدته وحزنه الذي صيره كالممسوس يطارد الرجل في كل الأوقات ويفتش عما جعله يرجئ مشاريعه وأحلامه وانكساراته، فمضى يبحث ويجاهد كي يستجلي تلك الرغبة، ويحتار فهمه لغرابة هذا العشق فهو لا يذكر مثلاً أنه غادر غرفته طيلة هذه السنوات الأخيرة، حتى لو امتدت أحلامه فلن تتجاوز مساحة النافذة المقابلة وهو يجد نفسه يتهيأ كل يوم مستبشراً مع أول النهار ليطل برأسه ويصلب عينيه متابعاً إياه بطقوس مريبة كان في بعض الأحيان يكتشف أنه غارق في ذروة الأسى وهو محدق في النافذة أو تلذعه ملوحة دموعه المتحدرة إلى زاوية فمه حين يكون الرجل يبكي بذاك النشيج هو أيضاً بعد حين، وتارة يومئ برأسه صامتاً ليعبّر بالرد حيال غمغمات الرجل وهذياناته وتمتد يده مرات إلى علبة سجائره ليشعل سيجارة وأخرى إلى الرجل الذي يمتصها بشراهة ويرمق الشاب بامتنان كان الشاب يفعل كل ذلك بانطلاق مرح ويجد نفسه متضامناً إلى أقصى حد مع عزلته وطقوسه تلك، فها هي رؤيا الرجل تستلبه تتدفق في عروقه وها هو جسده يهتز وينبض ويتهدج مع نبضات وسكنات جسد الرجل، ومع كل ذلك أضحت له قدرة على أن يبصره في داخل غرفته ويسمع حديثه الواهن الهاذر مع نفسه. كان الشاب يحدث نفسه دائماً.. لماذا لا أفكر فيه ونحن نعيش معاً، قد تكون بضع خطوات تفصل بيننا إلا أنه يرعاني كل هذه السنوات رجل طيب أدرك وحدتي منذ موت أمي قبل أعوام، هو الذي هجرته زوجته فأورثته الجنون والوحشة وبقي في غرفته وحيداً مثلي يزدرد الشقاء والألم. ها هو يسهر معي إلى أن يدخل النهار من النافذة ويحدثني عن أشياء كثيرة. كنت أستمع إليه ذاهلاً عندما أراه وقد تحول إلى مخلوق عجيب يعايش الأحداث والأزمنة ويمزج بينها ببراعة. يتحدث عن كل شيء بلباقة عذبة. عن أيامه الماضية ولوعته وأنا أعبر معه السنوات في مدارج حياته باندفاع عنيف. كنت معه وهو يحدثني عن ابنته الصغيرة التي أخذتها زوجته المهاجرة معها والتي يحبها كثيراً ورأيته كيف يحتفظ بشيء من التذكارات لابنته، بعض أثوابها، حقيبتها المدرسية، شرائط ملونة وأقراط نجمية وسوى ذلك من الأشياء التي يعني بها كأنها تعويذات أو تمائم عن عرس العصافير وضجتها في غرفته. كان يحبها مثل ابنته وكنت من جانبي أعطيه السكاكر وكل ما يحتاجه، بل جعلته يشاركني في كل شيء وخططت صور ابنته في دفتري وعلى الألواح وكنت أرقب نضارة وجهه حين يشرق في الليل عندما يهجع الناس في بيوتهم وتنعدم الحركة وتتلاشى ويتحول إلى إنسان آخر يفيض بهجة، كنا نقوم برحلة وهو يقودني على مدى ساعات الليل في مواضيع شتى. فهو لم يضف شيئاً جديداً عندما أفضى لي بأنه عمل محامياً مدة من الزمن. لقد حدست هذا في براعة إلقائه وعذوبته كما لو أنه يتلو قصيدة، كنت أتجول معه لتلمس الماضي الزمن الحي الذي ينبض بين شفتيه ثم لا يلبث أن يربت على كتفي مثل أب. وبوجه منتعش بالانتشاء يشير بيده بينما تتوقف حدقتاه على مدى دقائق عند بعض اللوحات التي تزين جدران غرفتي، لم يقل شيئاً لكنه يقف برهة صامتاً ويأخذ يدي في يديه وينظر إلى وجهي مستغرباً متفرساً ثم تعلو وجهه ابتسامة وهو يشد على كفي بحب. كنت أرقبه وهو يخرج بعض المرات من بين الظلمة ويبدو من فراغ الشباك وبيده فانوس يرفعه عالياً ورأسه منتصب قرب صورة ابنته وعيناه الحزينتان ضائعتان في ثنايا الصورة المغبرة ثم لا يلبث أن يرسل صوته بأغان قديمة تستمد حزنها من المرارة والألم المدهش في صوته وهو يزدرد دموعه. كان يشجيني ويغويني على الغناء معه وأنا أحدق بيده المصلوبة قرب الجدار تحمل الفانوس الذي يزفر بضوء خافت فوق الصورة وأتأمل نظراته المشرقة بضوء أخّاذ غريب لأكتشف فيه عاشقاً حقيقياً وأنا أرى تحولات الوجه الذي امتلأ بأشياء كثيرة من رغبة وشوق وقوة وشجن.. كان صوته كما لو أنه ينبثق من داخلي. من أعماق قلبي وأمضي مسحوراً باندفاع عنيف لأتجول معه في سرداب حياة مخبولة. كنت معه كمن يسرق لقاءات حب ونحن نبتكر بهجة خاصة بنا. نصنع سرنا معاً. وأتطلع في الوجه الذي يكتظ بحب عجيب وهو يحتضن الصورة لحين ثم لا ألبث حتى أصحو من غيبة وأجدني أقول هذا الرجل طائر تاه من السرب ظل يبكي وحدته وأعود لتذكر زوجته التي كانت تتشاجر معه كل يوم وترميه بالجنون ثم غيظه منها وهو يرمي رأسه بين ركبتيه ويغرس نظراته في الأرض. لذا لم يعد هناك ما يمكن أن يمنعه من متابعته سوى رغبة تتملكه أحياناً وتحيق به فيشتعل حماساً وهو يتخيل الرجل بإهابه الأسود وصوته الثابت يرافع في إحدى قاعات المحاكم شامخاً بقسماته القوية وحاجبيه المقرونين فوق حدقتين تنمان عن سماحة التأمل والوقار فيجد نفسه أمام ألواح الخشب وأواني الزيت ويمضي منتشياً بخط ملامح الرجل في تحولاته المختلفة ويقف طويلاً حائراً بإزاء ضوء العينين الصقريتين المشرقتين بلمعان غريب لا يفقه كنهه فتبهجه رحلة الكشف مع تجوال فرشاته وهي تخط كذلك مجاميع العصافير الصاخبة أو صورة ابنته الملصقة على الحائط كما يدخل ضمن إطار اللوحة أحياناً بضعة صبية تلوح رؤوسهم مشرعة من خلف جدار سطح المنزل المجاور لبيت الرجل والمطلة على الباحة وهم يمرحون ويرمون الحجارة ويختفون. ويمضي الشاب سادراً دون أن يفيق إلا على صوت الرجل الذي سرعان ما ينتشله ويعيده إلى النافذة من جديد وهو يبتسم حين يلمح صورة ابنته في إحدى اللوحات. في ذات مساء كان الشاب كعادته قرب النافذة يمعن النظر ويتمثل الرجل وسط العتمة وقد لمح عيني الرجل تنطقان بشيء لم يألفه من قبل. بدتا كما لو أنهما عينا قط هرم. أجل كانتا مضيئتين وسط فضاء الغرفة المظلم. دهش الشاب وأخذ يحس أن العينين بدأتا تخترقانه، عينان من نار فيرتبك وتمتلئ عروقه بدم ساخن فيتصاعد النداء ويجد نفسه يخطف الفرشاة يمدها بخشية على اللوحة وقلبه يخفق. كان يرى الرجل وقد خفض عينيه وأسبل أجفانه المخضلة بالدموع وهو يرميه بنظرة تفيض مزيجاً من حنان ومكابرة. ارتبك وأحس بخوف من التراجع أمام الوجه الذي امتلكه حضوره في تلك اللحظة. لم يكن يصدق إنه يبكي. كان يبتسم فوق عيون مشرقة بالدمع. وهمس الشاب في نفسه يا إلهي كم من العذاب يختزن هذا الرجل في تلك العينين وظل يسأله عن سر تلك الروعة وهو الذي يحفظ تاريخ جنون الرجل في عروقه وتخطيطاته. لم يره بمثل هذا من قبل.. وفجأة قطعت حيرته أصوات مجلجلة بضحك صاخب. فاحتدمت نظراته مأخوذة بوجوه الصبية الخارجة من خلف جدار سطح المنزل المجاور لبيت الرجل وحدق بها منذهلاً وهي ترنو إليه والابتسامة واضحة على شفاههم وهم يتطلعون بفضول مريب. فالتفت مندهشاً وتذكر أنه عار تماماً، وغيبه الظلام عندما جرى ليرتدي ثوبه... عاد الصبية في اليوم التالي كعادتهم يتطلعون بمرح إلى مشهد الوجه الجامد الطالع من خلف النافذة في الطابق العلوي للشاب المحدق في النافذة المهجورة قبالته كل النهار. وبغتة غاضت أبصارهم عندما لاحظوا نشازاً في إطار النافذة ودارت العيون إلى بعضها متسائلة بقلق وهي ترنو إلى النافذة التي كانت خالية من الوجه المتجمد في وسطها وفاض الألم في نفوس الصبية وهي تحس أنها فقدت شيئاً ألفته كل يوم.. ساد صمت ملغوم بالتوتر ما لبث أن كسره صوت واهن لأحدهم قائلاً أنه إلى الآن يظن أن الوجه تمثال. وليس لإنسان ابتسم بعضهم ورد آخر أنه كان يراه يومئ ويحدّث النافذة المهجورة دون أن يسمعنا ونحن نناديه من فوق السطح ثم صوت أحدهم مقاطعاً الآخرين ومشيراً إليهم بالإصغاء ومضى يقول أنه سمع نسوة المحلة هذا الصباح يتحدثن عن رجل جاء في الليلة الفائتة إلى منزل الشاب ويقال أخوه وأخذه بمعيته رغم صراخ الشاب وسط دهشة بعض الناس الذين أفاقوا في منتصف الليل وغادر مسرعاً بسيارته.. زادت جلبة الصبية واستغرابهم اختلطت الأصوات ومضت تثرثر بعض الوقت قبل أن تتفرق وقد أدرك كل منهم أنه لن يلتقي رفاقه فوق سطح البيت بعد الآن.‏

بغداد 1986‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244