رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المواجهة ثانية

لا مفر، ها هو ظلك المنفرش أمامك. يتطلع إليك متوعداً، وهو يتموج حولك بإهابه الأسود، يرتمي أمامك، ويتراجع مع حركتك محوطّاً إياك. إنه غريمك هو أيضاً! بت تتوجس منه ولا تستطيع منع نفسك عن مراقبته طوال الوقت إلى ما قبل هزيع الليل الأخير، حين تغادر الغرفة، إذ تغدو مهمتك بعدها أشد إيلاماً عندما لا يكون أمامك سوى أن تذعن للصوت الذي لا تقوى على التخلص منه، ولا على احتماله، متلقياً إياه بما تبقى من الليل حتى ولوج الصباح.. تفكر في الماضي. كان ظلها إلى جانبك وصوتها غير هذا الصوت الذي ستشرع إذنيك لسماعه بعد قليل، تقول متى اختفى كل ذلك، لا تدري بالضبط. تتمتم في أعماقك بصمت موجع. وما الجدوى فها هو ظلها ظلاماً كثيفاً يملأ كل الجدران وأروقة البيت، يتراقص أمامك كالشبح. وينتزع كل جذور الأمان من قلبك.. تدفع جسدك المقرفص على السرير قليلاً. إذ تلقي نظرة خاطفة على ساعة الجدار التي يقترب عقربها من الرابعة صباحاً ثم تحول جفنيك المثقلين بالخدر في محيا ابنك الشاحب النائم إلى جانبك. تتملاه بعمق خلال الضوء الخافت فيتجمد دمك إذ تلم بك فكرة غامضة مفادها خوفك أن يكون الصغير قد أدرك سر اللعبة التي انزلقت إلي ميدانها منذ بضع ليالٍ، مثيراً برأسك تساؤلات لا حد لها، كلما حاولت أن تفسر ما وراء اختفاء ذاك الرواء الجميل من بين ملامح الصبي.. إنه مريض لقد نتأت عظامه، أتراه يفتش هو أيضاً كي يفهم ماذا يدور حوله؟ أم يكون قد أدرك فحوى الأمر وراح يتربص بك، ويكمل شد الفخ من طرف خفي، وإلا ما معنى ازدياد نظراته غرابة ونفوراً هذه الأيام؟ ألعله اكتشف الصوت ومضى يلعب معك لعبة التخفي والتظاهر بالنوم لرصد حركتك.. كل شيء جائز.. فضلاً عن أنك تخشى كثيراً مقدار تعلق ابنك الخطير بأمه. كما لو أنهما عالم مستقل عنك. ظللت ترتاب فيه وتتوجس منه وإذ تستجيب لصواب ما هتفت به أفكارك، تعود تحدق بثبات مرة أخرى في وجهه الصغير، ودونما وعي تروح أصابعك تلامس جبهته ثم تسحب غطاءك وتضعه فوقه. ولما تتأكد من أنه نائم بهدوء عميق تنهض متوفزاً. تنسل ببطء من فراشك. ثم تجري على أطراف أصابعك بحذر مجتازاً الفسحة الصغيرة الفاصلة بين الغرفتين. لتغيب في غور ظلام الغرفة الأخرى.. ليس ثمة حاجة لفتح الضياء. تجنباً لكل ما من شأنه أن يوقظ الصغير. لقد عرفت قدماك أين تسير. مواضع الأشياء باتت معلومة لديك. ها أنت ذا تحتل مكانك دونما عناء على الكرسي أمام طاولة واسعة. وإذا يعتاد بصرك الظلام وتتبين بعض ملامح الأشياء. تلقي نظرة متفحصة على النافذة الكائنة في جوف الجدار الفاصل بين الغرفتين ويتسرب عبرها خيط من ضوء شحيح قادم من غرفة النوم. ستنظر هناك متطاولاً إلى أسفل النافذة من الناحية الأخرى تحسباً من أن يكون الصغير قد كمن لك تحتها لمراقبتك! عندئذ تتسلل أصابعك بهدوء لتسحب شريط الكاسيت من درج الطاولة وتجثم كفك فوق آلة التسجيل ثم تميل رأسك منصتاً. تتفرس في الظلام لبعض الوقت قبل أن تضغط الشريط في فم المسجل لتأتي الكلمات مرتعشة لأول وهلة فتقفز يدك فوق مؤشر الصوت منظماً إياه لتروح تنصت بكليتك إثر تدفق صوت عميق ناعم النبرات بعد برهة، معلناً ابتداء رحلتك الليليلة، كما هو شأنك مؤخراً مواصلاً تفصيلاتها بدقة. فتشخص عيناك ويقشعر بدنك وأنت تحتضن رأسك بين يديك بالقرب من آلة التسجيل، ها إنني سأترك لك لك شيء، لأمنحك الحرية التي طالما نشدتها في غيابي رغم أنني أعرف أن كل المسائل التي ترتادها ستفضي بك إلى الارتطام بالجدار! وتفيق مذعوراً. لتقول أهذا هو الحلم، إذ سيكون عذابك مضاعفاً وأبدياً.. صحيح أنني كنت رافضة، أدرك ما وراء إرضاء نزواتك الغريبة تلك، أجل، لقد انتزعت كل شيء، غير أنك كنت لا تقوى مطلقاً على أن تنتزع أبسط أوهامك التي تنسجها أفكارك السود المهيمنة فضلاً عن أنك تمضي جل وقتك محدقاً في بطون الكتب.. أنت لا تدري ستضحك حتماً حين أقول إنني أعرف كل ما يحتويه رأسك، كما تعودت أن أقرأ أفكارك بفطرتي وسذاجتي التي تعرفها، لقد أدمنت مع مضي الأيام على أحوالك ومشاريعك التي أضحك منها في سري.. أعرف أنك تبتسم الآن ساخراً فأنا ما زلت كما تزعم غبية. لا تحسن أي شيء وما عادت تليق زوجة لكاتب! ترتجف أعماقك. إذ يحملك صوت المسجل ويفضي بك صوب دهاليز غامضة أخذت ترى وتتمثل فيها صورتك ذاتها، متحدياً أفكارك ومشاعرك ومؤنباً إياك شيئاً فشيئاً بمعقولية عجيبة ومع تقدم الليل يتجسم الصوت. تتغير نبرته إذ تشوبه قوة وبرود ويخالطه من حين لآخر أنين غريب، فيصبح وقعه أشد ألماً على نفسك! وهو ما ينفك يوغل في كشف تفاصيلك! نبش تأريخك يسيطر عليك بهيمنة غريبة تشعر فيها كمن يسقط في هاوية ويتمرغ في وحل الفشل والفضيحة.. فتتجمد عيناك من هول المباغتة وتجد قبضتك المشدودة بانفعال بالغ عاجزة عن إغلاق الصوت! وأنت مذعن تستمرئ المزيد، كاتماً أنفاسك على مضض، كما لو أنك بدأت تفيق من سبات طويل! وأنت ترى أنك تتخاذل دونما حول أو قوة أمام عدو خطير راح ينزع جلدك ببرود.‏

ويصدعك من الداخل، فينطلق صوتك أبكم، ماذا حصل؟! كيف استطاعت أن تعرف تلك الأشياء التي حرصت على الاحتفاظ بها.. وهذه اليست أسراري التي تكشف عنها الآن.. غير أن ما يعظم آلامك هو عجزك عن تخيل الأمر حقيقة شأن من لا يصدق ما يجري حوله. تفكر لوقت طويل دون الوصول إلى حالة من الخلاص، تقلب الأمر بكل الأشكال لكنك لا تفلح في التخلص من الإحساس بالمطاردة.. عندئذ تجد الاّ مفر من مواجهة الأمر حقيقة. كما هو ماثل أمامك وتتناهبك افتراضات شتى، ترى، ألم تكن زوجتك ميتة؟!.. وتستدعي بخاطرك يوم جاء من يخبرك بوفاتها منذ أكثر من عام، حيث كنت تعيش بعيداً عنها. تلقيت الخبر بهدوء. لم تأسف قط. إنما أخجلك شعور غامض بالاغتباط، أجل، لقد، انتهت أسطورة الزوجة وفي أعماقك ربما قلت، هل غابت حقاً ملامحها الجهمة ووجهها العنيد و...‏

سأستعيد حياتي وانشئها كما أريد. تجولت في ذلك المساء دونما هدى ثم ابتعت زجاجة خمر، ارتشفت كؤوسها بمناسبة تهديم عالم قديم ووضع خرائط لعالم قادم، طالما حلمت به، وأنت تبتسم للأحلام التي ستحققها مستقبلاً، بعد أن انسحب زمنها من حياتك دون عودة.‏

إذ لم يكن يجمع بينكما يوماً أي هم. طوال حياتكما كما أعلنت أكثر من مرة ورحت تعد نفسك بالأمان. بحلول لحظات تحمل طعم الجدة والمغامرة بحماسة من يريد أن يسدل الستار على خرائب ماضٍ ولى تماماً ولم يعلق في ذهنك أي شك في قدرتك على نسيانها، سوى أنها تركت وراءها حزناً مفرطاً استسلم له الصغير، حسبت أنه سيزول بفعل الفراق...‏

كان بصرك يزوغ، يتحرى الظلام، يجوسه، خشية افتضاح السر، كي لا يراك الصغير أو يتلصص عليك، وفي هذه اللحظات تحدق بجزع إلى آلة التسجيل، رمز شقائك! وجاهدت أن تكون هادئاً وتتماسك حين أقنعت نفسك بصعوبة كبيرة بأن هذا هو صوتها الذي تعرف جرسه وبروده المقيت، لأنك لا تريد أن تصدق أن يكون هو ذاته من يودعك الآن في قبضة الاتهام. والذي بات يستحيل بسمعك في نهاية الليل إلى عواء أو نشيج مرير. اختلط بذات الوقت مع هزيم رعد كان يدوي في الخارج فأمسك بك الخوف، وهاج سعير عقلك.. ولم يعد أمامك سوى البحث عن أيما مخرج أو تهشيم آلة التسجيل التي تتعجل إفشاء أسرارك وتبوح بمصيرك على هذا النحو دون أن تعلم إلى أين ستوصلك لذا نطقت في سرك وصرت تقتنع بأنها تتجسس عليك وتحصي أنفاسك وتراقب مقدار خوفك وتراجعك بغية نسف عالمك وحياتك!.. إذ أن اللعبة قد نظمت بمهارة كبيرة. وقد استكملت أدوارها بالإمساك بك ورميك مرغماً في لجتها الحامية فأنّى لك أن تعرف كيف تسللت تلك اليد الخفية إلى مخدعك لتزرع أشرطة الكاسيت بين أقرب أشيائك، كيما ترتشف العذاب على مهل كل يوم. بحكم عثورك عليها في دولاب الملابس. تحت الفراش. وسط نضد الكتب.. فتفكر. كيف وصل بها الأمر إلى هذا الحد. ماذا تريد أن تفعل؟ ولماذا تعود بعد موتها إلى ممارسة هذا الدور؟ وليس ثمة ما تبقى لديك. فلم يعد البحث يعنيك أو يشغلك. بقدر ما أرعبتك، مدى عزلتك، خواء أفكارك. لكأن الحياة غدت تهرب منك، وأنت مكبل عن حل لغز المؤامرة تقاوم بيأس مناورات شبحها الذي يطاردك دونما هوادة..‏

أوشكت أن تصرخ ملء فمك، ألم تكن هي زوجتي ذاتها التي..‏

لقد جاء دورها لمواجهتك ثانية، ورميك في المصيدة، مثلما أنك لا تريد أن تقول من أنك ضيقت عليها منافذ الحياة في سالف الأيام! لم تقل هذا، كما أنك لم تجرؤ أيضاً أن تقول أنك أوقعت ظلمك عليها.. إنما وأنت تتابع الصوت كل ليلة. بات يحتويك الذهول، ويتوغل فيك شيء مروع يهز أعماقك يترك أثره صوتاً خفيفاً، يعلن متهماً إياك..‏

-ألم تقتلها..؟! فتنتفض كطائر، أمسك بغفلة..‏

أفاق الصغير مرعوباً من نومه إثر قصف الرعد، وأصوات اصطفاق الأبواب والنوافذ المختلط بقرقعة المطر على الجدران وبلاط الأرض.. أمسك به خوف شديد، فانتزع نفسه من الفراش، ملتفتاً ناحيتك، ألفى مكانك فارغاً، اصطدمت يده بستارة النافذة بعد برهة. نحاها جانباً، ثمة ظلام كثيف، ودوي أصوات تموج في الخارج، أوشك أن يرفع صوته منادياً إياك، إلا أنه صمت محدقاً في فضاء الغرفة السابحة بضوء خافت، إذ هجس أمراً مريباً، مفكراً في غيابك في تلك الساعة من الليل، وتعمقت دهشته حينما ألفى انطفاء كل أضواء البيت الذي كان مغموراً بظلام حالك.. ولكن استفساراته توقفت فجأة. عندما سكن انهمار المطر في تلك اللحظة وقبل أن يسود الصمت برهة حمله صوت أليف قادم من جوف الظلام. الصوت الذي حسب أنه على مقربة منه، قبل أن يتوجه إلى النافذة القائمة في الجدار الفاصل بين الغرفتين، ليتكوم تحتها دونما حركة، إذ سرعان ما تعرف فيه على صوت أمه!..‏

تلعثم الصغير واقترب من النافذة المنفرجة بفعل هزيم الرعد كما لو أنه يسمعه لأول مرة إذ أدرك مغزاه وكشف ما وراءه رفع رأسه ببطء ومد بصره يتقرى أنحاء ظلام الغرفة، حيث مصدر الصوت وقبل أن تنطق حيرته بشيء جمده رعب مباغت، إذ اصطدم نظره بشبحك الجالس قرب النافذة من الناحية الأخرى. كهيكل جامد. تلفه كتل العتمة حول آلة التسجيل. ظل بمكانه كاتماً أنفاسه المبهورة، يتلقف الكلمات دونما حركة احتوته حيرة، بعد برهة، حينما ارتسمت أمامه صورة أمه وهي تتحدث بذات الكلام إلى آلة التسجيل في ليالي احتضارها حيث كان متكئاً على مقربة منها، غير أنه اللحظة بدا كما لو أنه يسمعه لأول مرة إذ أدرك مغزاه وكشف ما وراءه فارتجفت روحه وتمتم.. يا لقسوته.. أحصل كل هذا؟!‏

في الوقت نفسه كنت تشعر حينما هدأ المطر. أن الصوت بدأ يتجسم، ويستحيل إلى مطارق ودبابيس تنخر رأسك دونما رحمة، فيموت صراخك، تضرب صدغيك بقوة، وتنتزع جسدك من وراء الطاولة، تهرع شبه مذعور، مهتاجاً، تنقب أنحاء الظلمة في كل الأثاث عن أشرطة الكاسيت التي أخفيتها، وبرهة تعود شاداً قبضتك بمجموعها، لتضرب بها أرض الغرفة بعنف، ثم تتهاوى فوقها جامعاً شظاياها وأجزاءها المتناثرة تلقي بها ثانيةً فوق الطاولة حول جهاز التسجيل. ثم تشعل في الحطام عود ثقاب فيتصاعد اللهيب وسرعان ما ينتشر دخان أبيض ورائحة مطاط يحترق وتجري خارجاً مستديراً إلى الغرفة الأخرى لتجد الصغير منتصباً أمامك وعيناه تقدحان مثل رصاص. أحسست بالنار توغل فيك فترتد إلى الخلف إذ تنكشف عرى نظرات مخيفة، بينما كانت اللحظات التالية، توسع فضاء الغرفة بينكما، إذ تحولتما غريبين عن بعضكما وإلى الأبد..‏

1989‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244