رقصتُها.. مطر - كاظم حسوني

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

النشور

لعدة أيام وقاربنا يتواثب في دوامات الموج المضطرب، اجتزنا ممرات كالمتاهات لعرائش القصب الغامضة خضنا بين مخابئ الأحراش السرية وقيعان الماء توغلنا في مغاور ومساحات أشد عتمة لدغل كثيف، أجفلت طيور مطمئنة وكائنات غافية لا حصر لها هبت بوجوهنا صارخة محتجة، نصرّ على المضي نحو المجهول، أنظارنا شاخصة في المدى، نجذف خلال النهار تائهين معلقين وراء حفنة من أمل في سراب مياه لا تنتهي ونؤوب في الليل، يغوص قاربنا في طوفان الرطوبة والعفن بإحدى مكامن أو فجوات غابات البردي المتلاحمة، كمن يلوذ يحتمي من عدوان الليل، إذ لم يعد بمقدورنا أن نميز بوضوح أشكال الحيوات الغامضة التي تهاجمنا من منافذ سرية عبر ظلام متاهات كتل الأعشاب. نبحث عن قليل من الهواء تخنقنا روائح حريفة وحرارة دبقة نمسك بعضنا نتشبث تأخذنا لحظات رعب ندافع بضراوة حالما نلمح عند امتزاج ظلال سريعة مشوهة على شحة الضوء الضامر الضواري المائية التي تجرجر قاربنا والأفاعي وهي تداهمنا والأسماك النزقة وكلاب الماء والخنازير والطيور والسراطين والسحالي والشياطين وثمة مخلوقات تبرز من فوهات كهوف سرية تدّوم حول رؤوسنا تضخ زفيراً وأزيزاً تضرب أصواتها أسماعنا وتعوم منسابة ترتطم بالقارب لتغرز مخالبها ولوامسها وأشواكها بأجسادنا أو ترفع رؤوسها على نور ضئيل وتجحظ بأعينها ثم تختفي أو تتسلق حوافي الزورق حتى ليخيل إلينا أننا أسرى قوى غريبة كما رأينا كائنات تتقاتل وتفترس بعضها بكل براءة وهي تتهاوى في مياه تنبض أعماقها بحياة ضاجة خفية ولا يخمد الصراع إلا مع ضوء الغبش المنسل خلال فراغات سيقان النباتات حين تتفتت كتل الظلام وتتكشف دكنة المياه فتتفرق الحيوانات إلى أوجارها ونأخذ طريقنا وسط المياه تشيعنا سكينة حميمة في جوف القارب نتخفف من معاناة رعب الظلام تعترضنا لأحيان سيقان القصب المتلاصقة كأسوار عالية، نحرف حيزوم القارب، نتيه مستسلمين لقدر محمول على مشيئة الموج والريح، ثمة دم ينفر من رأسي أتلمس خيوطه متيبسة تغمر وجهي، أتلمس سخونة دم جديد، اعتصر سروالي وأعصب رأسي من جديد، يشد أبصارنا مد متلاحق متردداً في المدى وغابات معتمة ككهوف مظلمة لا يدرك عمقها ومساربها السرية. نحن أجساد طافية مثل شبحين متوحدين يطويان المياه، حياتنا عالقة بخيط نحيف، قبضة من أمل، لا نعرف وجهتنا نترقب معجزة اليابسة، لمرات يهيمن الأمل حين يتكسر ضوء الشمس في الأقاصي وتنعكس ظلال قاتمة لإحدى الغابات فنجذف فرحين ننهب المياه وقد حسبناها إحدى القرى!. كنا منهكين نجهل معالم الهور لفظنا عصف وهوج جحيم معارك طاحنة وتبعثرنا فوق مياه الهور المشتعلة، ثمة يد مجهولة رمتني إثر إصابتي في بطن هذا القارب المنحشر بين أسوار القصب المكتظ ووجدتني أتعثر بجسد رجل جريح من رفقتي في نهاية الليل، في حمرة الشفق، اهتز قاربنا وترنح متوقفاً حالما اعترضته نباتات ربوة ناتئة فوق صفحة الماء في استدارتها شريط أدغال كثيفة وأشواك وأعشاب برية عالية، أشرت لصاحبي أن يوثق القارب كيما نمضي الليل بقربها. كعادتنا في الوقوف كل ليلة، فتراءت على شحوب المغيب، أرض رخوة تملؤها حفر وقباب قبور متناثرة وأخرى متلاصقة وشواهد محطمة، مقبرة حقيقية ترفعها أذرع الموج!‏

تتوسطها قبة صغيرة خضراء لعلها مرقد ولي صالح. هتف صاحبي بارتباك ظاهر. -انظر إنها مقبرة؟ أي مجانين رموا موتاهم في هذه البقعة المنسية التي يحاصرها بحر المياه من شتى الجهات، قلت وقد احتوتني الدهشة والقلق.‏

- حقاً أية معجزة جعلتها تتحدى طوفان المياه، رد وبصره شاخص يديم النظر إلى الجزيرة- ربما لامتصاصها كميات هائلة من المياه جعلها تتشبث وتقاوم الغرق. أردف -لن تبتلعها المياه، ربما يحرسها ويدرأ عنها هوج الماء هذا الولي الصالح الغريب ابن الماء وشفيع التائهين! اخترنا الصمت. فيما كان الليل ينجز عتمته. غدت الأشياء سابحة بمساقط أضواء نجوم بعيدة بدا قليل الظلام استشعرنا شيئاً من الأمان، لم تمضِ دقائق حتى انبثق صوت قوي قطع أوصال الليل، دوى مخترقاً عبر الغابات الغامضة والمياه والمجهول! خلته أول وهلة لحيوان جريح إلا أنه ما فتئ أن استحال إلى نواح بشري فاجع إلى أقصى حد أرجف أوصالنا وفجر فينا خوفاً مريعاً، فيما تعالت حمى بكاء انشطر إلى أصوات زعيق متشابهة الوقع كأنها صبت من السماء، نشجت هادرة كموج غاضب، ضربت أنحاء الليل فاهتزت المياه والنباتات والحيوات اللابدة، خلت أن القبور قد نهض ساكنوها! تحلقت أطياف جموعهم متدفقة مذعورة أمامنا سدوا المنافذ برؤوسهم المطأطأة وأكتافهم فوق المياه بحشود غدت تتسع وتتضخم، ضجت نداءاتهم وهم يندفعون بتيارات متلاحقة تصرخ وتولول وتهدر، ثمة حشود مرتلة زاحفة صوبنا طفقت ترفع الدعاء والبكاء والتسابيح بنبرات أصوات خائفة وئيدة لا تنتمي إلى عالمنا! وحشود صامتة يستغرقها موت غريب ويدميها الندم والوعيد، جموع مجانين متوحشين عراة يرسلون موجات صراخ حزين، حشود غرقى تعوي استغاثاتهم وتتعلق أياديهم بأشياء لا وجود لها، تيارات وسيول بشرية تستحم في زحام هذيانات وحمى عويل فاجع بعد أن أبهظت ظهورهم أثقال أثامهم الفادحة وأعشى عيوننا فجأة وهج أبيض حاد، أبرقته السماء، فانكشف الفضاء المعتم بأنوار مبهرة لحظات، واصطفقت على رؤوسنا جلبة مدمدمة.. نضحت أجسادناً عرقاً غزيراً وقفنا صامتين متخشبين تمضغنا دهشة زاغت أبصارنا وهوت قلوبنا. صرخت أدركني يا رب. ارحم. أهو النشور! ورحت أحصي دقائق مجنونة ثقيلة كالجبال أتمتم بأجزاء الصلاة في خشوع وأقاوم تحشرج أنفاسي. تعثرنا ببعضنا كدنا أن نسقط وتبتلعنا عتمة المياه حين ترنح الزورق بفعل ارتجاف أبداننا أو لإيقاع الأصوات الناحبة التي غزت كل شيء!. التفت إليّ صاحبي قلّب نظره في كأنه يحثني، يتأمل مني شيئاً وتلجلج بكلام مختنق، ثم ما لبث أن أطلق زعيقاً ثاقباً وانخرط ببكاء وحشي وعويل يدمي القلب وقد خبأ رأسه بذراعيه متكوراً كالقنفذ في زاوية القارب. لم يبارحني ذهولي وأنا أقف مسلوباً استولى علي العويل وشدني المشهد الغريب. أجل، لا أشك في عقلي لحظة، ما من شيء يشير إلى أن هذا حلم. الليل وهذا البكاء الصاعد إلى السماء أو النازل منها ليس وهماً، كان كل شيء حقيقياً إلى حد مروع، قلت أيتعلق الأمر بورم رأسي الثقيل كالحديد؟ محال أن يكون، إذن إنها إيقاعات ولولة وهدير حشود المقبرة أو.. من يدري لعلها أصوات أبواق ضخمة تنذر بالساعة! لا أصدق أن شياطين أو أناساً يطوفون الضريح في هذا الوقت، إذ ليس ثمة سوانا في بحر الظلام.. اندسست جالساً قرب رفيقي أتصبب عرقاً مأخوذاً لم أجرؤ أن التفت إليه بعد أن استحال الليل إلى بكاء متصل لا يمكن وصفه. تتجاذبني أصداؤه المتصاعدة المترددة في الآفاق الغامضة الموحشة بكاء جموع أرواح هائمة ملتاعة مضناة ما انفكت تجهش بنحيب محموم بلغ به الحزن أقصاه، حتى استحوذت علينا وكشفتنا فأصبحنا أمامها عراة متوحدين يعتصرنا ترقب مريب، كنا وجلين مسلوبي الإرادة رغم أننا ألفنا وأنسنا إلى وقعها وسط عالم لا ينتمي إلى دنيانا!.‏

كان كل ما حولنا فاجعاً مخيفاً ها هي ذي السماء الغامقة تنتحب والمياه تئن والنباتات والأسماك والطيور والمخلوقات تعوّل، تملكني خوف مشحون بفرح غامض إذ خف جسدي فجأة، انسل تعبي، تساقط مني رعبي الطويل شخصت أمامي صور مختلفة. نطت من رأسي فجيعتي، الميتات التي ذقتها، رأيت طرقات طفولتي البعيدة، فتأججت في رغبة محتبسة للبكاء وانطلقت عقيرتي بنحيب محرق عنيف اختلط مع النشيج غدت تعتلج بروحي عبرات دهور، بكيت، بكيت طويلاً من الخوف أو الفرح، اندفعت دموعي فاضت مثل أوار مكبوت ملأتني إثارة طاغية، حنين جارف للإفلات والجنون، لشيء أكبر من بلوغ اليابسة، متوار بعيداً في أعماق روحي، شيء لا أستطيع وصفه. خلت أني أحتضن وجه أمي، اقرأ فيه سلاماً والتمس دفئاً وأماناً جذبني بكاؤنا الشجي. عرفته وهو مختلط بالنحيب يتهدج بعمق كأنين ناي حزين يهدر شكواه يمسح رأسي ويعطيني وعداً بالأمان ويباركني أن يحفظني الرب ويجنبني شبح المجهول.. كان الليل مضاء بفضة بدر مهيمن نشر زرقته فغمرت الكون المائي، وأتلقت الجزيرة كالوشم في جسد الموج، أية أعجوبة؟ جزيرة محمية تحيا وسط الماء تغمرها قبلات الموج تشع مثل روح مباركة. بدت الأصوات تنفرط تنأى وتخفت وتتلاشى مع تراجع الليل. ولم يتبق سوى الأنين! الذي امتصه ضوء النهار الواهن وسكن كل شيء.. وقفنا أمام بعضنا وجلين كأن على رؤوسنا الطير، لبثنا كمسحورين يثقلنا الصمت أمام جلال ما حدث. تأملت صاحبي، أحسست أنه ليس معي وجهه المبهور وعيونه الضائعة بغمرة دهر من الجنون، لكنه حدجني بعد حين، لم يجرؤ أن يتحدث وأنا لم أنبس بشيء أدركنا أن الكلام لا يفك حقيقة الرؤيا ران صمت موتور وشملتنا قداسة اللحظات..‏

السلام أحسسناه حين غمرنا سكون سماوي عميق، غدت أجسادنا المنهكة الجريحة تهدأ وتخف، همس لي صوته بغتة كأنه يزفر:‏

- أتدري حسبته أول وهلة صداح قوافل طيور بيضاء مسافرة نحو الجنوب أتعرفها؟‏

هذه الطيور جوابة الآفاق، تشدو تتنادى مع بعضها لتبدد وحشتها.‏

- قلت. أجل كذلك أهل الجنوب يغنون فيبكون! جميع الذين يسمعون غناءنا يبكون مع أرواحهم غناؤنا عذب وموجع يعطي أرواحنا دِفْأَها المفتقد، إنه بوح محزون يبرئ الجذام، علاماتنا، جباهنا ولمعة عيوننا واختلاج ملامحنا.‏

هبت رياح عاتية مع أول النهار، غدت تسوط الموج فككت عصابة رأسي الناقعة بالدم، شددته بمزق ولفافات قذرة، التهمت مع رفيقي حفنة حشرات وأسماك صغيرة، وهمزت القارب بدفعة مردي بعد أن ركزته في بطن الماء.‏

فانشق بساط الموج متوغلاً في امتداد المياه المدلهمة بعيداً عن الجزيرة، هب صاحبي فجأة من فوق عارضة الزورق التي اقتعدها. شد قبضته بقوة على المردي انتزعه من يدي طالباً مني بصوت ضارع العودة إلى الجزيرة!‏

توقف القارب دفعه باتجاه الجزيرة، أعاقته الريح انتصب واقفاً. إذ أحس بخوار قواه وفي اللحظة ذاتها. انحدرت دموعه منهمرة فوق وجهه اختض جسده بعنف كان وجهه الذاهل يذوب تحت وطأة حلم مروع وما لبث أن احتواه هذيان فجعل يهدر غاضباً ساخطاً يجأر كالممسوس دنا من الماء، احتضن عيدان القصب الناتئة ضمها إلى صدره ثم قفز إلى المياه العميقة تطاير النثار، حلقات تنتشر في الاتساع وأطبق السكون صرخت بلا شعور المجنون عاد إلى الجزيرة ودهمني إعياء تطوح رأسي على حافة الزورق.‏

- انتفضت لصوت القرض الذي فجر صدى حاداً تحت القارب أنياب حيوان أنشبت في التهام ألواح قاعدته المغمورة في المياه تناهبني الخوف كمن مسه خطر مفاجئ. القرض معناه الإيذان بفجيعة ثقب القارب وإغراقه في مجاهيل الهور. شيء مرعب أن يغرقني ويجرني إلى الأعماق جرذ تافه، وقد نجوت سهواً من شدق الموت، ومت وبعثت، مت وبعثت عدة مرات، لكن صوته اختفى، لعله يترصدني على مبعدة، يناور بغية استدراجي إلى فم مجهول. ها هو ذا الصوت، ينتهك السكون مثل رنين متواصل ضارباً قاع الزورق. أسمع جلبة جسده حين يدأب أن يحشر (بوزه) ما بين خروم الألواح التي تساقط عنها القار استشعر حركته عبر اتساع دوائر الماء فأسرع بامساك حافة الزورق أميل بجذعي إلى أسفل، أضرب بعنف قاعدة القارب بذراع المردي الطويلة تتعالى نافورات الماء، أخمن أنني قتلته، إلا أن القرض لا يني يدق القاعدة يشق الألواح بقوة مثيراً حنقي وغضبي كما لو أنه يحفر أخدوداً في جسدي ويأكلني وصفعتني بقوة على وجهي فجأة رشاشات ماء أخذت تتراشق علي بسرعة الرصاص..‏

إنه يلهو بي سيزحف إلي الموت من أنيابه القذرة، أرتعد محتجاً يؤلمني الهوان أشهر سكيني في الهواء أود لو أنفذ إلى الأعماق والهاردة أطعن وجه الماء الساكن بضربات غاضبة، فترتسم دوائر صغيرة كأنها ضحكات هازئة مني، أحدق في الموج وسط اللجة، يخطف بصري الزائغ رفيقي وهو يعوم ويدنو مني يرفع وجهه نحوي، يجعلني مدهوشاً ذاهلاً وبصعوبة أهتدي إلى معرفته وأنا أتفرس فيه غير مصدق، ما هذا، لقد شاخ تماماً! رأيته وقد هرم وصار عجوزاً طاعناً في السن وما انفك يجوب الأعماق، يبث نداءه تتموج أصداء نحيبه في تلافيف الماء بحثاً عن الجزيرة داخلني خاطر بأني هرمت أنا أيضاً! بغتة ترامى صوت القرض حاداً في سلسلة متضخمة تحت الماء. شرع الحيوان يرج القارب، تملكني الاضطراب. هالني أن أهلك في العراء المائي، قلت مؤنباً نفسي أبله ومرتبك استدرجني جرذ تافه إلى لعبة قذرة صرت فريستها ها هو يتسلى بي يمنحني قبضة من وقت صغير قبل أن يفتك بي فالتمعت فكرة مفاجئة برأسي، سكنت مخاوفي فكرة تشبه اكتشاف شيء نادر، أدرت بصري حولي بتوجس همست بحذر تقتضيني مراوغته إيجاد الوسيلة لمهادنة الحيوان بغية كسب الوقت، علني أنجو أبلغ اليابسة قبل فوات الأوان، وللتو خلعت حذائي الثقيل بحماس، كورته انحنيت متكئاً على سيقان القصب وشددته فتدلى بين ألواح قاعدة القارب المغمور في الماء أيقنت أن الجرذ سينشغل في التهام جلدته المتيبسة ويهمل الخشب. هدأت قليلاً غمرتني لذة السكون، ثمة صفير متقطع، ضجيج طيور، رأيت طيراً مصاباً يتمرغ فوق الماء ينازع جرحه المميت وما لبث أن اختبأ بين عيدان القصب ليلفظ أنفاسه. رأيت ظلي يتمرغ فوق الموج، رأسي يستطيل كثيراً، هل أنمسخ إلى هذا الحد؟ ها أنا أطفو وحيداً لا يعلم بي أحد، أتسلى بحياتي العالقة بطبقة رقيقة من خشب القاع ستنثقب وشيكاً في هذا القارب الذي يقودني إلى مسرى غامض مجهول.. اليابسة أضحت مثل لؤلؤة ضائعة في الأعماق!. رفيقي يخطف حولي مثل سمكة هرمة شاخ سريعاً كست وجهه التجاعيد، عويله مثل خيوط مرتعشة سابحة في الماء يغوص لها كمسحور تحيطه هالة من الأسماك والسلاحف. فجأة زحف حولي صوت القرض كثعابين الماء الطويلة. حلَّ بي الفزع، شيء محير أن يلتهم الحذاء في لحظات؟ كان الصوت متكرر الصدى في الأعماق، مثل اكتساح شرير ينشر يشق خشب القارب بحركة حثيثة انحدرت قليلاً. رسوت محاذاة أعواد البردي، اتكأت بمرفقي على حافة الدفة الخشبية إذ استبد بي القلق فكرت أنه صراع أعمى مع كائن زئبقي لا يمكنني أن أراه وألاحقه!.. التقى بصري بعيني سمكة فضية زاهية الألوان، كانت تطالعني بعينين هادئتين. بعد برهة قوست جذعي تطلعت أسفل القارب وقعت عيني على بقايا مزق الحذاء كخيوط سابحة في الموج، فمضيت لتنفيذ خطوة أخرى إذ انتشلت من زاوية الزورق كيس الخبز المتعفن الذي وهبني إياه رفيقي، انحنيت دنوت من الماء علقت الكيس بين فراغ الألواح ثم غرزت المردي بقلب الماء فوثب زورقي لرياح المصير نحو أفق بدأت تبقع وجنته حمرة الغروب، لثوان امتدت مخالبه من خلف عباب الماء وطغى صوته. درت ببصر حائر رشقني على وجهي بقوة رشاش ماء من جهة لا أعلمها سخرت من أفعالي لم أعد أدرك ما ينبغي أن أفعل سوى أن أقدم ما بقي لدي أزلت عصابة رأسي، نزعت قميصي وساعتي اليدوية، خلعت عن جسدي كل شيء.‏

غدوت عارياً تماماً لففتهما بكم القميص ودسستهما بين الألواح لم ألبث طويلاً حتى انفجر قاع الزورق بصوت مثل منشار كبير. قلت: انتهى الوقت الذي وهبني إياه أدركت عبر صداه، إنه لم يبق سوى طبقة رقيقة أخيرة أضحت حياتي معلقة بها وينثقب الزورق، نأيت ببصري كمن يحصي لحظاته الأخيرة وكان قد عتم الهور بدا غارقاً في البعد، فجأة تجمدت دهشة وأنا أشاهد على مبعدة هياكل أكواخ، ثمة أشباح أشخاص بانوا على ظلال الغروب كالدمى وتناهى لسمعي نباح كلاب واهن، اليابسة!. جهدت ذراعاي المتصلبتان تشدان المردي تطويان مسافة ليست بعيدة دون أن التفت لشيء لم يمض وقت طويل حتى اصطدام حيزوم الزورق بلسان الأرض..‏

بغتة طغت ضجة مكتومة من الأعماق، ارتفع الزورق برشقة عنيفة فوق الموج، تطوح جسدي في الهواء لحظات وهبط بي الزورق ومال وقد امتلأ إلى منتصفه بنثار الموج وضج صوت اصطفاق قاعدته بالماء وفي ذات اللحظة انسل من تحت حيوان أسود لحيم مثل كرة كبيرة ذو شكل خنزيري ينظر بعيون حمراء، رأيته وأنا أقف مضطرباً وهو يدرج إلى الأرض يسحب ويدحرج أمامه بقوائمه القصيرة رأساً بشرياً! مدمى نازفاً رماه فوق الدغل المائي ثم دنا منه مد لسانه لعق جراحه بنهم وامتص دمه ثم ما لبث أن قفل عائداً إلى المياه، هالني المشهد فهرعت قافزاً كالملسوع حاثاً جسدي الخائر، رفعت الرأس احتضنته وتطلعت إليه بإمعان فأفزعني وجه رفيقي المعفر بالدم، كان الرأس المقطوع يئن أنزلته جثوت أمامه، صحت به ثم بكيت لم ألبث أن رفعته حملته فوق رأسي ودماؤه تنزف فوقي رحت أدور بكل اتجاه أركض عارياً مجنوناً بين جروف الطين، أصعد به إلى الضفاف العالية، أنزل به أمام المياه أضعه على الأرض لبرهه ثم انحني عليه، التقطه من جديد، أهيم به تائهاً في البراري بينما يتردد صراخي في الآفاق.‏

أيلول/ 1994‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244