|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الليلة الثلاثون وقت أن يدنو المساء، قبل أن يذوب شعاع الشمس ويرحل، تشرع خطى رشيقة ثابتة، تمرق بخفة دونماً صوت كالمساء. ببطء تغيبها الطرق دون أن تلتفت إلى أحد، وليس سوى بضع دقائق حتى تشق طريقها نحو الحدائق المتاخمة للنهر، يستقبلها زجاج داكن لواجهات المحال يعكس اتساق قامتها المديدة، فتتريث في مشيتها حين تلمح صورتها تمر على الزجاج وتخطف بصرها وجوه معتمة غير واضحة تطل من خلف واجهات الكازينوهات والحانات المتناثرة بامتداد الكورنيش عيناها على العشب القصير المبلل الذي تدوسه أقدامها بمهل، تمضي مستغرقة تسفر نظراتها عن أنها تحلم أو تستثيرها فكرة عميقة وهي تطأ الممرات الأسمنتية المتقاطعة التي تقودها بعد أن تنتشل نفسها من صخب الشوارع ولغط المارة إلى تلك المصطبة القائمة في ركن مهمل والغارقة في ظل المساء وسط فسحة محاطة بأعشاب متعرشة، تقف لبرهة قبل أن تجلس وظل ابتسامة يلوح على شفتيها تمتد أناملها لتسوي معالم شعرها المنسدل إلى الخلف بحركة متقنة، ترمي بصرها في المدى. عيناها تداعب المشهد ذاته الذي دأبت على رؤيته كل يوم، ثمة النهر ينساب رخياً متكاسلاً يختلج بصمت منذ الأزل. وهجس حفيف أشجار اليوكالبتوس التي تسيج مساحات معشبة تعج بالمتنزهين. مكان لا يكاد يلحظ يمتص سكينتُه صخب المدينة هادئ ومثير وحالم إلى أقصى حد، يروق لروحها التي تنشد الانطلاق والتمرد لا تسمع شيئاً، شلال الوحشة البارد تركته وراءها في البيت، وجاءت تسفح رماد وحدتها القاسية على الرمل. تحس كل ما فيه من روعة، مرخية سمعها لإيقاع الموج الواهن الذي يغسل حافاته الصخرية بمهل، فتدهمها همهمة أصوات ينبجس من بينها عبر المياه صوت ساخن يعلو فيخفق قلبها إنّه هو، تلك النبرة لزوجها، تجوس أعماقها ويطفح قلبها نشوة وتحتشد الصور في تضاريس المكان تجيء متدافعة كالموج تباعاً وليس عليها سوى أن تعيد تشكيلها بسهولة فتشملها ألفة تشبه الخدر وهي تطوف المساحات الشاسعة إذا تحاصرها صورته. شاربه المقصوص بعناية ابتسامته الخجلة وطريقته البارعة بالتحدث فتغشاها لحظات حب تضيء ذاكرتها بعناد ترى منذ متى، بدأت تستعيد هدوءها القديم بعد أن أمضها فراق زوجها عند التحاقه إلى جبهة القتال وروعتها هموم ثقيلة جثمت على صدرها الغض، في البدء كادت لا تفهم ما حدث لها وقد عصف بها ليل الغربة وخنقها بعباءته الحالكة، إنما بمرور الوقت وبعد أن واصلت حضورها الدائب في المساءات الباكرة تحت ظل أشجار اليوكالبتوس التي رأت وشهدت كل شيء، متخذة مكانها على تلك المصطبة بالذات، بدأ ينسرب إلى نفسها الهدوء ويزدهر بذكريات قديمة مخضبة بعبق المكان، بل صارت تحسس أنها لم تعد وحيدة كما كانت بعدما بعثرت تلك الرتابة المحدقة بها طوال الوقت داخل البيت التي كادت تحيلها إلى جزء من أشيائها الجامدة وهي كم تعرف هذا النهر برائحته المحببة إلى نفسها وهذا السيل المنحدر من تحتها، وتلك الأشجار البالية القديمة التي نخرت جذوعها وتهرأ لحاؤها. كانت تفر راكضة من البيت خلسة وتشد الحبال بين جذعين لتضع أرجوحة مع أترابها تحت هذي الظلال، التي تقيهم لفح الشمس وتحجب فضول باقي الصبية، كم من السنوات مضت على طفولتها وهذا الموج نفسه ألا يحكي سيرة فتوتها وصباها الذاهب.. هنا طافت أقدامها جرت وتشققت وغرست أحلامها الصغيرة فاحتوتها تلك الدروب والمروج والصخور وهدير المياه.. الآن لم يبد عليها أنها إزاء عالمها القديم لكأنها عادت طفلة كالأمس تحدق فيه بعاطفة غريبة كمن يتفقد نفسه، شعرت أنها بالرغم من بلوغها الثلاثين لم تكبر كالنهر مازالت فتية وطليقة ومتوثبة وما أدراها سنوات عبرت بغفلة، جرت كالحلم، أيكون كل هذا الذي لن تنساه مر بهذه السرعة، فلم يكن وقوفها على عتبة مملكتها سوى إثبات حقيقة استجدائها شذى نهاراتها البعيدة. الآن يمكنها أن تهيم حتى الصياح ضائعة في أمان عالم يعرفها تماماً، إنما لا تملك بداً من محاصرة شعورها الطاغي بالفقدان أتذكر أن تفكيرها انقطع عنه يوماً، لم يحدث قط يهاجمها الحنين حتى في أحلامها فتهتاج وتكون أشد قرباً لرائحة الضفاف، وليس بوسعها أيضاً أن تنسى أنها على الرمل عرفت أول مرة طعم الحب.. لقاءاتها مع الرجل الذي هو زوجها، وهي تتمثله على امتداد المسافات المترامية أمامها، تذكر أول مرة رأته بنظارتيه الطبيتين يذرع فيء الأشجار متظاهر أنه لا يعبأ بأحد، سوى الكتاب الذي ينكفئ عليه، غير أنها ضبطته يحدجها خفية من حين لآخر. ما أن تلتفت حتى يلمه الارتباك وتجمد ملامحه ثم يستدير ببصره إلى الأفق كمن ينتظر حدوث شيء، تمضي الدقائق وهي تتلفت بهدوء في كل اتجاهات تخوم مرتعها القديم، فتسري بأعماقها حالة من الامتلاء واللذة لا حدود لها.. وكما لو أن أفكارها ومشاعرها تتوقف فجأة لتفيق على صوت.. تترجع أصداؤه مع الموج المنساب، فيتراءى لها على مبعدة رجل تعرفه تماماً يقف كالشراع داخل قارب ينتظرها يومئ لها داعياً إلى الاقتراب تدنو منه، ثم تسير حثيثاً. تجتاز الممرات الإسمنتية وتهبط مترددة وجلة على المنحدر الصخري وصدرها المكتنز يهتز بأشتهاء مع اندفاعات جسدها الطري، ترفع عينيها تراه يثب من القارب ويأتي إليها يجذبها برفق ويد بيد يقودها كي تتفادى التعثر وقبل بلوغهما القارب يسند كفيه إليها مساعداً إياها للصعود وصوته الرائع تسمعه خلفها يقول، تقدمي هنا ويترك لها مجالاً أمامه، تهمس لنفسها، لم أمامك كنت دائماً تريد هذا، ثم تصمت بانتظار أن تسمعه يكلمها.. يحتويها دفء ملامحه المنشرحة، ما أن ينطلق القارب هادراً يمخر الموج بجولة لساعة أو أكثر حتى تعمد إلى التطلع صوب الضفة الأخرى حيث البيوت القديمة المتلاحقة تتكئ على بنايات شاهقة خلفها، وسمعها مرهف لأيما كلام يقوله وهي تدرك تعاظم رغبته أن تبادره الحديث وتلحظه خفية يتملاها طوال الوقت.. وهو الآخر يعلم أن صمتها لم يكن سوى تظاهر وتبرم بصمته ولعلها أرادت أن تتكلم لكنها لا تعثر على كلمة واحدة وتتشاغل بتسوية خصلات شعرها التي تطير وتحجب وجهها عنه فتزم شفتيها عن ضحكة يحبسها فمها بقصد أن تنساق إلى لعبة سرية تبدو لها أمراً مسلياً، إنما لا تلبث أن تفيق بغتة على يده وهي تمسك شعرها المتطاير بغيض مفتعل فيتعذر عليها كتم ضحكتها وتلتقي عيونهما برهة وينفجران ضاحكين وبغفلة عن رجل القارب يدنو منها تتسلل يده تشد أصابعها ويبقي عينيه في عينيها لحظات. هكذا يريدها أمامه طفلة مزهوة معاندة، يرغب استثارتها، إذ تكون أشد فتنة ورفعة مترفة تلائم جمالها، تضرب أصابعه كتفها يحضها على الكلام. تظل صامتة، لم تشأ أن تفتح فمها، تهز رأسها بدلال وتتضاحك، تعرف كيف تحسن دفعه إلى الكلام لن تتمالك، فتنطلق دعاباته يتبدل الحال. إذ تشملهما ضجة من المرح. وهما يتأرجحان على كتف قارب يكاد يفقدهما توازنهما وهو يجري بسرعة فائقة ويخطف أبصارهما نثار ملون يتلألأ على صفحة النهر مع تراخي الليل، فترى البنايات والحانات والمحال مقلوبة فوق سطح الماء تجسمها أضواء مختلفة غير أنها ما إن تفيق حتى تجد نفسها جالسة على المصطبة ذاتها ترى الشمس تغوص في جسد النهر فتبتسم مع نفسها.. هي اليوم بكامل أناقتها تجلس كملاك فوق كتف النهر.. هذه الليلة ليس كما هو شانها كل ليلة، هيئتها تحمل تباشير قدوم زوجها إنها الليلة الثلاثون، تميل رأسها إلى ساعة معصمها تحصي الوقت بفرح وتوجس يتولاها الابتهاج ويلون عينيها انتظار عذب فيمتلك كل ما حولها طراوة الماء وسكينته ففي الغد ستكون إلى جانب زوجها العائد في إجازة ولعله سيصل قبل انتهاء الليل وتستقبله بعينين مفتوحتين بالتوق والرغبة بعد جليد ثلاثين يوماً. على طرق الباب تهب لاحتضانه، تتملاه وهو يخطو بهيئته العسكرية، ترى البيت مضيئاً بحضوره معلناً هزيمة الليل والوساوس.. فيروح المساء وهو يحدثها كعادته عن رفاقه، فتصحبه وتطوف معه ليل الخنادق المتفجر بالخطر، يأخذها الخوف عليه وهي ترقب حركة يده، ضوء عينيه اللتين أتعبهما العناء وعجبت، أين اختفت هيئته المرحة المعاتبة وعلى الرغم من أنها لم تكن منتبهة منذ البدء إلى التغير الذي كسا معالم شخصيته في أعقاب سنوات غيبته، إلا أنه غدا أكثر حنواً وألقاً ورصانة مما سيحضها هذا الأمر، لإفشاء رغبتها التي كتمتها عنه كل هذا الوقت، لقد فكرت طويلاً وعقدت العزم هذه المرة ليتوج بجرأة عن توقها أن تستحم في النهر ولعله خمن استحواذ هذه الرغبة وآثر الصمت، إنه اندفاع مخيف باتت لا تطيق احتماله، أليس هو عين الجنون الذي كانت تخشاه أمها وتنهرها منه، أما زوجها فلم يمانع إنه رجل يحدس ما يختبئ برأسها من أفكار ونزوات قبل إعلانها له ويستجيب دونما تردد، ولإدراكه من أنها تعودت الاتكاء عليه قبل القيام بأيما عمل يتعلق بشوؤنها المختلفة وربما سيبتهج وينحني يقبلها مشفقاً على الطفل العابث والطافح بالرغبات الذي يزداد نزقاً وتشبثاً بها والرابض وراء كل سنوات عمرها. إذاك ستقوده وتمضي به يداً بيد صوب النهر وعلى مسافة من الدرب قبل المنحدر ستتقدمه هذه المرة، ليس كما اعتاد أن يسبقها إليه لإحضار القارب والإشارة لها بالتوجه، بل ستجعله يقف على الرمل ويملأ عينيه بمشهد لم يره من قبل سيجري كل شيء دون إبطاء وقت تقدم العتمة إذ تقل الخطى عن المكان، تستدير خلف أشجار اليوكالبتوس الكثة التي ستكون ستاراً دون الأعين، تنضو ملابسها وتغوص في الماء تخطف برشاقة سمكة نزقة تتركه يحدق منبهراً، سيدهش من أن تكون هذه التي يراها امرأته لم يطق الوقوف محملقاً. لا بد أن يندفع وراءها ثائراً لكنها ستجذف حثيثاً وتتقصد وضع مسافة بينها وبينه بعيداً من أن ينالها، ليتعذر عليه اللحاق بها وهي تضرب الماء وتنزلق إلى العمق بمهارة لم يعهدها... غير أنها حين تسمع لهاثه وهو يجري وراءها مرهقاً، إذاك ستتعمد التريث، وقبل أن يدركها تستدير بوجهه متضاحكة وتقذفه بنثار الماء. تمنعه من إمساكها وتعاتبه بقسوة لم تتركه طويلاً حتى تقرب منه وتستسلم بعد أن يناله التعب ويعلن عجزه عن مجاراتها فتغلق عينيها وتترك له أن يحتضن السمكة المشاكسة ويغمرها بذراعيه. ستقول له على الضفة أن النهر علمها الكثير حين تراه يقف كالأخرس. تأكله الأسئلة لكنها تنبهت وأوشكت أن تزجر نفسها حين وجدت أنها غارقة في لذة تخيل ما عن لها صنعه أمام زوجها وقفت منتصبة، أطلقت أنفاساً محبوسة، سافرت عيناها على طول النهر مراراً مندهشة كثيراً من خيالها، تعرف شقاوتها التي تزين لها أن تحيا كما تحلم، إنه شيء غريب لم تفهمه، هذا الذي يلهب أفكارها ويحملها بتصميم على ممارسة لعب الطفولة. ويوقظ بها أحلاماً قديمة ماعادت ملائمة لامرأة الثلاثين، تطرق مفكرة فيقفز إلى رأسها ذلك اليوم، تذكر الحادثة وغضب أمها، تنبثق كأنها البارحة، عبر سنوات خلت، حيث كانت لم تزل صبية مشاكسة بصحبة صديقة تكبرها بثلاثة أعوام، عند الغروب في العتمة دخلتا النهر، أجفلها الماء ببرودته وهو يغمر جسدها الصغير، يجذبها الموج أكثر شرعت المسافة بينها وبين صديقتها تكبر، دهمها دوار، أطلقت صرخة قبل أن تفقد وعيها مر وقت، حين ألقت نفسها متقطعة الأنفاس منطرحة على الرمل وأصابع أمها تشد شعرها بقسوة وتضربها بعنف وقد انتفخ وجهها هياجاً وصوتها يزعق، سأريك أيتها المجنونة، ثم تلتفت إلى الحشد الذي أحاط بهما اتركوها.. سأعلمها وهي تحتها تصرخ وتتلوى من الألم. كانت مصدر خوف دائم لأمها التي لم تنجح في منعها بالرغم من كل قسوتها وما بذلته من جهد لتخويفها وإقناعها واعتبرتها شيطاناً لا حول لها عليه وهي ما تنفك تردد، ألا تتعب ساقاك ألا تعرفي الراحة إذا كانت لن تبالي بتحذيراتها وزجرها فتستيقظ في وقت القيلولة قبل أن تصحو أمها وتنسل خفية دون أن يسمع خطوها وتحركاتها وهي تغادر البيت منطلقة صوب النهر، تجمع الحصى والقواقع وتلعق العشب تحت وقدة الظهيرة، تدور بين منحدرات النهر ضائعة حتى يدركها الليل، فتؤوب متعبة، وتنسى أن أخاها الذي يكبرها بسنتين، كم يتمنى أن يخرج إلى النهر ويطئ الضفة لكنه لا يجرأ خشية الوقوع في قبضة الأم.. قلبت أفكارها وعادت تسأل ترى هل يطاوعها لسانها أن تبوح له برغبتها ومتى تدع عبث الطفولة بما لا يناسب سيدة ورائها كل هذه السنوات متى تتخلى عن روحه المسكونة بأفكارها يعذبها الخجل من التصريح بها. احتوتها برهة من صمت موجع إنما في برهة أخرى خالته يبتسم لها ويصغى إلى طلبها، فتبتسم هي أيضاً ولعله سيهتف بها.. ألم أقل أنك تشبهين طيور الماء وأنت تهيمين على وجه النهر وبغتة تتصرم ملامحه ويعلو صوته مفتعلاً إثارتها إنها غلطتي أنني تزوجت من امرأة مجنونة تعشق التسكع ويطلق ضحكة صاخبة أنها تخمن ما سيقوله، إنه الوحيد الذي استطاع إدراك حقيقة تعلقها بالنهر مازالت تذكر ما دار بينهما عشية عودته في أول إجازة له في ذلك المساء. راح يحدق بها ملياً دونما كلمة، فيمسك به ألم ممض، كانت خلال عينيه صبية ضائعة فقدت كثيراً من زهوها، وألم بها الذبول بوجهها الناحل وملامحها الشاحبة، أتكون قد مرضت، أغرقته عاطفة قوية، دنا منها وطوق عنقها ثم ضمها إلى صدره بحنو، فيما اندفعت أنظارها تبحث في عينيه دفء ثلاثين يوماً من الهجير. قالت: - احسب أنك قلق جداً بشأني، رد مؤنباً - طبعاً، ليس من حقك أن تفعلي كل هذا بنفسك، إن ما يحزنني أن أراك خائفة إلى هذا الحد، وانحنى يقبلها مطمئناً وبنبرة لينة. - اسمعي، ليس ثمة ما يدعو أن تشغلي بالك على هذا النحو، لقد اعتدنا تحمل شتى الظروف. لكن الخوف ظل يجوس بداخله وهو يتأملها بحزن ويرى أن كل شيء فيها قد تغير حتى صوتها بدا مختنقاً، حسبها ستهلك وتضيع من فرط وحشتها كان وجهها بين راحتيه بريئاً ومستسلماً وذابلاً فيأخذه تأثر بالغ ويضيف برقة - أرجوك، اعتني بنفسك. أخذت كلماته، تبدد خوفها وتخفف من ثقل القلق ومر وقت حين ألفت نفسها تحدثه عن رأيها في استنشاق برودة المساء قرب النهر وعزمها في التردد إليه أثناء غيبته فلم يوجد عداه من متكأ أمن يمكنه أن يبث السلام إلى روحها وللتو احتوته بهجة وسرعان ما كان يقودها باتجاه النهر، كان خيالها موغلاً في مسالك أيامهما المشتركة، بلذة وخدر، إنما بدت بغتة في عجلة من أمرها حين تنبهت إلى الليل الموشك وهو يغذ خطاه بخفة، فحثت خطوها بين صف الأشجار المتعرج لا تلوي على شيء إلى بيتها، مرت بعدة شوارع، وهي تمشي ببطء منصتة إلى خفق الدم المتصاعد في قلبها بتوق جديد لزوجها وهي تفكر في كلماته... إذ همس بأذنها ذات مرة وهما في سبيلهما إلى البيت عقب قضاء أمسية صاخبة مرحة عند إحدى صديقاتها أتدرين أيتها القطة، كم أحب صوتك. أصداؤه تملأ سمعي حيثما ذهبت، وأشياء أخرى تثيرني لا أريد قولها كي أجنبك الغرور. ثم لكزها بمرفقه مازحاً، أنت طفلة حالمة.. كانت تتابع التمشي بخيال عذب ترى الضوء الراشح من نجوم نائية، وقد قررت أن تضيء كل مصابيح البيت هذه الليلة، إنها الليلة الثلاثون التي ستقهر برد الغربة.. ستسهر حتى الصباح مثلما تعودت وتجهز الطعام وتهيِّئ ملابسه وتعطر المنزل وترتدي أجمل بدلاتها أجل، ستنظف حتى زجاج النوافذ تقيم كرنفالا على نحو ما للقائه. فلم يبق أمامها غير بضع ساعات على عودته ولعله يقدم قبيل خيط الفجر مثل بعض المرات، كانت تهتز حتى الأعماق وهي تفكر هل يمكن أن تراه وتسمع صوته من جديد بعد قليل من الوقت. 1987 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |